المقالات
السياسة

01-18-2015 10:52 PM

الفقر : هناك عدة مفاهيم شرطية للفقر ؛ غير أنني أضع مفهوماً للفقر أكثر عمومية ، وهو أن الفقر هو ‏محدودية الخيارات ، وعلى هذا ؛ فإن آلية الدولة الأساسية لمكافحة الفقر هي فتح أبواب أخرى لخيارات ‏الفرد ليخرج من شريحة إلى أخرى أعلى أو – في ظروف استثنائية- من طبقة أدني إلى طبقة أعلى.‏
يخلق الفقر ثقافته الخاصة به ، وهي ثقافة سلبية جداً ، فبوجود الفقر ، يكون منطق العنف سائداً . خاصة ‏عندما تكون بيئة الفقر محتجزة بين أو قرب بيئة غنية ، حيث تتعالى التطلعات ، ومع ضعف الوسائل ، ‏تـنقلب التطلعات إلى مشاعر سلبية كالحسد والبغض والكراهية ، ومع ازدياد هذه المشاعر والعجز ، فإن ‏آيدولوجيات سطحية تنسج خيوطها حول هذه المشاعر لتكون قائداً تبريرياً مقبولاً لدى الجماعة. وقد تتطور ‏هذه الآيدولوجيات (كالماوية مثلاً) لتأخذ إتجاهاً تطبيقياً إقليمياً أو عالمياً. وتمنح الآيدولوجيات –سواءً تلك ‏الساذجة أو المتطورة- مبرراً لاستخدام العنف ، والوصول إلى السلطة . ‏
إننا نكاد نرى هذه المشاعر السلبية حينما تتطور إلى شكل أكثر عنفاً لتبلغ مبلغ الجريمة المعاقب عليها ‏قانوناً ، كالقتل والإغتصاب ، والسطو المسلح ..الخ. إن المجرم ليكاد لا يشعر بالذنب أو اللوم الذاتي ‏نتيجة ما تقترفه يداه ، والسبب أن لديه مبرره الآيدولوجي ذلك الذي يغلف مشاعره السلبية العميقة تجاه ‏الأغنياء أو تجاه الدنيا أو تجاه القدر .‏
وبقدر ما يخلقه الفقر –في جانبه الإيجابي- من إنتماء إجتماعي بقدر ما يخلق – في المقابل-فردية ‏براغماتية ساكنة في أعماق اللا وعي. كما أن رغبة التملك تأخذ قيمة عالية ، حيث يتم تقييم أبخس ‏الأشياء تقييماً مغالىً فيه ، ومن ثمَّ فإن فكرة التشارك مع الآخر تكون أضعف إلا في مسائل استثنائية ‏غالباً ما تقررها الجماعة في شكل عرفي.‏
ونتيجة لما سبق فإن وصول الطبقة الفقيرة إلى السلطة يؤدي إلى حالات فساد متسارعة وشرهة ولا تتقيد ‏بأي ضوابط أخلاقية أو حضارية أو قانونية. ويتم تدمير القواعد القانونية من قبل السلطة للوصول إلى ‏الثروة . بل وقد تعمد الطبقة الحاكمة إلى تدمير البنية الأخلاقية للمجتمع لكي تكون جرائم الفساد ذات ‏شرعية إجتماعية أو مقبولة أو غير مستهجنة إجتماعياً . ومن ثم فإن السلطة قد تعمد إلى الإفساد في ‏الوقت الذي تمارس فيه الفساد. وتعمد السلطة الناهضة من طبقة الفقر إلى العنف والقهر والإذلال ، كما ‏أنها ضعيفة الإرادة عندما تجابه مخاطر حقيقية ومؤثرة عليها. أي أنها؛ تتملكها حالة السادية والمازوخية ‏في وقت واحد.‏
لا يسلم الجنس من تأثيرات الفقر؛ فالجنس أكثر إمكانية وإحتمالاً ، وهو الأكثر إبرازاً للذكورة وبالتالي ‏يستعاض به عن صعوبة أو استحالة التملك الآخر للأموال . يلعب الجنس إذاً دوراً تخفيفياً كبيراً لحدة ‏الشعور بالدونية أو الإحباط أو الإنهزام تجاه التطلعات غير الممكنة ، وبالتالي فإن ممارسة الجنس تكاد ‏تكون انتقامية بشكل لا شعوري. يمكننا ومن خلال منهج دراسة الحالة أو من خلال إحصائية علمية ‏لأساليب ممارسة الجنس في الطبقات الفقيرة أن نكتشف نمطاً سائداً ، وهو نمط العنف ، أو نمط الممارسة ‏التي لا تأخذ فيها حالة المغازلة أو مقدمات الجماع وقتاً طويلاً في الطبقة الفقيرة. إنها أشبه بوضع المزارع ‏للبذور مباشرة داخل التربة . وتعتبر حالة سرقة أنثى من ذكر آخر نوعاً من الإنتصار الذكوري، ولذلك – ‏وبالمقابل- فإن نزع أنثى من ذكر يعد هزيمة نكراء وتشكيكاً نفسياً واجتماعياً في ذكورة الرجل. ولذلك فإن ‏أغلب جرائم القتل لا يكون دافعها جنسياً محضاً بقدر ما هو حالة إنهزام ذكوري نتيجة إنتزاع أنثى من رجل ‏، ويتفاقم الشعور السلبي إذا كان المنتصر في هذه المعركة قد انتصر نتيجة التفوق المالي.‏
والمهم بالنسبة لي هنا هو اختلاف أساليب ممارسة الجنس بين الطبقات ، ففي الطبقات الفقيرة ، تتمحور ‏فكرة الذكورة في الخشونة ، على المستوى الإدراكي الأنثوي والذكوري ؛ فالرجل ذو القبضة القوية أكثر إثارة ‏من الرجل ذو القبضة الضعيفة ، ويلعب معيار طول الرجل وتكوينه الجسماني أيضاً دوراً في عملية التقييم ‏الجنسي. كما أن ممارسة الجنس لا تبدأ بعملية ملاطفات أو مقدمات جماع طويلة ، بل تتم على شكل ‏إغتصاب . وخلافاً لذلك فإن الطبقة البرجوازية تميل إلى ممارسة الجنس بمقدمات جماع طويلة ، بل قد ‏تسبقها حالة من التهيئة الرومانسية كتـناول العشاء في مطعم ، أو الذهاب إلى منتجع سياحي ، أو ‏رقصات رومانسية خفيفة ، ...الخ. هذه الصورة تكاد تكون مرفوضة ذكورياً لدى الطبقات الفقيرة ، لأنها لا ‏تعبر إلا عن حالة خنوثة لا يمكن قبولها. في المقابل – فإن الجنس لدى الطبقة البرجوازية هو عملية ‏استمتاع متكافئ ، تتحلل فيه الفوقية الذكورية إلى حالة أكثر تساوياً في الإستمتاع والإمتاع؛ في حين أن ‏الفوقية الذكورية –لدى الطبقة الفقيرة- أساس للممارسة الجنسية حيث لا يصل الرجل إلى الإستمتاع إلا ‏بحالة الخضوع الأنثوي في اللحظة الجنسية. وإذا كان للمرأة – في الطبقة الغنية- أن تمارس دوراً قيادياً في ‏العملية الجنسية أو أن تتبادل هذا الدور مع الرجل؛ فإن هذا الدور يجب ألا يلعبه سوى الذكر في الطبقة ‏الفقيرة.‏
وبما أن الجنس هو تعويض عن إستحالة أو ضعف إحتمالية التملك كعامل من عوامل بناء الشعور ‏بالذات والإعتداد بالنفس ، لذلك فإن التفكير في الجنس يكاد يكون متواصلاً لدى الطبقة الفقيرة . إن أهمية ‏المشاركة أو التفاعل الفكري بين الرجل والمرأة تكاد تكون معدومة وغير مهمة . ولذلك فإن النقاش الذكوري ‏يجب أن يكون محصوراً في الذكور ؛ كما أن النقاش الأنثوي يجب أن يكون محصوراً في الإناث ؛ إن ‏محاولة المرأة للتدخل في نقاش ذكوري تعني إنحلالها أخلاقياً ، ومشاركة الرجل في نقاش أنثوي تعني ‏تشكيكاً في ذكورته إن لم يكن خنوثة مؤكدة . ومن ثم فإن المواضيع التي يجب أن تناقشها المرأة تختلف ‏‏–بل ويجب أن تختلف- عن تلك التي يناقشها الرجل . ‏
يترتب على ذلك أن مهام المرأة نفسها يجب أن تنحصر في أدوار معينة . بل أن تعليمها يجب – في ‏أحسن الفروض- أن يتوقف عند مرحلة معينة . ولذلك فإن مدنية الدولة هي إتجاه غير مقبول أبداً لدى ‏الطبقة الفقيرة. وقد تتحول ثقافة الفقر هذه إلى ثقافة سائدة كمعيار أخلاقي ، ومن ثم فإنها قد تتمدد لتتجاوز ‏إطارها الإقتصادي الذي خلقها ؛ لتكون هي بذاتها ميزان لكافة طبقات المجتمع اللاحقة.‏
وإذا كان تحليل أثر الفقر على الجنس يمكن أن يستمر بشكل مطول ؛ فإن آخر ما يمكننا أن نقوله ؛ هو ‏ضرورة أن تعمل الدولة على مكافحة الفقر ؛ بإتاحة خيارات أكبر للفرد ؛ تمهيداً للإنتقال إلى الدولة المدنية ‏الحديثة. إن إستمرار الفقر هو أكبر معوق لتطور الدولة وأقوى معرقل للديمقراطية ، بل و لليبرالية أيضاً.‏

amallaw@hotmail.com


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1584

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1191273 [كونداليزا]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2015 08:38 PM
مقالك لا غبار عليه سوى التحامل "بذوق" على الفقراء...! مع المعذرة لك: لأنك شخصية "ثرة" وعميقة استسمحك بمشاهدة فيلم بسيط للغاية اسمه "المنسي" بطولة عادل إمام.

[كونداليزا]

#1191178 [ابووائل]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2015 04:59 PM
مفاهيم وتحليل جيد ومنطقى لافض فوك

[ابووائل]

#1191150 [رفرف]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2015 04:08 PM
اختلف معك في تصنيف الرجل الفقير بالشخص العنيف جنسيا ...العنف في الجنس يتآتي من شخص مريض وليس شخص فقير او حتي غني.

عامل اخر يؤثر في فهم الانسان "غنيا كان او فقير" في تعاطيه مع الجنس او السلطة او اي من معاني الحياة هو التربية الاسرية فان سلمت سلم ...

[رفرف]

#1190871 [عطوى32]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2015 10:33 AM
.. (يترتب على ذلك أن مهام المرأة نفسها يجب أن تنحصر في أدوار معينة . بل أن تعليمها يجب – في ‏أحسن الفروض- أن يتوقف عند مرحلة معينة . ولذلك فإن مدنية الدولة هي إتجاه غير مقبول أبداً لدى ‏الطبقة الفقيرة. وقد تتحول ثقافة الفقر هذه إلى ثقافة سائدة كمعيار أخلاقي ، ومن ثم فإنها قد تتمدد لتتجاوز ‏إطارها الإقتصادي الذي خلقها ؛ لتكون هي بذاتها ميزان لكافة طبقات المجتمع اللاحقة) ؟؟

ههههههها كلام دقيق ويلامس حالنا تماما فكل الشعوب الشرقية تعانى من هذة المتلازمة المصيبة حتى المجتمع الخليجى الثرى لو تتبعنا سلوكم يؤكد بان نتاج بيئة فقيرة جدا وقاحلة لم يستطيع تدفق البتروزل تغيرها .. والكيزان خير دليل جلهم اتى من ماطق قاحلة فعم الحقد والكراهية والسحد الذى لم يربارح تفكيرهم حتى بعد ان بنو الفلل ..

[عطوى32]

#1190780 [سودانية]
5.00/5 (1 صوت)

01-19-2015 08:51 AM
كلامك منطقي مليون في المية
ان محاولة المراة التدخل في نقاش ذكوري تعني انحلالها اخلاقيا
هذه الجزيءية لفتت انتباهي لاني كثيرا ما الاحظ عندما اشارك او اعلق علي اي موضوع عام في الراكوبة مثلا او اي موقع اخر الاقي استنكارا واستهجانا واستخفافا براي قد يصل في بعض الاحيان الي التحرش الجنسي اللفظي
وطبعا انا عارفة انهم عايزين يطفشوني بالاسلوب ده لكن اذا نزل راي او تعليقي تحت اسم يوحي بان صاحبه ذكر يتغير الموقف تماما الي القبول والاستحسان والاشادة

[سودانية]

#1190672 [فيصل مصطفى]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2015 03:06 AM
هذا المقال ينطبق على حال الوضع القائم
تماماً
هم فعلاً من الطبقة الفقيرة التي سعت
حثيثاً لتدمير البنية الأخلاقية حتى يتساوى
معهم أصحاب المثل العليا في فسادهم
و بالذات الفقير الذي أتى من بيئة متدنية
أخلاقياً و فاقدة للأعراف السودانية السمحة
حينما يمتلك السلطة يكون أكثر إستمتاعاً
بالجنس من غيره
إذن الأخلاق النبيلة و المثل العليا إذا كانت عارية
من السلطة و المال تظل فريسة مستباحة للناهشين
أصبت كبد الحقيقة يا كردفاني !!؟....

[فيصل مصطفى]

ردود على فيصل مصطفى
[دكتور شول] 01-19-2015 09:51 AM
كلام غريب صادر من تفكير اشد غرابة يافيصل ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

الاخلاق السودامية السمحة التى تتكلم عنها اساسها الطبقات الفقيرة ومجتمع الريف والقرية السودانية البسيط وليس العكس ......الحاصل الان هو نتيجة ممارسات نمط تفكير جماعة

بعينها ولا تتحمل مسؤليته ابدا الطبقة الفقيرة التى انجبت كل عباقرة السودان ومخلصيه

بلا استثناء ابتداء من محمود محمد طه ومرورا بعبدالخالق محجوب وتقد وحميد ومصطفى سيد احمد وكثر غيرهم ................
راجع نفسك ولاتكن طبقيا


#1190652 [الدنقلاوي]
5.00/5 (1 صوت)

01-19-2015 01:26 AM
التخلف المعرفي والجهل وغياب الوعي وسيطرة الغيبيات هي المشكلة وليس لبفقر بحد ذاته فالأغنياء الجهلاء أشد تدميرا - ان وصلوا للحكم - من الفقراء واشد اهتماما بالجنس كحقل لتأكيد فحولتهم وغناهم - ثلاثا ورباع - الجهل والتخلف المعرفي هما منبع كل هذه البلاوي يا استاذ

[الدنقلاوي]

ردود على الدنقلاوي
European Union [ٍشمس الأصيل] 01-19-2015 11:13 AM
كلامك صحيح يا دنقلاوي
غياب الوعي هو جذر المشكلة فالفقر ليس هو المشكلة من الاساس. من هو الذي جعل الناس فقراء وافقرهم وجوعهم وجعلهم جاهلين!
فهناك الكثير من الفقراء مهذبون وناجحون وعفيفون ولا يسالون الناس الحافا بينما هناك الكثير من الاغنياء مترفين ومبذرون ومسرفون واخوان شياطين
الفقر هو ليس اكبر معوق للديمقراطية واليبرالية بل الطغاة والاغنياء من الطبقة المترفة الذين لا يريدون التغيير للديمقراطية هم اكبر معضلة للتحول الديمقراطي.
فالمفروض اولا ان يتم التحول الديمقراطي بثورة او غيره عشان ينتشل الفقراء، وليس العكس.


د.أمل الكردفاني
د.أمل الكردفاني

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة