قدام معاك
01-23-2015 01:20 PM


يوم السبت 4-3-1994م يوم مزدحم جدا ، الذهاب الي التلفزيون لأخبر المخرج فاروق سليمان بذهابي الي الخرطوم ، الي مكاتب جريدة الخرطوم لاسلم الاخ راجي مقالا بعنوان ( نساج فرعون ) ، لا اقرأ ما ينشر لي في جريدة الخرطوم وذلك لتعثر وصولها الي السودان وهكذا الخرطوم لا تقرأ الخرطوم بعد قرار منع دخولها ، كنت اعمل وقتها مع المخرج فاروق سليمان كممثل لدور ( الشاويش علي ) في مسلسل( الشاهد والضحية) ، قصة وسيناريو وحوار الاستاذ عادل إبراهيم محمد خير ، لذلك ذهبت اليه كي اخبره بتأخري عن مواعيد التصوير كي يبدأ بتصوير المشاهد التي لا اعمل فيها ، عرجت بعد ذلك علي الاذاعة وحاولت الاعتذار عن تسجيل مع المخرج حاتم مصطفي ، رفض حاتم مصطفي اعتذاري بشدة ممزوجة بغضب حميم وهكذا لم استطع ان اتخلص من هذا العبء الجميل ، ذهبت بعد ذلك الي مباني الفنون الشعبية حيث توجد فيها مكاتب امانة المسرح ، ثرثرة يومية عادية لا تتحالف مع إنتاج مسرحي بقدر ما هي نوع من الهذيان الذي يفضي الي الاحساس بلا جدوي ممارسة فن المسرح في هذا السودان المخنوق بالوسواس الديني تجاه الفنون .
خرجت من الفنون الشعبية يرافقني الاستاذ الممثل موسي الامير الي الخرطوم ، عربته الموريس لاتحتمل عبور كوبري النيل الابيض لذلك إتجهنا نحو الشارع الذي يمر ببوابة عبد القبوم و وقفنا امام كلية معلمات امدرمان نصطاد العربات الذاهبة الي الخرطوم علي طريقة ( اوتوستوب ) او ( ياعم معاك ) كما سودنها السودانيون ، عبر ت امامنا عربة مرسيدس جاز مهلهلة ، كنت انا اتولي إشهار الاشارة تاركا موسي الامير لحيائه و معتمدا انا بعض الشئ علي نجوميته التي يخفيها موسي الامير دائما بتواضع تلقائي و باحساسه ذلك النبيل ، العربة المرسيدس رجعت إلينا بعد ان تجاوزتنا ، رجل ضعيف البنية ، تجاوز العقد الرابع بقليل و في المقعد الامامي تجلس طفلة في العاشرة من عمرها
(( إتفضلوا ياشباب ))
(( شكرا ليك ))
و تحركت بنا العربة المرسيدس وبعد ان تجاوزنا بوابة عبد القيوم ، إلتفت إلينا ذلك الرجل ، لاحظت حمرة كثيفة علي عينيه ، إلتفت إلينا قائلا :- (( يا اخوانا انا عندي مشكلة ، إن شاء الله تساعدوني في حلها ))
(( خير ان شاء الله ))
بادر موسي الامير في الرد علي ذلك الرجل الذي أشار الي الطفلة التي معه قائلا :- (( دي بتي ، عضاها كلب سعران من يوم الخميس و ما لقينا مصل ، فتشت في اي مكان ممكن القي فيهو المصل و من يوم الخميس انا جاري وراء المصل ، ما خليت مستشفي او صيدلية ، فيا اخوانا ما عندكم معارف يساعدوا في الموضوع ده ))
كان صوت الرجل متهدج وكأنه يغالب بكاء في الدواخل ، نظر الي موسي الامير محاولا تحريضي علي رد فعل مثمر و فجأة تذكرت ان زوجة الاخ و الزميل عبد الفتاح محمد عبد الفتاح المخرج في المسرح القومي تعمل في السلاح الطبي برتبة عميد وسرعان ما كنا انا و موسي الامير نحاول تذكر إسمها وبلهفة كل النوايا الطيبة قال موسي الامير و كنا قد تجاوزنا مطاعم الموردة :- (( امشي بينا علي السلاح الطبي ))
امام قصر الشباب و الاطفال تحدث لنا مصادفة غريبة يمكن إحالتها لذلك الغموض الميتافيزيقي ، حين وقفت بنا العربة المرسيدس امام بوابة قصر الشباب و الاطفال بإشارة من شرطي المرور وقفت عربة بوكس كاشف وبتواز لصيق للمرسيدس وكان الاخ عبد الفتاح محمد عبد الفتاح يجلس علي ظهر تلك العربة البوكس و في الجانب المقابل لي حتي اني اصرخ مناديا له ، بل الكزه علي ظهره بيدي اليسري ويدعم موسي الامير صياحي و ندعوه ان ينزل من البوكس وقد كان ذلك ، بعد ان شرحنا له الامر تصدي لتلك المهمة العاجلة برغم من ان زوجته كانت في إجازة عن العمل ولكنه بتصميم ينتمي الي تلك الطيبة قال :- (( ما مشكلة حنتصرف )) .
ودخلت بنا المرسيدس مستشفي السلاح الطبي وتحرك عبد الفتاح بهمة عالية و استطاع ان يجد احدي زميلات زوجنه التي جاءت إلينا وتحدثت مع الرجل بحميمية عالية و تحركت الي الداخل ولم تمض اكثر من ربع ساعة لترجع إلينا قائلة :- (( المصل موجود بس عايزين كيس فاضي ))
و لا انسي مطلقا صيحة ذلك الرجل المغلوب علي امره حين سمع ذلك ، لا انسي يريق عينيه وهو يشع بفرحة ليست لها حدود وتحرك موسي الامير في إتجاه و تحركت انا في إتجاه اخر للبحث عن كيس يوضع فيه ذلك المصل النادربينما دلف عبد الفتاح الي مكتب تلك المرأة الشهمة المتوشحة بالزي العسكري الذي تعلن علاماته عن رتية عميد وظللنا نبحث عن كيس فارغ داخل السلاح الطبي واخيرا لمحت شابة امامي تحمل شنطة فسألتها :- (( بلقي في شنطتك كيس نايلون فاضي ))
وكأنها جاءت لاداء تلك المهمة إذ فتحت شنطتها و اخرجت كيس نايلون كان مقدرا له ان يكمل تلك المهمة ، حملت الكيس و بخطوات راكضة دخلنا انا و موسي الامير الي مكتب المرأة العميد التي كانت قد جهزت الثلج الذي وضعته داخل الكيس و و ضعت بعد ذلك المصل علي الثلج و غطته بقطع ثلج اخري و حين حملنا ذلك الكيس الي الرجل والد البنت التي كانت ستتعرض الي داء السعر بسبب ندرة المصل اجهش بالبكاء الي درجة الارتجاف و خرجنا من مستشفي السلاح الطبي و اصر الرجل علي ان يوصل كل منا الي حيث يريد ان يذهب ، بل انتظرنا كي يقضي كل منا غرضه ، إتحه بنا الي مكاتب جريدة الخرطوم لاسلم الاخ راجي نص ( نساج فرعون ) و بعد ذلك الي الخطوط اليمنية حيث يعمل الاخ محمد عوض الممثل المعروف في فرقة الاصدقاء المسرحية و كان موسي الامير يقصده لغرض ما وبعد ذلك ذهب بنا الي وزارة الثقافة و الاعلام حيث كان يريد ان يذهب عبد الفتاح و رجع بنا بعد ذلك الي امدرمان حيث تناثرنا علي الحيشانة الثلاثة (مسرح ، إذاعة ، تلفزيون ) و طوال هذه المشاوير كان الرجل لا يفتأ يكرر شكره لنا كلما انتهي من سرد تفاصيل الحادث وتفاصيل بحثه المضني عن المصل و اقسي ما قاله مقارنا ذلك النبل و تلك الشهامة التي قابلتنا بها تلك المرأة العميد بذلك الجشع الذي صدم به حين حاول احد المختصين الطبيين إستثمار حاجته الملحة للمصل طالبا منه مبلغ 120 الف جنيه كي يوفر له المصل ، إنهم سماسرة من نوع خاص ، سماسرة يملأون جيوبهم مراهنين علي تأرجح الانسان بين الموت و الحياة . و اظب الرجل بعد ذلك علي زيارتنا في مبني الفنون الشعبية و اصبح صديقا للوسط المسرحي و اظنه لا زال .
هذه الحكاية إلتقطتها من مفكرتي للعام 1994م و يهمني اقول من خلالها ان ال ( اوتوستوب ) دلالة بينة علي عظمة التكافل الاجتماعي بين السودانيين الذي تولي مهام الحكومات الخائبة و التي لم تفعل شئ سوي انها افسدت الحياة في السودان و هناك صيحة متدوالة في عالم ال(اوتوستوب ) تحرض إشتهائي لروح التقدم و لا املك الا ان ارمزها و اكثفها مستغلا علاقات المعني بين الكلمات و الصرخة
(( قدام معاك ))
هل لاحظتم علاقة الكلمة – قدام – بمعني التقدم ؟
ها هي الكلاب السعرانة تتزايد و ها هو مصل السعر يسلع و بمبالغ خرافية من قبل سماسرة ما بين الموت و الحياة
و هكذا ................... لابد ان اقول :- (( قدام معاك ))


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2323

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1194281 [عمدة]
4.10/5 (6 صوت)

01-24-2015 01:05 AM
شكرا استاذ يحى هكذا الشعب السودنى الذى عرفناه قبل (الانجاس). لقد تقاطرت الدموع من عيني يدفر بعضها بعض وطاف بي خيالى فى غابة اليوم التى يُفترس فيها كل ضعيف ثم ساقتنى الذكرى لحادثة شبيهة فى منتصف الثمانينات حين أصابت مسمار صدئ رجل أحد الزملاء وكان حينها مصل التتانوس معدوما فانتشرنا (أربعة عشر رجلا) نبحث عنه فى مدنى والخرطوم والحصاحيصا والمناقل وكوستى وسنار والقضارف دون جدوى ولحكمة أرادها الله أتانا صديق زائر من الفاو فلجأ لعمه اللواء......بحامية مدنى حينها فتكرم مشكورا بأخذه للسلاح الطبى بالخرطوم منقذا حياته بإذن الله.

[عمدة]

يحيي فضل الله
 يحيي فضل الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة