المقالات
السياسة
كيف تفرق بين الحق والباطل (18) علاج لداء التعصب..
كيف تفرق بين الحق والباطل (18) علاج لداء التعصب..
01-25-2015 10:10 AM

لا يسلم كل إنسان من داء التعصب بسبب البيئة التي نشأ فيها والمعتقدات التي يعتنقها والموروثات الني تربى عليها. و مشكلة معظم الناس اليوم أنهم لا يتفكرون ولا يعقلون ولا يفقهون ولا يطلبون الحق الحق، بل يريدون ما وجدنا عليه آباءنا وانا لعلى آثارهم لمهتدون. واتخذوا هذا القران مهجورا ويحسبون انهم يحسنون صنعا.
و تختلف درجات الناس في هذا الداء. فمنهم من يكون داءه خفيف لأنه يفهم مبدأ الحرية بحيث يمكنه التنازل عن بعض ما يعتقده صحيح لأجل التوافق بين الحقوق. بينما آخرون يتعصبون لدرجة التجرأ على قتل مخالفيهم.

إن جذر داء التعصب هو الإستكبار ومحركه هو الغضب.
فلابد من أن تستأصل الجذر الذي يغذيه أولا. وبالفرقان أيضا نتعرف على حجمه و الطريقة التي يمكن أن نستأصله بها.
كلمة إستكبار واستكبروا وردت في مواضع كثيرة في القرآن الحكيم، وتؤدي بصاحبها للضلال بعدها مباشرة، والعياذ بالله. وقائد المستكبرين هو إبليس عليه لعنة الله. فبهذا الخلق البغيض يضل الناس. ((إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)). ثم ياتي من بعده أأمة الكبر، مثل فرعون وعاد، وغيرهم: ((ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين)) [يونس: 75]. فبعدم الإعتراف بالحقيقة واتباع الحق يقود هذا الداء في نهاية المطاف إلى الإجرام.
وليس لإنسان حق في هذه الدنيا لأن يستكبر أساسا: ((فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون)) [فصلت: 15]، فالله تعالى وحده هو الكبير و له الحق في رفع من يشاء: ((وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم)) [الجاثية: 37].

ولإستئصال شأفة الإستكبار لابد من الإستقامة: ((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون)) [فصلت: 30]. والقسط بالعدل وعدم التعصب لأي مذهب أو رأي أو معتقد: ((ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين)) [فصلت: 33].
لذلك يذكر الله تعالى بعدها الذين يريدون إتباع طريق الحق بأنه لا يستوي مع الباطل أبدا، فلابد من سلوك الطرق الصحيحة، غير المخلوطة بالباطل لتنال حقك، حتى من ألد أعدائك. فيجب معاملتهم بطرق الحق دائما كما تعامل صديقك الحميم: ((ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)) [فصلت: 34]. فكما ذكرنا من قبل، إن إتخاذ أي إسلوب باطل قد يبطل كل ما في يدك من عمل حق.
وهذه المرتبة عالية لا يصلها إلا من يلتزم بصبر على الحق أو من وهبه الله نصيب من الحكمة ليتعامل بالحق دوما. ((وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)) [فصلت: 35]. ولأن خلق الإستكبار هو الزناد الذي يقدح به الشيطان التعصب ليضل الناس يذكر الله تعالى بعدها بالإستعاذة منه عند الشعور بالتكبر وسيما عند الغضب: ((وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم)) [فصلت: 36].
ويوصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدم التسرع والغضب وإطفاءه. فإذا غضب أحد فاليتعوذ من الشيطان. فإذا كان واقف فاليقعد، وإن كان قاعد فاليضجع، وأن يتوضأ. وليس الشديد بالصرعى ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب.

خطبة قوية..

إن التعصب هو أكثر ما يقذفنا بعيدا عن الحق ويزج بنا في براثن الباطل. فمن الناس من ينظر للحق بالمعتقد والموروث وهذا ليس السبيل الصحيح كما أسلفنا. ومنهم ينظر إليه بعين الكثرة العددية. فبهذه العقلية يكون الحق مع النصارى لأنهم أكثر عددا. ومنهم من ينظر إليه بعين القوة والغلبة والرفعة وبهذا يكون كل من ينتصر ويغلب فمعه الحق.

يقول الإمام علي عليه السلام: "أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعدّ فيه المحسن مسيئاً، ويزداد الظالم فيه عتواً، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا. والناس على أربعة أصناف:
- منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، وكلالة حدَّه، ونضيض وفره.
- ومنهم المصلت بسيفه، المعلن بشرَّه، والمجلب بخيله ورجله، قد أهلك نفسه وأوبق دينه لحطام ينـتهزه، أو مقنب يقوده، أو منبر يفرعه، ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمناً، ومما لك عند الله عوضاً.
- ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمّر من ثوبه، وزخرف من نفسه للأمانة، واتخذ سرّ الله تعالى ذريعة إلى المعصية.
- ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرته الحال على حاله، فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس أهل الزهادة، وليس من ذلك في مراح، ولا مغدى.

وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد ناء، وخائف مقموع، وساكت مكعوم، وداع مخلص، وثكلان موجع، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة فهم في بحر أجاج، أفواههم خامرة، وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا، فلتكن الدنيا عندكم أصغر من حثالة القرض، وقراضة الجلم.
واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة، فإنها رفضت من كان أشغف بها بمنكم، فياما أغرّ خداعها مرضعة، وياما أضرّ نكالها فاطمة"

الوصفة..

إن علاج هذا التعصب الاعمى أولا هو عدم التكبر والإقبال والإستماع. الإقبال بأذن صاغية تبحث عن الحقيقة لتتعرف على الحق وتتبعه، وليس فيها وقر الباطل حتى تكون أذن واعية. فعندك تعرفك للحقيقة أنبذ كل ما وراءك وأتبعها وإن خالف ذلك هواك.
ففي هذا التعصب كبر، وفي الكبر شرك خفي يوسوس به الشيطان لأولياءه. وهذا يذكرني بخطبة أخرى للإمام علي عليه السلام يقول فيها: "إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع واحكام تبتدع؛ يخالف فيها كتاب الله تعالى ويتولى عليها رجال رجالا على غير دين الله. فلو ان الباطل خلص من مزاج الحق لم يخفى على المرتادين؛ ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان؛ فهنالك يستولي الشيطان على أولياءه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى".

فالمهم هو عدم الإنحياز إلا للحقيقة. فالقضية ليست الإنتصار للنفس وما تهوى من الإنتماء المذهبي والطائفي والحزبي، وإنما التسليم للحق تعالى. هذا يتطلب منك أولا: عدم الإنقياد الأخرس والتبعية العمياء للجماعة التي تنتمي إليها. ثم تفعيل نعم الله عليك من السمع والبصر والفؤاد والعقل لتستشعر الحق من الباطل فتميل لجانب الحق. ولابد ان تكون مرنا وغير متسرع في الحكم على الناس.
إجعل الله تعالى كبيرا بداخلك وسلم للحقائق دون مجاملة لأحد ولا اعتراض عليها ولا لإتباع هواك. وتذكر دوما قول الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)) [المائدة: 8].

وإياك والغضب لأنه يزيد نار التعصب. فضع وصية الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تغضب)، نصب عينيك. وسر بالفرقان والذي يلخص السيد المسيح عليه السلام بقوله: "أحب أعداءك واطلب الرحمة لمن يلعنونك، وادع الله لأولئك الذين يسيئون معاملتك". فهذه الأخلاق وصفة الحق عز وجل التي تشفيك إن شاء الله من هذا المرض العضال.



* الحلقة: كيف تفرق بين الحق والباطل (19) نموذج مؤمن آل فرعون وآخر الكلام: قولا ثقيلا..
الثلاثاء إن شاء الله.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 730

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




سيف الحق حسن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة