المقالات
السياسة
أسمع يا أصلع!
أسمع يا أصلع!
01-25-2015 08:10 AM

أسمع يا أصلع!
بقلم: الدكتور نائِل اليعقوبابي
*(بلادُ الرعُبِ أوطانِي
منَ القاصِي إلى الدّانِي
ومِنْ جهـلٍ إلى فقـــــــرٍ
ومِنْ سِـــــجنٍ إلى ثــانٍ
بِلادُ الرّعبِ أوطانِي..!).
- سميح القاسم-

..هل صحيح أنّ ألف يوم بحاكم ظالم، هو أفضل بألف مرّة من يوم واحد دون حاكم..؟
ينظر إلى هذه المقولة "المكعّبة" على أكثر من وجه، إنها أشبه بحجر النرد الذي توظّف فيه كل رمية في الخانة التي تناسب اللعب على طاولة المصالح .
قد يثلج هذا الرأي صدور الطغاة والمستبدّين (صدورهم الخالية من القلوب طبعاً) فيجدون فيه توقيعاً على بياض فوق صكوك الظلم والتشبّث بالكراسي تحت ذريعة أنّ الرعيّة دون راع تصبح فريسة لذئاب الفوضى والانفلات وتمسي أشلاء في غياب عصا سيدها وكلاب حراسته.
ما يزيد من خطورة هذه المقولة "الفزّاعة" هو أنّ ظاهرها يوحي بالحكمة والنصيحة والمسؤوليّة من خلال صيغة حاسمة جازمة تكاد لا تقبل الطعن أو التشكيك، فتدعو سامعها إلى التبصّر والتفكّر قبل أن "تسوّل له نفسه" المساس من هيبة السلطان وأمن البلاد والعباد.
أمّا الأخطر من ذلك كلّه فإنّ مطلق هذه "النصيحة"، على ما يبدو، هو من أولئك الذين يستأنس الحكّام لآرائهم ويعملون بمشورتهم مقابل عيش آمن ورغيد.
لو تأمّلنا في النصف الملآن من هذه الكأس، التي لا نظنها تحوي شراباً زلالاً، لاعترفنا بأنّ المجتمعات عبر تاريخها تحتاج إلى من يسوسها ويحمي أفرادها من جموح في غير محلّه، يردع النفوس “الأمّارة بالسوء”، يقلّم الأظافر ويقتلع المخالب المتربّصة، على اعتبار أنّ في الإنسان نزوع فطريّ نحو التغوّل وتمجيد الذات …كما أنّ السفينة لا يقودها إلاّ ربّان واحد… والطبخة تفسد إن تزاحمت عليها أيادي الطهاة وتضاربت في طعمها المنكّهات.
الحقيقة الثانية هو أنّ حسّ القيادة من الملكات التي لا تتوفّر عند كل البشر، بل ولدى المخلوقات جميعها… لننظر في القطعان والأسربة من الكائنات الأخرى التي أودعت أمرها إلى أقواها وأفحلها وأسرعها وأكثرها تدبّراً في شؤون الجماعة…ولكن...هل أنّ جميع الحكّام والمسؤولين والقياديين في بلادنا العربية لهم من تلك المواصفات الآنفة الذكر لدى أيّ "زعيم" يقود فصيلته من الطيور أو الخيول أو النحل أو النمل أو حتى الذئاب؟!..
لقد شاهدنا غياب الدولة وضعف الحاكم في مناطق وبؤر كثيرة متوتّرة من هذا العالم حيث تسكت أفواه الحكماء وتتكلّم أفواه البنادق فيغنم القوي ويموت الضعيف.
شاهدنا أيضاً وشهدنا حضور الحاكم ببطشه وجبروته مع "حضور" الدولة و"غياب" مؤسساتها وقوانينها، فكانت النتيجة واحدة: بطون تكبر في الحالتين: إمّا تخمة واستكراشاً أو مجاعة وأوبئة، سلاح موجّه من فرد إلى فرد أو من جماعة لجماعة، أمّا الغائب الأكبر فهو القوانين والتشريعات التي ينبغي لها أن تكفل أمن وحرية كل الأطراف فتضمن هيبة الدولة وحرمة الفرد... كيف ينزّه القانون ويحترم القانون من جاء إلى السلطة دون نص قانوني…لا يهم مادام خياطو القانون ومفصّلوه ينتظرونه في بهو القصر.
اسمحوا لي أن أنهي هذه السطور وأبدأ هذه الانطباعات ببعض أخوات "كان" التي ترفع الأسماء جميعها، وما علينا إلاّ اختيار أنبلها وأسماها قبل أن نصبح في خبرها كخبر "أمّة أخرجت للناس":
مازال بعض حكّامنا يعتقدون بأنّ الأمن والكرامة والحرية خطوط متوازية لا تلتقي أبداً، وإذا التقت فلا حول ولا قوة إلاّ بالله، ما فتئ بعض علمائنا ومثقّفينا يبرّرون سكوتهم بقولهم: "كيفما كنتم يولّى عليكم" فيردّ عليهم خصومهم على الموائد المستديرة: "الناس على دين ملوكهم"، وما برح ساستنا يديرون ظهورهم إلى الناس ويثبّتون عيونهم على الكرسي (على نقيض الديمقراطيات المتقدّمة) وما انفكّ السلفيون والمتشدّدون يذكّرون بأفعال الماضي الناقصة… أمّا الإعلام فقد انحاز لأخوات "إنّ" وأدوات التوكيد من تلك التي ترفع الخبر على شاشاتها، مثل: "إنّ" و "أنّ"،"لكنّ" و "كأنّ"، "ليت" و"لعلّ".
*كلمة في الختام: فضلاً على داء النقرس فالحاكم المثالي في بعض بلداننا يجب أن يكون أصلع أقرع أملط، لا يحني هامته حتى أمام موسى الحلاّق... ويحتار الناس في تقبيله، ولا بأس أن يصاب بالطرش فلا يستمع إلى نصيحة، أمّا المواطن المثالي فهو ذاك الذي يضع طقم أسنان فلا ينخره ضرس ولا يضطرّ لفتح فمه في عيادة طبيب… ومن المستحسن أن تسحب كل أعصابه.
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1131

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1195312 [المكشكش]
5.00/5 (1 صوت)

01-25-2015 06:28 PM
شكرا"( دكتور حقيقي ) على ما تتحفنا به من مقالات رصينة ورشيقة ،، ولظرف ما انقطعت عن متابعة الراكوبة لعدة ايام خلت ، وعدت متلهفا" لقراءتك ،، ونكرر شكرنا وتقدير لما تخط يداك ( سلمتا) من كل مكروه،،
أما رأبنا في محتوى المقال فلا أرى أي ميزة لحكامنا هؤلاء على أي مواطن (عادي جدا") من حيث الكاريزما ، أو الدهاء السياسي ، أو الثقافة ، أو النزاهة أو الحكمة، أو أي مؤهل آخر تتطلبه الزعامة . انهم اناس عاديون للغاية ولو كنت انا مثلا حاكما" للسودان لربع القرن الماضي لربما لكان حاله أفضل مما هو عليه الآن.
ونسبة لانعدام الشخص المؤهل فيما نراهم من قادة الحكم أو المعارضة لادارة هذا البلد المنحوس فإني أرى الحل في واحد من اثنين :
1) أن يعاد استعمار السودان لمدة عشرين سنة قابلة للتمديد حتى يبلغ شعبه الساذج سن الرشد وينجب قادة مؤهلين لحكمه .
2) أن نقوم بعملية جلب وزراء ( محترفين ) من الخارج مثلما نجلب لاعبي كرة القدم ، فتصور معي ( كيف يكون الحال) لو أحضرنا وزير مالية ألماني ، ووزير ثقافة فرنسي ووزير عدل من الفاتيكان ووزير صناعة ياباني ووزير زراعة صيني ووزير سياحة هندي ووزير رياضة أرجنتيني ووزير دفاع امريكي وهكذا .
أما خلاف ذلك فسيظل السودان في نحسه الى يوم الدين وسيتحقق وعد الكيزان بانهم لن يسلموا الحكم الا لعيسى عليه السلام .

[المكشكش]

ردود على المكشكش
European Union [نائِل اليعقوبابي] 01-25-2015 11:34 PM
أخي العزيز خالص التحايا والود
شكراً لك.. لديّ الكثير في وجهة نظرك هذه أتمنى منك ان تتواصل معي على الإيميل الخاص بي أسفل المقال إذا لم يكون هناك ما يمنع ذلك.
شكري ومحبتي لك.


#1195087 [ملتوف يزيل الكيزان]
5.00/5 (1 صوت)

01-25-2015 12:16 PM
اني اتهم بالجبن ،كل من لا ينادي باكفاح المسلح ، الوسيلة الوحيدة، المتاحة لنتحرر من العبودية.اي كلام منمق محزلق عن سلمية الانتفاضة، جبن و اختباء خلف فكر عاجز.
1-هذا ليس زمن التظاهر بدون الحماية المسلحة. عشان تعريض الصبيه لقناصة النظام هو عين الغفلة.
2- حرب عصابات المدن ، خير خيار للعمل في غابات الاسمنت هذه التي يسمونها عواصم.
3- خلايا المقاومة بالاحياء ، تجعل من المستحيل على قوات امن الدكتاتور رصدها وتتبع نشاطها.
4- هم اهداف مشروعة ومكشوفة ، فالنحرم عليهم التجوال في الشوارع واقامة الحفلات و الاحتفالات بالبيوت و الاماكن العامة.
5- فالنحرم عليهم مخاطبة الناس باي وسيلة اعلامية، وخاصة المأجورين في المساجد.
وثورة حتى النصر. يرونة بعيدا و نراه قريبا.

[ملتوف يزيل الكيزان]

#1195078 [محمد احمد]
5.00/5 (1 صوت)

01-25-2015 12:07 PM
مجرد عتاب فقط عندما يتحول العقل الي مجرد خذنه وافواهنا لمجرد ماسوره ولساننا لمجرد(تتك) وكلماتنا لمجرد رصاصه رحيمه .هو مجرد عتاب فقط لا غير .العسكري المحترف يلجاء لتلطيف الماسوره بالماء.وقد يلجاء البعض لتلطيف ماسورته بقصيده غبيه.

مدينتي انا رصيف انتظار

تضج بالانين لاجل ان يعود من تمكن الفرار

كي يموت واقفا او يموت انتحار

المهم ان تفر من عروقه الدماء

او يموت انتظار لاجل .... ماء

سيدي هل قبرت اسألتنا (السخيفه) عند اجابات (رجا جارودي) الحائره؟. عندي الافكار الاقتصاديه وحدها لا تبني الامم ان تركنا (الاخلاق )في البيت وذهبنا نعمل .احيانا اقف مرتبكا امام مدرسة (مهاتير محمد ) ماذا يريد هذا الرجل ان يقول لا مثانا بالضبط؟ وكيف حلقت تركيا بجناحين متناقضين الغريب انها لم تسقط حتي الان .بالمناسبه ماليذيا (ان لم )تخني المعلومه تضع علي جواذها ايضا عبارة ( كل الدول الا اسرائيل)

[محمد احمد]

#1194990 [نوال سيد احمد/الأمارات]
5.00/5 (1 صوت)

01-25-2015 10:39 AM
والله أنك بديع يا دكتور

كل ما سألت أحدهم ذعر وتلمّس رقبته من ديوان سنار بين الحُلم والذاكرة إلى نائل معلمي ومن ثم صديقي لم تكن يوماً طارئاً .. دائما أنت موجود..
ومقالتك تثير الفرح الكامن في النفس شكراً لك وللراكوبة
وللمزيد من التقدم والرفعة.

[نوال سيد احمد/الأمارات]

ردود على نوال سيد احمد/الأمارات
European Union [محمد احمد] 01-25-2015 02:07 PM
من يبني حبكته علي ما يسمعه في غفلتك لا يجعلك تتحسس راسك بل تتحسس دينك واحترامك لذاتك ان لا تفقدهما في زحمة (القبض علي الجمر) طبته حيا وميتا يا سيدي يا رسول الله


الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة