المقالات
السياسة
مزامير الخلاص عظات من فصول العهد القديم !
مزامير الخلاص عظات من فصول العهد القديم !
01-16-2015 02:50 AM


توطئة:
هذه أوطان وشعوب تُحدِثُ (قرحها) بيدها، وتجلس في انتظار (القيح) تبكي وتندب حظها، ثم تسأل في غباء (من أين أتى هؤلاء؟؟)؛ يا نحن ويا أنتم أرجو أن نتحسس (أرحامنا الوطنية)!!

(1)
تقر وتؤكد قوانين الجدل مبدأ الحتمية التاريخية الذي يثبت أن بقاء الحال من المحال؛ مما يعني يقينًا أن الكابوس الوطني الإسلاموي الذي طال ليل انقلابه على السلطة الشرعية في السودان، وأرخى سدوله بكل أنواع البلاء زائل بعون الله وجهد شباب السودان؛ والمهم في هذه المرحلة -والتي تبدو فيها أزمة النظام خانقة وتبشر بانبلاج صبح الخلاص- أن تتعظ القوى السياسية الوطنية من عثرات تجارب الماضي، وتُعِدّ العدة لمرحلة ما بعد التغيير؛ لتأسيس نظامٍ قادمٍ أكثر إنسانية، يحطِّم دائرةَ الحلقة الشريرة "انقلاب عسكري – انتفاضة شعبية – انقلاب عسكري) التي رهنت تاريخ السودان المعاصر في فراغها، معطلة بناء دولة المواطنة المدنية الديمقراطية، وعائقة مشاريع انطلاقة نحو التقدم والنماء.

(2)
مغادرة أسر هذه الدائرة الشريرة يتطلب التحرر من الانحباس الفكري، والفكاك من هيمنة التيارات الأيديولوجية الارتدادية، وهذا رهين بصحوة شاملة تعمل على نشر الوعي وتبصير العامة بمخاطر الاتجار بالدين، والخضوع الأعمى لدغدغة الشعارات العقائدية؛ كما يتطلب في ذات الوقت حركة تنوير حقيقية تبحث في أسباب الاستسلام غير المعلن لحبائل هذه الحلقة الشريرة بالرجوع لتاريخ الدولة السودانية المعاصرة، وتقديم قراءة نقدية صادقة ومحايدة لمجمل التجربة السياسية السودانية الحديثة، حيث مثل المشهد السياسي السوداني دوما مفارقة شديدة الغرابة والتعقيد في المنطقة، من حيث اندلاع الثورات الشعبية، وإسقاط الديكتاتوريات العسكرية، والتحول الديمقراطي، ومن ثم الانتكاسة، ونقض الغزل أنكاثا.

(3)
وعلى الرغم من ريادة السودان في مجال مقارعة الدكتاتوريات العسكرية، والنظم الشمولية الخارجة من جلبابها، وسبق جميع دول المنطقة بانتفاضتين شعبيتين في أكتوبر 1964م وأبريل 1985م -أي قبل اندلاع ما يعرف بثورات (الربيع العربي) بأكثر من أربع عقود-؛ أطاحتا بنظامين شموليين، هما نظام الفريق إبراهيم عبود، والمشير جعفر النميري على التوالي، إلا أن رموز السلطة القديمة في كلا الحالتين ما لبثت أن عادت وإعادة إنتاج مصالحها، ومراكز قواها، بمساعدة قوى الثورة المضادة من يمين تقليدي وديني، في ظل لعبة تبدو أكثر ديمقراطية من الناحية الإجرائية فقط، ثم تمكنت بعد حين من استرداد أنفاسها، وتعبيد الطريق مرة أخرى أمام مغامر عسكري ؛ ليسطو على السلطة بانقلاب عسكري جديد، يخرج من تحت إبطه نظاما شموليا أكثر فسادا وبطشا من سابقه.

(4)
دائرة مفرغة وحلقة شريرة ولجها السودان بعد نيله الاستقلال الوطني بفترة وجيزة، وتعذر على شعبه وقواه السياسية، رغم النضالات وفداحة التضحيات، والانتصارات المؤقتة، إيجاد سبيل خروج نهائي من متاهتها، حيث أخفق المشهد السياسي بجميع مكوناته في التخلص من حبائلها الأخطبوطية، حتى أوصلتنا دوامتها لتخوم أزمة وطنية ماحقة، تنذر بضياع الدولة السودانية ما لم تنبذ النخب الوطنية الكسل، وتمعن النظر في تجارب الحكم الوطني التي تعاقبت منذ خروج المستعمر، دون إغفال النظر في تجارب الشعوب، ودول الجوار التي تعيش أجواء جيوسياسية مشابهة، وتعاني بانوراماها السياسية من نفس الأزمات البنيوية والموضوعية التي يعانيها المشهد السياسي السوداني لفهم أصل الداء واستخلاص الدواء.

(5)
لا شك أن السنوات التي تلي مباشرة سقوط النظم الشمولية هي الفترة المفصلية التي تتحدد فيها بصورة حاسمة نتائج الثورات ومصائر الشعوب، حيث يجب أن يتم خلالها إعادة صياغة القواعد المحددة للممارسة السياسية، ورسم التوجهات الاقتصادية، وهو ما يغيب عن ثورات البلاد التي تتمكن فيها النخب القديمة من إعادة إنتاج نفسها كلما ثارت الجماهير، وهذا ما قامت به الجبهة القومية الإسلامية في السودان بعد انتفاضة ابريل 1985م، حين امتطت صهوة الموجة الثورية لتصل للبرلمان، وتشارك في السلطة التنفيذية، رغم أنها كانت شريكا لدكتاتورية مايو المنتفض عليها، قاسمتها الامتيازات، ووزر الجرائم المرتكبة، بينما أهملت القوى الثورية الحقيقية، ساعة جني ثمار نضالاتها وتم تجاوزها، فأصيبت بالإحباط، وانزوت، وهو ما يجعلها اليوم وبعد مرور ربع قرن من الحكم الإسلاموي الفاشل، زاهدة في النضال، ومحايدة تجاه قضايا التغيير.

(6)
الترتيبات المؤسسية المبكرة التي تسبق سقوط النظم الدكتاتورية وتليها مباشرة هي التي تترك بصماتها إيجابا وسلبا على فرص التحول الديمقراطي المستقبلية، مما يجعل من هذه الترتيبات إجراء مهم وذو أثر بالغ، باعتبار أنها هي التي تفرز مراكز قوى، ومصالح النظام الثوري الجديد، وتمنع الردة، وتضمن عدم استمرار ما يسمى في علم الاجتماع السياسي (بلزوجة المؤسسات القديمة)، والتي لا تتغير بنفس سرعة تغير السلطة ورموزها؛ وإذا ما تجاوزنا العملية الإجرائية للديمقراطية في ثورتي أكتوبر 1964م وأبريل 1985م ؛ من انتخابات، نجد أن لب التحول الديمقراطي من ممارسة للحريات والحقوق المدنية والسياسية ظل ضعيفا ومرتبكا ومنحصرا في العاصمة، والمدن الكبرى، وذلك لانعدام الوعي بثقافة الديمقراطية، وعدم تجذر الحريات والحقوق المدنية لدى القواعد الاجتماعية المختلفة، نتيجة تعاقب السلطات الشمولية، وإهمالها المريع لإنسان الريف، الذي يمثل الأغلبية من السكان.

(7)
لتظل الثورة السودانية ظاهرة حضرية بامتياز، بسبب التهميش الاجتماعي والاقتصادي الذي مارسته، ولا زالت النظم الشمولية المتعاقبة على الهامش والريف، حيث ظلت قواعد عريضة من السكان بمعزل عن ممارسة حقوق وحريات يكفلها الدستور، من ضمنها التنظيم النقابي، والاحتجاج الجماعي، وحتى المشاركة في الانتخابات؛ ساعد في تكريس هذا الواقع ضعف المجتمع المدني، وليس المقصود هنا بالمجتمع المدني المنظمات، أو الجمعيات الأهلية، أو نشطاء حقوق الإنسان والمرأة فقط، بل الأنشطة الجماعية كافة، التي تعكس قدرا من الوعي الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي، وتساعد بالتالي في ترسيخ النظام الديمقراطي وحمايته؛ فاندلاع الثورة إن اندلعت أصلا في مجتمع تعاني بنيته المدنية من الضعف، وتعيش جامعاته وتنظيماته النقابية والتعاونياته وروابط طلابية حالة من الاستهداف المنظم وعدم الاستقرار، يجعل من هذه الثورة مجرد تغيير هش، عرضة للانتكاسة والسرقة، وقابلة للإجهاض قبل تحقيق أهدافها ومراميها.
(8)
هذا وغيره من أسباب موضوعية أسهمت في تكريس واستمرار (الحلقة الشريرة) في السودان، ويجدر بنا عند هذه النقطة الإشارة إلى أننا ما زلنا نعالج وندفع بالأسباب التي أدت لإجهاض ثورة أكتوبر وانتفاضة أبريل الشعبية، والتي مضى على الأخيرة زهاء الثلاث عقود، حكم السودان فيها وتحكم في شعبه أبشع نظام شمولي عقائدي، هو نظام الإنقاذ الإسلاموي الحالي، الذي أخطط سياسات تعسفية ومارس ممارسات قمعية، تجعل أمر اندلاع ثورة شعبية على غرار الثورتين الماضيتين وبنفس أدوات النضال التي اعتادها الشعب السوداني ونجح بواسطتها من إزالة الدكتاتوريات السابقة أمر في غاية العسر والصعوبة، إن لم يكن مستحيلا، ما لم تستحدث قوى التغيير أدوات ووسائل نضال جديدة، وذلك بسبب اختلاف طبيعة الدكتاتورية الحالية، التي تقف من ورائها وتحميها الحركة الإسلامية السودانية، بما لديها من إمكانيات مادية وتنظيميه، وبما لها من علاقات وارتباطات دولية وإقليمية.

(9)
سعت السلطة الإسلاموية منذ توليها الحكم بانقلاب عسكري في منتصف 1989م لتدمير الحركة النقابية العمالية المستقلة بدمجها في البيروقراطية، وإخضاع النقابات المهنية لسطوة الحزب والأمن، وإضعاف التنظيمات الطلابية بشكل منظم ومحاولة تصفيتها، كما قامت بتشريد أساتذة الجامعات غير الموالين وضم البقية لشبكات المستفيدين من وجودها، وألحقت الجامعات ومراكز البحث العلمي بالجهاز الإداري السلطوي لتجهز على استقلاليتها وفعاليتها، وإذا ما أضفنا إلى كل هذا التأمر الممنهج ضعف الجمعيات الأهلية ومحدودية عددها، مقارنة بعدد السكان، وانحصار دورها في العاصمة، وضعف تمويلها وإمكانياتها المتواضعة، وكم المضايقات والترصد الأمني الذي تتعرض له، تتضح الحالة التي وصل لها المجتمع المدني ومؤسساته في السودان بعد أكثر من ربع قرن من الاستهداف المباشر.

(10)
أدى هذا الوضع لتقلص هامش النشاط الجماعي المدني المستقل عن الدولة وصاحب هذا الانحسار مد في الدور الذي تؤديه المساجد التي أهملت دورها الدعوي الإرشادي، وغدت منابر سياسية داعمة للسلطة الحاكمة، تفرَّغ علماؤها لتحليل ما أحلت السلطة، وتحريم ما حرمت، حتى انتشرت منظومة فقهيه مبتدعة من فقه (سترة) السارق وإمكانية (تحلله) من الذنب عوضا عن العقاب وإقامة الحد الشرعي عليه ما دام من أنصار ومنسوبي الحركة الإسلامية!!؛ لتتصادم هذه المنظومة البدعية بصورة فاضحة مع صحيح الشرع، وتقود لزعزعة المنظومة الأخلاقية والعقائدية المتوارثة ، وتنتشر نتيجة ذلك شرور ومفاسد عديدة، أنماط منها بالغت الشذوذ لم يعهدها المجتمع السوداني المحافظ من قبل.

(11)
وإرضاء لجشع الطفيلية الإسلاموية تبنت السلطة الرسالية دون بصيرة اقتصاد السوق الحر، وتنصلت الدولة من مسؤولياتها تجاه المواطن، وانسحبت من تقديم الخدمات الضرورية من صحة وتعليم، ودعم للمواد الاستهلاكية، ليتم تصفية القطاع العام، وتستولي على الأصول العامة للدولة مجموعة محدودة من عضوية الحركة الإسلامية، ما لبثت أن سيطرت على جهاز الدولة نفسه، ليبدأ عهد من الفساد المنظم الذي اخترق المجالين الاقتصادي والسياسي، وركز السلطة والثروة في يد النشاط الطفيلي الإسلاموي، الذي حارب الرأسمالية الوطنية في معركة غير متكافئة، حرب شعواء لتفوز الطفيلية الإسلاموية بالسوق، ويفر ما تبقى من رأس مال وطني بجلده للخارج، فتعطلت المصانع، ودمرت المشاريع الزراعية، عماد الاقتصاد الوطني، كمشروع الجزيرة، وغيره، وتشرد العمال، والكفاءات المهنية في أصقاع المهاجر، وفاض الدياسبور، ليتحمل المجتمع السوداني الضعيف كامل التكلفة الباهظة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

(12)
أحكم تحالف السلطة والثروة الإسلاموي قبضته على البلاد، وفشل حتى في التأسيس لاقتصاد حر رشيد، فقط خلق مساحات (خنثى) تجمع بين السلطة والثروة، وتنحو بالاقتصاد السوداني نحو النشاط الطفيلي للمحاسيب، حيث غابت رموز الرأسمالية الوطنية المعروفة، لتظهر على ساحة الاقتصاد وتستأسد نكرات ما يزال المجتمع السوداني ومنذ أن حلوا كالجراد يضرب كف بكف ويتساءل في حيرة (من أين أتى هؤلاء)؟؟ وما أصل الثروات التي هبطت عليهم بغتة؟!؛ الشيء الذي يضع على عاتق الثورة القادمة أن أرادت تجنب مصير أختيها في أكتوبر 1964م وابريل 1985م أن تعيد بسرعة في شقها الاقتصادي/الاجتماعي صياغة دور الدولة في مسألة توزيع الثروة التي تكدست في جيوب رموز الحركة الإسلامية بالمحاسبة والمصادرة وتفعيل مبدأ (من أين لك هذا)، وقوانين محاربة الثراء الحرام، كما عليها إعادة تنظيم السوق على أساس يكسر الاحتكار، وتعارض المصالح، ويسترد مؤسسات القطاع العام التي تمت خصخصتها عشوائيا، ويدعمها ويحميها، مع تشجيع القطاع الخاص، ودعم رأس المال الوطني، ليسهم في التنمية، ويقلل من مخاطر احتكار الدولة لإدارة الاقتصاد الكلي الذي يمكن أن يجنح بها نحو الاستبداد من جديد.

(13)
لقد تضافرت عوامل سلبية كثيرة على ثورتي أكتوبر 1964م وانتفاضة أبريل 1985م، وأدت لعجزهما عن بلوغ مراميهما في التأسيس لدولة المواطنة المدنية الديمقراطية، ليظل السودان يدور كثور الساقية في الحلقة الشريرة، وهاهو بعد زهاء الستين عاما من الحكم الوطني يعيش حاضرا أقسى وأشد بؤسا من ماضية، والعوامل التي تضافرت وأفشلت ثورتيه لا تزال كما هي قائمة؛ بل ازدادت تعقيدا في ظل النظام الإسلاموي الحالي، الذي ارتده عن المنجزات الوطنية الحضارية كافة، ونسفها نسفا غير رحيم، فغدت الترتيبات التي يجب أن تتخذها القوى الثورية إذا ما أرادت للتغيير القادم أن يكون جذريا وقادرا على تحرير الوطن من أسر الحلقة الشريرة أشد تعقيدا، ولا يمكن النجاح في إنجاز التغيير دون المضي قدما في الكشف عن كافة الأسباب التي قادت لمحاصرة وإجهاض التجربتين السابقتين، وعدم السماح لهما بالتجذر وتغيير أنماط العلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة حتى بعد سقوط نظم الحكم الشمولية.

(14)
بالعودة مرة أخرى تلخيصا لأهم عوامل الفشل وأسباب سيطرة (الحلقة الشريرة) على التطور السياسي في السودان ابتغاء العظة والعبرة، على أمل الخروج النهائي من متاهتها، وتجنيب القادم من الأجيال شرورها، نجد أن أولها هو: غياب (النخبة البديلة)، المنحازة بصدق لقضايا الجماهير وعلى تواصل عميق معها يجعلها قادرة لتحيل خياراتها لسياسات عامة، تمنع بها تكرار أخطاء الماضي، وهذا شرط أساسي لبناء ديمقراطية معافاة، ونظام تعددي رشيد، فالنخب الحزبية القديمة قد جُرِّبت وأثبتت فشلها، خاصة نخب الأحزاب التي اعتادت الفوز في الانتخابات اعتمادا على القوى الميكانيكية العمياء التي تنتخب بالعاطفة مرشحين ذي كفاءات متدنية، فينتج عن ذلك أجهزة دولة تنفيذية وتشريعية ورقابية معلولة وضعيفة؛ تتحول هذه النخبة غير المؤهلة بمجرد فوزها بالكراسي إلى فئة مغلقة تبحث عن مصالحها الذاتية أو الحزبية في أحسن الأحوال، بعيدا عن هموم وقضايا وخيارات الجماهير، التي تجد نفسها في واقع الأمر ونهايته غير قادرة وعاجزة عن التأثير في السياسات العامة، رغم تمتعها بالحق في التصويت كل أربع أو خمس سنوات.

(15)
وثانيها انقسام التيارات الوطنية والديمقراطية وفشلها في صياغة برنامج حد أدنى لمرحلة ما بعد الثورة وعجزها عن خلق تحالف عريض لتنفيذ هذا البرنامج وإنجاح هذه المرحلة الهامة في طريق بناء دولة المواطنة المدنية ؛ إن ارتفاع وتيرة هذا الانقسام والتوتر المبكر في سنوات التحول الأولى يفتح المجال على مصراعيه أمام أحزاب اليمين ، لكي تمارس تأثيرها السلبي على الخطاب السياسي برمته ملقية به نحو اليمين أكثر فأكثر من خلال المزايدة على مواقف مكونات المشهد السياسي، مما يشعل فتيل الصراعات بينه وبين بقية القوى الديمقراطية واليسارية ويتعطل تبعا لهذا الصراع حسم قضايا الوطن المصيرية وهذا ما ظلت تمارسه الحركة الإسلامية على الدوام بطرحها لقضية الدستور الإسلامي وإصرارها على تطبيق الشريعة الإسلامية في مجتمع متعدد الديانات والثقافات والأعراق.

(16)
ثالثها تصاعد النكاف الطائفي للحزبين الكبيرين (الاتحادي والأمة)، وفرض نفسه من زاوية الحقوق الدينية على المشهد السياسي الآخذ في الانفتاح، وهذا لا شك يخدم الأحزاب الإسلاموية التي تخوض صراعا على أسلمة الدولة؛ وعموما الصراع الطائفي في مراحل التحول الديمقراطي المبكرة يعد خصما من رصيد الحركة الوطنية، ومن المجتمع المدني بشكل أعم وأشمل، وذلك لإسهامه في دفع المشهد السياسي يمينا، وتمكين أحزاب اليمين الديني من تصعيد الضغط على أحزاب الوسط لتصبح أكثر يمينية في خطابها وسياساتها، وهو ما نشهده بالفعل من ابتزاز رخيص تقوم به وتمارسه الحركة الإسلامية بجميع تياراتها على بقية مكونات المشهد السياسي السوداني في ملفات بعينها مثل الدستور وقضايا الأقليات الدينية والمرأة.

(17)
ولا يكفي تبني الإجراءات الرسمية للديمقراطية من حرية الانتخاب والترشح فقط، لترسيخ دعائم النظام الديمقراطي؛ فالتجربة قد أثبتت أن المشهد السياسي الذي تشكله النخبة الجديدة ديمقراطيا يجب أن يعبر عن عمق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في البلد، ويعمل بجد من أجل تطوير أطرا مؤسسية يمكن الاستناد إليها في تمثيل مصالح الطبقات الضعيفة وتبني سياسات عامة تعالج مشاكلها، حتى يتوفر الاستقرار للنظام الديمقراطي ونجنب الوضع الاقتصادي الهش ضغوطات الإضرابات النقابية العمالية والمهنية أو أي أعمال شغب واسعة النطاق قد تضر بسير عجلة الإنتاج وزيادة الضايقة المعيشة والتي إن حدثت لن تقود فقط لتذمر الشارع بل لحنينه للنظام القديم كما ظل يحدث كل مرة بعد مضي فترة وجيزة من بداية العهد الديمقراطي ؛ ثم لا يلبث الإحباط والإحساس بالفشل من الدفع بمغامر عسكري ليقوم بانقلاب جديد ؛ كسر نمط هذا التفكير يعد من أهم التحديات التي تواجه مرحلة ما بعد التغيير.

(18)
أما التحدي الأكبر الذي يواجه التحول السياسي دوما في السودان عقب كل ثورة أو انتفاضة شعبية فهو نجاح العهد القديم في إعادة إنتاج مصالحه في إطار أكثر تعددية من خلال إتاحة الفرصة أمام رموز منه تشارك القوى الثورية إدارة البلاد ؛ حدث هذا بعد انتفاضة أبريل في تشكيل المجلس العسكري والحكومة الانتقالية اللذان ضما رموز العهد القديم، وعادة ما يتم هذا الأمر تحت ضغوطات خارجية تعمل على عقد صفقات مشبوهة بين رجال العهد القديم من الصف الثاني ورموز مدسوسة على الثورة لضامن مصالح يخشى ضياعها حالما استتب الأمر ودان بالمطلق للقوى الثورية؛ والأدهى والأمر أن المشهد السياسي الذي يخضع لمثل هذه المساومات سيلتف عاجلا على قوى التغيير الحقيقية، ويقصيها ليحل مكانها رموز العهد القديم من ذوي الموارد المالية والخبرة من قوى اليمين، لضرب جانب الثورة الاجتماعي.

(19)
إذا استطاعت قوى التغيير القادم أن تضع الترتيبات اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الممارسات، ووضعت كل هذه المحاذير نصب عينيها، وأنجزت برنامج حد أدنى واجب النفاذ متفق عليه، يحكم الفترة الانتقالية التي تلي الثورة مباشرة، من أوسع طيف معارض، تكون وضعت قدمها على أول الطريق المفضي بالسودان وأهله لبر السلامة، بعيدا عن متاهة الحلقة الشريرة، ولا شك أن الوعي الجماهير الذي تراكم خلال ربع القرن الأخير، والذي امتحن فيه الشعب السوداني على يد زبانية الحركة الإسلامية أعسر امتحان، سيسهل على الطلائع الثورية انجاز هذه المهمة التاريخية المقدسة، وما التوفيق إلا من عند الله القدير العليم.

الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 14/01/2015م




تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 912

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1189138 [الحوري]
5.00/5 (1 صوت)

01-16-2015 06:55 PM
أفكارك جميلة استاذ تيسير .. و ليتك تقتصر بالمختصر المفيد لنفور القراء من المفالات الطويلة و تحبيذ ما قل و دل لكثرة المواضيع براكوبتنا الغراء ... مودتي .

[الحوري]

#1189032 [مهاتير]
5.00/5 (1 صوت)

01-16-2015 03:22 PM
لعل من حسن طالع الحركة الاسلامية الخبيثة و استدامة تحكمها رغم الاحن و الفشل هو استكانة الشعب المغلوب علي أمره و استيائه من تكرار عودة رموز العهد القديم حال الانقضاض علي مافيا الانقاذ كما حدث لاجهاض ثورتي ابريل و اكتوبر من قبل .. فهل لنا بجيل جديد مع كيان يخرج من عباءة السادة و الديناصورات و اندثار الدائرة الشريرة بزوال غالبيتهم الميكانيكية !!!!!

[مهاتير]

تيسير حسن إدريس
تيسير حسن إدريس

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة