المقالات
السياسة
عرض لكتاب إيرهارد أويسر "إمبراطورية المهدي: قيام وسقوط أول ثيوقراطية إسلامية"
عرض لكتاب إيرهارد أويسر "إمبراطورية المهدي: قيام وسقوط أول ثيوقراطية إسلامية"
01-18-2015 10:50 PM

عرض لكتاب إيرهارد أويسر "إمبراطورية المهدي: قيام وسقوط أول ثيوقراطية إسلامية"
Das Reich des Mahdi. Aufstieg und Untergang des ersten islamischen Gottesstaates, 1885-1897. By Erhard Oeser
Prof. Florian Krobb بروفيسور فلوريان كروب

ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


مقدمة: هذا عرض قصير لمؤلف نشره أكاديمي نمساوي الجنسية هو إيرهارد اويسر. ولد الرجل في براغ في 1938م، ودرس الفلسفة في ميونخ وفينا وصار أستاذا للفلسفة ونظرية العلم في الجامعات النمساوية. وله أيضا بحوث متنوعة – بالاشتراك مع آخرين - عن الدماغ والعلوم العصبية وغيرها من العلوم الطبيعية. ونشر الرجل العديد من المقالات والكتب المتباينة الموضوعات منها كتاب عن "تاريخ علوم الدماغ" و"الدماغ الواثق" وكتاب عن استئناس القطط والكلاب والخيول، وتاريخ العلاقة بين الإنسان والحيوانات الأليفة (pets)، وتاريخ استكشاف الفضاء وأبحاث الكوارث والزلازل. وتناول في آخر أعماله (والصادر في 2012م) موضوعا دينيا هو ثيوقراطية المهدية بالسودان.
وكتب العرض البروفيسور فلوريان كروب أستاذ اللغة الألمانية بالجامعة الوطنية الإيرلندية في مينوث Maynooth بإيرلندا، والذي تشمل اهتماماته البحثية كتابات الرحالة الألمان في أفريقيا، وتاريخ الآداب اليهودية الألمانية، والواقعية الألمانية. ونشر هذا العرض عام 2014م في العدد رقم 55 من مجلة الدراسات الإفريقية. The Journal of African Studies
المترجم
******* ************** *************

كان قيام الثورة المهدية في السودان بين عامي 1881 – 1885م ووجود الدولة المهدية حتى عام 1897م نقطة تحول في تاريخ أفريقيا وتاريخ الاستعمار أيضا (المعروف أن الدولة المهدية سقطت رسميا في 1898م. المترجم). وأحدث قيام هذه الثورة انتكاسة حادة في عملية الاحتلال الأوربي لإفريقيا، وهزت كثيرا من الافتراضات التي بنيت عليها تلك العملية (مثل الافتراض القائل بأن أفريقيا غير قادرة على تشكيل أنظمة سياسية قوية ومستقرة)، وزادت من وتيرة التنافس بين القوى الإمبريالية المتسابقة على السيطرة على المستعمرات.
وكان كل شهود العيان لما كان يحدث في أمدرمان في عهد المهدية هم من النمساويين والألمان، وهم رودولف سلاطين (والذي سجل مذكراته في "النار والسيف في السودان: سرد شخصي لكفاحي في قتال وخدمة الدراويش بين عامي 1879 و1895م" والذي ترجمه للإنجليزية ونجت باشا في 1896م، وللفرنسية السيد G. Berttex في عام 1898م)، وجوزيف اورفالدر (والذي ألف كتاب "عشر سنوات في أسر معسكر المهدي. 1882 – 1892م، والذي ترجمه ونجت باشا في 1893م)، وكارل نيوفيلدن (والذي ألف "سجين الخليفة: 12 عاما في الأسر بأمدرمان" في عام 1899م).
وكان كتابا سلاطين واورفالدر أهم كتابين أثرا على الرأي العام الأوربي بطريقة حاسمة، ودفعتا بصورة خاصة الإمبراطورية البريطانية للقيام بحملة عسكرية ضد المتمردين insurgents (؟! المترجم). وبناء على كل ما ذكر من آراء قام إيرهارد اويسر بتأليف كتابه هذا عن الدولة المهدية والذي نشرته واحدة من أكبر دور النشر الاكاديمية الألمانية وأكثرها احتراما.
ويربط المرء بين عنوان الكتاب نفسه، والذي يصف الدولة المهدية ويصنفها على أنها " أول ثيوقراطية إسلامية" وما نراه اليوم من تخوف من طبيعة وانتشار الأصولية الإسلامية. وهذا ما يجعل أي دراسة لبحث جذور العداوات العالمية والصراعات الثقافية مصدر ترحيب بالتأكيد. غير أنه – وللأسف الشديد – لم يكن ذلك من ضمن اهتمامات مؤلف هذا الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته. فالمؤلف يعرض الأحداث من وجهة نظر الشهود الأوربيين فحسب، ويقتبس فقرات مطولة من تقاريرهم أو يعيد صياغتها، ويعيد تسجيل مغامراتهم وصراعهم من أجل البقاء. وأثمرت جهود المؤلف عن سرد نابض بالحياة وممتع القراءة عن حَيَوات ومصائر ومشاهدات وملاحظات أسرى الخليفة (ولكن ليس أكثر من ذلك).
وكان سلاطين، خلافا للمبشر المسيحي اورفالدر والتاجر نيوفيلدن، قد تحول ظاهريا إلى الإسلام، وبحكم وظيفته السابقة كحاكم لدارفور، ظل قريبا من الخليفة، ولعل هذا مما يجعله أقربهم إلى تقديم تقويم سياسي متبصر. غير أن الأسيرين الآخرين قدما أيضا في كتابيهما وصفيين دقيقين ونابضين بالحيوية لأحوال الناس في أمدرمان وهياكلها الاجتماعية. وعلى الرغم من أن هذا الكتاب الذي نستعرضه الآن يقدم تفاصيل دقيقة، إلا أنه أخفق في أن يقرأ المصادر الرئيسة (primary sources) كنصوص كتبت من أجل إحداث تأثير معين. وهذا يعني أنه فشل في تحديد الاستراتيجيات النصية (textual strategies) التي تحكم التركيز الموضوعي (thematic focus) لها فيما يتعلق بأمور مثل الأخلاق والفضيلة والقسوة والأحكام القانونية وأسلوب القيادة الخ، والتي تخدم الأحكام المسبقة القائمة والمساحات الخطابية (discursive spaces) الموجودة. وأدى كل ذلك لنبذ الدولة المهدية وأساسها الديني وممارساتها السياسية ورميها بأنها "الآخر" الأوربي.
وعند تناوله لما ورد من تعليقات في مصادره عن أمور مثل الرق، فأن المؤلف لا يعترف بأن النقاشات المعاصرة تدور حول أمور مثيرة للجدل منها جذور تجارة الرقيق ونتائجها، وما أتخذ حيالها من إجراءات مناسبة. وعلى سبيل المثال فقد كان المستكشف والملاح النمساوي أرنست مارنو (ولد بفينا في1844م وتوفي بالخرطوم في 1883م. واستكشف النيل الأزرق والحدود السودانية – الإثيوبية وكردفان وجنوب السودان وتزوج جنوبية، وسجل مذكراته في كتابين. المترجم) قد حذر إبان خدمته تحت قيادة غردون في جنوب السودان في سبعينيات القرن التاسع عشر من اتخاذ إجراءات عنيفة وقاسية (ضد تجار الرقيق) لأن من شأن ذلك أن يثير ضدهم قطاعات واسعة من الشعب السوداني.
وجلب المؤلف إيرهارد اويسر بعض ما كتبه بعض شهود العيان النمساويين من أن "ترحيل الرقيق كان يتم بنفس البشاعة والقسوة المفرطة المتحجرة القلب التي تستخدم في اصطيادهم" (ص 135). ولم ترد في الكتاب أية إشارة إلى أن معايير القسوة والبشاعة تلك هي أوربية تماما، وأن التجاهل الظاهري لحياة الانسان ينطبق أيضا على جنود المهدية أنفسهم، وأن تصوير الفظائع المرتكبة كان القصد منه مس عواطف الأوربيين في مناطق بالغة الحساسية، وأن آراء مصادر المؤلف لم تتم مقابلتها وموازنتها بآراء أخرى تزعم بأن من يؤخذون رقيقا ويباعون لملاكهم (هكذا!؟ المترجم) يجدون ظروفا أفضل للحياة، ويكون متوسط العمر المتوقع (life expectancy) عند الواحد منهم أعلى مما يكون عنده وهو حر طليق. وكثيرا ما تستخدم الحجة الأخيرة هذه عند من يدعون إلى نقاش أكثر دقة، وتدرج أكثر بطأ في الإجراءات المتعلقة بمنع الرق.
ولقد لعب الرق (مثله مثل الاستبداد والطغيان) دورا كبيرا في إعادة تشكيل اهتمامات ومخاوف الأفارقة نحو علاقة ثلاثية بادعاء تحالف طبيعي بين سكان السودان من غير العرب وسادتهم المستعمرين الأوربيين المحتملين potential European colonial masters)) ضد الطغاة الإسلاميين. ويقدم كتابا سلاطين واورفالدر مبررات لمخططات المستعمرين الأوربيين (في أفريقيا).
ولا تجد في شهادات الألمان والنمساويين وكتاباتهم من داخل الدولة المهدية أي ذكر لتلك العوامل التي أوردناها لأن هؤلاء الرجال كانوا مهمومين فقط بسلامتهم ووجودهم. وبما أن مؤلف كتابنا إيرهارد اويسر كان قد اعتمد على آرائهم، فلم يكن بمقدوره أن يقوم / يقيم عملهم بطريقة نقدية، أوأن يدرك طبيعة أوضاعهم الخاصة، خاصة في منعطف تاريخي هام في سنوات مغامرات أوروبا في الدول الأخرى. وأخفق المؤلف كذلك في نقاش الأسباب التي ولدت الصور الذهنية عن "الآخر" (“othering” images) وبالتالي افتقد أي إدراك لقوة واستمرار وثبات المفاهيم الذاتية والمسببات المتولدة عن المصالح الشخصية.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1241

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة