شيخ الحرامية: تأريخ ما أهمله التاريخ!
01-26-2015 07:10 PM

رحم الله والدى ، الشيخ حمد ابراهيم اسماعيل ، الشيخ البدوى الذى اشتهر فى باديته (بتكسيره) لقانون المناطق المقفولة ، رفضا واستهتارا ، مثل اشتهاره بلقب ( شيخ الحرامية!) الذى اطلقه عليه مفتش مركز الرنك البريطانى المستر هنكوك فى لحظة من لحظات الضيق بشيخ الادارة الاهلية الذى كان أحد أكبر ( المعاندين) للادارة الاهلية بلغة البوادى عموم . فى البوادى عموم نقول كسر القانون بمعنى رفض الالتزام به . وتعمد الخروج عليه. وانا تلميذ يافع فى مدرسة القيقر الاولية ، رأيت أبى وهو يحمل جرادل المياه على كتفه مع مجموعة من المساجين من فم النهر الى منازل الموظفين فى مدينة الرنك اثناء تقضيته لعقوبة السجن جزاء له على ( كسره ) لقانون المناطق المقفولة ، ودخوله برجاله الى الجنوب لشراء محاصيل زراعية سدا لحاجة عشيرته لهذه المحاصيل دون اذن من مركز الرنك ، تحديدا من مكتب المفتش الانجليزى . الشيخ البدوى كان له رأى مخالف لرأى قانون المناطق المقفولة : إنه فى بلده . و لا يحتاج اذنا من أحد لدخول أى جزء من بلده . محكمة مدينة الرنك المغلوبة على امرها كان رأيها هو رأى المفتش . تحتم عليها أن ترسل الشيخ العنيد الى السجن العمومى لمدة شهر. اكتفى المفتش بعدم مصادرة جمال القافلة الكبيرة و عدم مصادرة المحصولات التى قدمت امام المحكمة كمواد اثبات ! هزنى مشهد والدى وهو يحمل جرادل المياه على كتفه يملأ بها ازيار المياه فى منازل افندية الميرى . فصرت اصرخ وابكى بينما تبومت والدتى ولزمت الصمت والتحديق فى اللوحة المهينة تتجسد امامها بقسوة شديدة .( جسدت هذه اللوحة فى روايتى التى اسميتها : الذين دقوا الابواب ) ورأت مدينة القيقر الشيخ الوقور مرة اخرى وعلى يديه ( الكلباش) لأن شرطة المدينة اتهمته بعدم التعاون معها فى تحقيق الأمن فى المناطق التابعة لشياخته . كان الاتهام كيديا ضد الشيخ الذى كسر قحف العلاقة مع المركز الظالم أهله . الشاويش عبد الله ، الشايقى الذى تمرس فى اهانة الذين ترميهم اقدارهم فى طريقه ، امر رجله يأن ( يكسروا) الكلباش فى يدى الشيخ المتمرد وأن تطوف به عربة الشرطة شوارع المدينة الصغيرة التى يعرف الناس فيها بعضهم بعضا . و لابد أنهم كانوا يعرفون ، كلهم جميعا ، يعرفون شيخ القبيلة العربية . ولكنهم لم يعرفوا لماذا هو فى ذلك الوضع المهين . سيثير ذلك المشهد فضولهم. ومن ثم يلوكون سيرة الشيخ الذى لا يرى كبيرا الا الله وجمله الاصهب الهباب . وهذا هو ما يريده المركز . تعود ذكرى رحيل الشيخ على ابنائه واحفاده هذه الايام وقد رحل و هو يحمل على كتفيه طرفة لقب شيخ الحرامية الذى اطلقه عليه مفتش المركز الانجليزى المستر هنكوك اثناء اعتقاله له وهو يقود قافلة كبيرة محملة بالمؤن الزراعية استجلبها من داخل الحدود الجنوبية بدون اذن مما كان يشكل جريمة جنائية طبقا لقانون المناطق المقفولة . يسأل المفتش الرجل الوقور الذى يقف امامه متهندما بطريقة لا فتة ، يسأله عن اسمه . واسم شيخ القبيلة التى ينتمى اليها. يجيب الرجل بأنه هو شيخ القبيلة . ينفعل المفتش ، تنتفخ اوداجه من الغضب . يصيح فى غيظ ": أنا مبسوط . عشان انا قبض شيخ الحرامية ." تضج القافلة بالضحك . ومن يومها يلتصق اللقب الطريف بالشيخ الوقور ويذهب معه الى قبره ، تداعبه به عشيرته بحميمية ومودة . ربما تأريخا لما أهمله التاريخ الذى لا يؤرخ عادة للطرفيين. حكامة البادية فاطمة بلدو سجلت معاندات الشيخ العنيد الفارس . قالت له الحكامة فاطمة بلدو : إنت ياكا الدود أبو كفة ، مدرج العاطلة ام كراعا دم . لحظة اخرى لا انساها. تمثلت فى خروج مدينة القيقر وضواحيها لاستقبال طاقم الاداريين الوطنيين الذين سودنوا الاداريين الاستعماريين فى مديرية اعالى النيل : مدير المديرية السيد محمد عثمان يسين ، عبد السميع غندور ، مفتش مركز الرنك الذى استبدل المفتش الانجليزى ، غريم والدى وسجانه . والنذير حمد ، المأمور الجديد . اذكر ان والدى جلس على مقربة من المفتش السودانى الجديد ، السيد عبد السميع غندور ، ولكنه لم يتحدث اليه . لأنه ، بروتوكوليا لا يمكنه ذلك . لانه لم يكن فى عداد كبار المدعوين المهمين الذين يمكنهم التحدث مع الاكابر الجدد. عندنا فى السودان لا يدخل هؤلاء الكبار اياديهم فى الفتة عندما تكون حارة . أما عندما تبرد الفتة ، فان الايادى تتلاطش كما تتلاطش الكلاب على قصعتها !ّ مرحبا بالاستقلال الذى تدنى وتهالك وصار مجرد قصائد أو امانى جسدها شعراؤه من امثال التنى والخليل : تعالوا نغنى مع التنى ونقول : فى الفؤاد ترعاه العناية ، يسلم وطنى العزيز.


علي حمد ابراهيم
[email protected]


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 2521

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1196770 [عمر]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2015 02:05 PM
رحم الله شيخ الحرامية.

اكثر يا سعادة السفير من الكتابة.

نحن متابعون.

[عمر]

#1196495 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2015 09:50 AM
شكرا سعادة السفير الاصيل شيخ العرب بعدكم الخارجية خرجت ولم تعد وخرجت روح الوطن معها اكثر من مرة طلبت ترجمة مناحة الدينكا للمهدي وكنت قراتها مترجمة عام 1973 في جريدة الاضواء من طريقك الرجاء انزالها في الراكوبة علنا نعرف معني الوحدة.............شكرا سعادة سفير الزمن الجميل

[سيف الدين خواجة]

#1196435 [shawgi badri]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2015 09:17 AM
اخي الحبيب علي لك التحية . رحم الله والدك ، وذالك لجيل . انت تذكر ابن القيقر بخاري محمد علي . كان يجلس خلفي في الفصل في مدرسة ملكال الاميرة .وخلفة يخلس فاروق دينق من اولاد الشلك . ولقد اطلق عليه والده اسم ملك مصر فاروق . وخلفه جلس فقوق نقور او مصطف عبد العاطي وكان يجلس امامي مجذوب يوسف من الدامر وكان والده موظفا في المديرية .
محمد صالح عبد اللطيف وقيع الله خلف غندور في 1958 . وعندما قسمت الاراضي في وسط القيقر . كان محمد صالح بوصفه المفتش ورئيس اللجنة . وثار بخاري في اللجنة وزفع صوته كما اخبرني . ولم يقبل انه لم يعطوه قطعة ارض . وهو وقتها في المدرسة الوسطي . واعتذر له المفتش بان اللجنة التي تعرف كل المواطبين تريد من يستطيع ان يبني بالطوب والزنك لقرب المنطقة من السوق والميناء النهري . فقال بخاري ,, طوب ... ؟ انا ابني بي حجر . والرد كان ، انه ليسي هنالك حجر في القيقر .
شقيقتي آمال التي كانت متزوجة من محمد صالح من مواليد الرنك عندما كان والدي مامورا في نهاية الثلاثينات . وعادت شقيقتي الي مسقط رأسها الرنك . وولدت ابنتها حنان .ووولد المقاول والتاجر ابو نادر احمد المصطقي . بنتا سميت كذالك بحنان . وهي من سكان هولندة اليوم وزوجة رجل الاعمال عبد القادر كابو . وسمي محمد صالح ابنه احمد . احمدالمصطفي كان منزله في موقف اللواري في الرنك . وكان يخرج في الفجرلكي يعزم المسافرين علي الشاي في منزله . كان زمن ياعلي .

[shawgi badri]

#1196292 [osama dai elnaiem]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2015 07:07 AM
سعادة الاخ السفير --- لك التحية -- ونسأل الله العلي القدير لوالدك ولنا جميعا الرحمة والمغفرة من كل ذنب--- تغير الحال الي الاسوأ ففي زمن الانقاذ لم تعدالمناطق المقفولة بيننا بل صارت وطنا اخر لسودانيين غير ومن يعبر الحدود بالذرة او الملح سيجد قانونSHOOT TO KILL.

[osama dai elnaiem]

#1196152 [Haytham Mansour]
0.00/5 (0 صوت)

01-26-2015 09:09 PM
تسلم الحبيب سعادة السفير علي حمد ابراهيم .. انا ايضا من الشمالجنوبيين .. فوالدي منصور ادريس خير الله كان الباشكاتب في مدرية أعالي النيل .. و قد عمل بالرنك و ملكال و واو .. الي ان توفاه الله في 1978 .. كما عمل جدي لابي إدريس خيرالله ابكر ، ملاحظاً للطرق و الكباري بملكال .. عليهم رحمة الله ، فقد ولنزع و نشأنا في جنوبنا الحبيب .. نسأل الله ان يعيده و طناً موحداً ينعم أهله بالسعادة و الرفاه

[Haytham Mansour]

#1196146 [محجوب عبد المنعم حسن معني]
0.00/5 (0 صوت)

01-26-2015 09:05 PM
رحمة الله عليهم جميعاً
تحياتي سعادة السفير
اذكر العم النذير حمد عندما كان جار لزوج عمتي الفريق اول مالك امين نابري في الحي البريطاني، عندما كان كمندان البوليس في مدني ونائب حاكم الاقليم الاوسط فيما بعد.
ايضاً العم محمد عثمان ياسين( عضو مجلس السيادة) وهو جار لجدي الزبير موسى حامد في حي العمدة وهو خال ابناء عثمان همزة، ووالد الدكتور اسماعيل من اشهر اطباء الاطفال السودانيين.
هولاء شكلو مع والدك عليه رحمة الله كوكبة مضيئة.
مع مودتي

[محجوب عبد المنعم حسن معني]

#1196124 [ملتوف يزيل الكيزان]
5.00/5 (1 صوت)

01-26-2015 08:18 PM
الى كل الكتاب المحترمين بدون فرز. الحكومة الان اصبحت تعمل عملا منتظما في اشياء فارغة لا تهم البلد في كثير او قليل ، وعلى رأسها حكاية الانتخابات. و كذلك اخذت تعمل في ممارسات ليست ضرورية و لا نفع لها فيها ، مثل حكاية المتقلين السياسيين الكبار بدون سبب و ملاحقة الصادق بهمه و نشاط و كذلك تسريب اخبار الاختلاسات و النهب و كل شين و قبيح. هذا كلة لتؤكد للكل ان ليس لهم حظ من فهم الامور و انهم رجالا و نساءا جبناء خوافين و ان اصغر وليد امن يمكن ان يسبب الخوف و الهلع في نفوس الرجال. وان الحكم بالرجالة وليس السياسة او الدين او اي شئ اخر.
هل فهمتم هذا ؟ ام تعتبرونه كلام فارغ و بعدها تمارسوا كتابة المقالات لتريحوا ضمائرهم وتنوموا مرتاحين بخداع انفسكم بانكم قمتم بواجبكم؟

[ملتوف يزيل الكيزان]

علي حمد ابراهيم
علي حمد ابراهيم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة