المقالات
منوعات
ومنا الحنين .. يا يوسف
ومنا الحنين .. يا يوسف
01-18-2015 09:01 AM


بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين

هكذا كنت تبدأ تدريسك ليّ ، تحب قبل فعل أي شيء أن تقول باسم الله ، وهكذا ابدأ الآن ثم
إلى العزيز يوسف
تحية وسلام
أنت علمتني ذلك ، أتذكر ؟
أتمنى أن تكون بخير ، أنا بخير
الناس من طول مدة غيابك نستك ولم تعد تذكر اسمك خاصة بعد وفاة خالتي
- أمك – البركة فيكم
تغيرنا لم نعد كما نحن ، كل شيء تغير ، ثلاثون عاما مضت ، زمن طويل ، سافرت للدراسة ولم تعد ، كنت صغيرة وقتها ، عندما ودعتني قلت ليّ
- العام القادم ستدخلين الثانوية العامة وتلبسين البني ، فيك سيكون جميلا ، اجتهدي كما علمتك
قلت للجميع أنك ستعود لكنك لم تعد ، طال سفرك
في البداية كنا نشتاق إليك كلنا ، جدي الحسن وهو على فراش الموت قال لأمك إن عاد يوسف أخبريه أن يتزوج بدرية لقد خطبتها له ، بدرية ابنة عمك ، انتظرتك طويلا ورفضت الزواج ، ظلمتها يا يوسف ، هي لم تنتظرك لأنها تحبك بل لأنها كانت تحب جدي الحسن كثيرا ، وحدها من دوننا بقية الأحفاد كانت دائما قربه ، تسرع إليه قبلنا ما أن تسمع يا ولد ، تضحك له حتى وإن ضربها بسبحته الطويلة ، أتذكر تلك السبحة التي كنا نخاف منها لطولها ولحجم حباتها الكبير ، هي الآن معلقة في ديوانه ، لقد أصبح الديوان مهجورا ، لا أحد كما جدي الحسن ، كان رجل هيبة ومهابة ، حكيما وقويا ، واضح الصوت سريع الخطوات ، لكنه كان طيب القلب يا يوسف لا أظنك غضبت منه يوما ، بدرية كانت تناديه أبوي الحسن ، كنا نغار منها ، تخدمه وتأكل من ذات الصحن الذي يأكل منه ، كل نساء الحوش كن يصمتن ساعة مروره ، لا احد يخالف كلامه ، حتى أبوك يا يوسف لم يراجعه يوما رغم أنه كبير أولاده
أيام كانت
لم تعد يا يوسف وانقطع خبرك ، ما صادفك احد ، كل الذين سافروا للدراسة عادوا ، ما عداك ، قالوا أنهم لا يعرفون عنك شيئا ، أمك كانت تسال كل من رجع
كانت تدعو الله أن تفرح بك قبل أن تموت ، ماتت دون أن تراك حتى
لماذا غبت كل هذه السنين ، ماذا وجدت في بلاد الخواجات ، هل الحال هناك يسر النفس ؟، هنا تغير حالنا كثيرا ، البيت الكبير أصبح فارغا من أهله ، بعد جدي الحسن ماتت جدتي أمنه وأمك وأمي ، كانتا تحبان بعضهما كثيرا ، أتذكر أمي؟كانت تطلب منك دائما أن توصلني إلى المدرسة لأنها بعيدة ، كانت تحبك يا يوسف ، كلنا كنا نحبك ، لكنك لم تعد
دخلت الثانوية العامة وصرت بنت كبيرة ، لكن الحال تغير من بعدك أبوابنا التي كانت تفتح كلها في حوش جدي أُغلقت ، لم نعد نأكل مع بعضنا وسط البرندا الطويلة ، قالوا كبرنا يجب أن يسترونا عن الرجال، صرت كبيرة وطويلة لكنني مازلت نحيفة ، يضحكون عليّ ، يقولون كل أكلك ماشي لشعرك ، شعري كان جميلا ورائعا وطويلا ، بنات عمي إبراهيم كن يحسدنني سرا حتى بنات خالتي – أخواتك يا يوسف - ، بشرتي صارت صافية لذلك أمي كانت تخاف عليّ كثيرا لكن يا يوسف للجميلات حظا سيئا أحيانا ، كنت أحس أنني غريبة عن الجميع، المهم الأولاد أيضا كبروا وتزوجوا باكرا ، لا دراسة تشغلهم ولا انتظار وظيفة ، آتوا بزوجاتهم وسكنوا معنا ، بنات البيت غادرن إلا بدرية ظلت تنتظرك يا يوسف ، الآن صارت امرأة عجوز لأنها لم تتزوج ، الزواج يكسب المرأة حيوية ويجعلها سعيدة في حياتها ، زوجات الأولاد كثر بينهم الخصام والقيل والقال لذا أغلقوا كل النفاجات ، الله يرحم جدتي أمنه ما ذلك ليحدث لو أنها حية ، حال الدنيا يا يوسف
تراه كيف حالك أنت ؟ لقد أحببتك يا يوسف وما زلت ، وأنا الآن أكتب إليك بعد كل هذه السنوات ليس لأنني اشتقت لك أو لأني تذكرتك فجأة ، لا لا يا يوسف أنا دائما أتذكرك لكن الحياة أتعبتني وهزمتني ، أنا التي كنت قوية على الدوام وصامدة ، كنت بعضا من جدي ، رغم عظيم حب بدرية له لم تأخذ من صفاته شيئا
أتذكر يا يوسف عندما كنا نلعب في حوش جدي الحسن؟ ، الفات الفات في ايدينو ، كنت تعبرنا ضاحكا ، قلت لي في أحد الأيام صوتك جميل سأناديك منذ اليوم بلبله
- تعالي يا بلبلة
كم اشتقت لهذا الاسم ، لا أحد ناداني به من بعد
- ها يا بلبلة كيف يوم المدرسة كان
كنت الوحيدة التي تذهب إلى المدرسة من بنات الحوش ، كنت أضع يدي على قلبي وأقول لك بصوت طفلة
- اليوم درسنا كيف نتوضأ ودرسنا في الحساب جداول الضرب والخط العددي
وكنت تستمع إليّ مبتسما وتقول ليّ فاردا يدك
- هاتي يدك ، ستصبحين معلمة هذه القرية عندما تكبرين ، تعلمين الأولاد الصغار ، ويكون لك مرتب شهري وتشتري ليّ قميصا وكرفته لأنني وقتها سأكون أنا الطبيب الوحيد في القرية
لم أصبح معلمة وتزوجت بعد الثانوية مباشرة ، قالوا كفي تعليما ، تزوجت من الأمين ، لا أظنك تذكره ، شاب بظل ثقيل وحديث هادئ ، لكن أبوه كان غنيا لذا وافقت أمي فورا ومن بعدها أبي ، مكثت في داره خمسة سنوات كاملة ، لم نتشاجر يوما ولم يرفع صوته في وجهي فانا امرأة متعلمة ، لم أنجب منه ، الحمد لله أنني لم أنجب منه ، افترقنا ، لا لا لا يخطر بذهنك أن فراقنا كان بسبب عدم الإنجاب ، آبدا هو كره كثرة سكوتي وأنا كرهت ظله الثقيل وخطواته التي بلا صوت ، حوار كان بيننا بعد صلاة العصر ، قال ليّ بعده يمكنك الذهاب إلى بيت أهلك ، تزوج بعدي من فتاة سمينة تشبهه كأنها أخته لها ذات الظل الثقيل ، هههه، أم أن هذا في خيالي فقط لأنني مغتاظة منه
تغيرت القرية والناس يا يوسف ، أصبحوا يطبخون طعامهم بالبتوجازات ويغسلون ملابسهم بالغسالات حتى صغارهم أصبحوا نظيفين حتى الحكومة الكبيرة تغيرت ، وصار للرئيس الجديد حاشية مختلفة ورجال آخرون ، أهل كل حكومة يختلفون عن التي مضت ، أتابع كل ذلك في التلفزيون ، حاج زكريا دخل المجلس في البندر ولم يعد يأتينا مذ رشحه أهل القرية للبرلمان ، أصبح رجلا آخر يتحدث بطريقة غريبة ويلبس الغالي من الثياب وله سيارة بيضاء جميلة ، أنا لم أراها يا يوسف ، رجال القرية يقولون ذلك
رحم الله جدي الحسن من بعده لم يعد هنالك كبير بالقرية ومن كانوا قديما في حياته يرتجفون في ديوانه أصبحوا أهل مشورة وحل وعقد الآن ، حاج زكريا الذي لا يعرف فك الخط ولا حساب عائد محصوله يعيش الآن في بيت كبير وجميل في البندر
دنيا يا يوسف
بعد طلاقي من الأمين حاصرني الجميع ولم يطيقوا عودتي مرة أخرى للبيت ، صرت كما البيت الواقف ، امرأة مطلقة ولا تلد ، أنت تعلم أنهم يكرهون المرأة التي لا تأتي بالولد ، وأنا لا آتيت بالولد ولا البنت ، صار الوقت يمر كئيبا والليل كثيف السواد ونوبات القلق التي كانت تجتاح وحدتي لا تطاق وكنت ضعيفة حد الإحساس بأنهم كلهم أقوياء
وتزوجت ثانية يا يوسف ، لا تستعجل سأقول لك من هو ، لكن عدني بأنك لن تغضب مني ، لأننا أحياننا لا نعي جيدا ما نفعل ، نرتكب أخطاءً كبيرة في حق أنفسنا ونظلمها ساعة ضعف ، نكافح لبث القوة فينا من جديد ، فقدت خمسة سنوات من عمري عندما تزوجت الأمين ، لكن الخسارة ليست فيما نفقده بل فيما يتبقى في نفوسنا من شعور بالعجز تجاه حياتنا ، ذلك كان إحساسي عندما تزوجت مختار ، لا تندهش يا يوسف ولا ترفع حاجبك – أنت تفعل ذلك عندما تغضب – أتذكر تفاصيلك جيداً ، نعم مختار ، أنت تعرفه ، كان أغبي تلميذ في الفصل ، طبعا لم يكمل دراسته لكنه نجح في الزراعة ، يبدو أن عقله كان في يده ، لكنه ظل غبيا كما هو ، الحمد لله أن رحمي كان عقيما
مالي وكل هذه الذكريات الآن !
اشتاق إليك كثيرا يا يوسف ، في ضعفنا يقتلنا الحنين يضغط على القلب حد الوجع ، نشتاق إلى من كان يبتسم في وجهنا ويقول كلاما جميلاً ، أنا وحدي لم أتغير ، كما كنت امرأة أحلام وحب ، مازلت يا يوسف رقيقة القلب ويأسرني حلو الكلام ، أحيانا نحن لا نعرف قدر أنفسنا ولا قيمتها
الحياة أتعبتني وحملتني جراحات عميقة وهزائم لم يعد بالقلب متسع لأحزان جديدة
ليتك عدت يا يوسف ولم تغب كل هذه السنوات !
لماذا غبت ؟ ألديك هناك في بلاد الخواجات بيت وامرأة وأولاد ؟ كيف هي ؟ أهي جميلة يا يوسف ، شعرها أشقر وعيونها خضراء ، أتغسل لك ثيابك وتصنع لك الطعام
يوم كنت مسافرا كنت سعيدا جدا لأن جدي الحسن وافق على سفرك للدراسة ، كنت طموحا كما النسر قويا وحنونا كما جدي وكانت حنيتك تلك وحدها آسرتي ، دفعت نفاج بيتكم عابرا الحوش ، كنت واقفة ظهري تجاه حائط بيتنا ووجهي قبالتك ، ابتسمت ابتسامة واسعة وجئت نحوي
- بلبلة
حاولت من فرحتك أن تحملني ، لكنك لم تستطع ضحكت
- لقد كبرتي وصرتي ثقيلة ، اسمعي يا بلبلة إياك أن تزوجك أمك لا تقطعي تعليمك ، اتفقنا
- متى ستعود؟
- لا ادري لكن لن أطول الغيبة
لكن غيبتك طالت يا يوسف وأنا ما حافظت على وعدي
غلبتني الدموع ، أخيرا سقطت ، كم عاندتها لأنك لم تكن تحبها ، وحدك يا يوسف كنت نقطة مضيئة في حياتي ، كنت نجما وستظل ساطعا
هل ستستطيع قراءة خطابي فأنت بالتأكيد لم تعد مثلنا ، تغيرت وصرت تتحدث كما الخواجات في بلادهم ، هل نسائهن مثلنا ، يغسلن ويطبخن ويحترمن أزواجهن كما جدتي أمنه وأمي ، هن قطعا جميلات وشعرهن أيضا جميلا لكن كيف هي قلوبهن ، هل يعرفن الحب ؟ هل تحبك زوجتك مثلي يا يوسف
ياه صار الخطاب طويلا وأنا لا أحب لك التعب ، لا أدري إن كان سيصلك أم لا
لكني على أي حال سأكتب اسمك كاملا على الظرف وأودعه صندوق البريد
مع السلامة يا يوسف


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 464

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أميمة عبدالله
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة