المقالات
السياسة
خمس نساء من سنار
خمس نساء من سنار
01-28-2015 09:53 PM

خمس نساء من سنار
Five Women of Sennar
سوزان كينيون Susan Kemyon
عرض وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذا عرض وتلخيص لبعض ما جاء في كتاب بعنوان: " خمس نساء من سنار". لمؤلفته بروفيسور سوزان كينيون، والذي صدر عام 2004م من دار نشر وييف لاند بولاية إيلينوي بأمريكا. وتعمل المؤلفة أستاذة غير متفرغة في جامعة بتلر الأمريكية، وهي حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة براين ماور الأمريكية في الأنثروبولوجي في عام 1977م، وكان موضوع دراستها عن السكان الأصليين في منطقة تقع على الساحل الغربي لكندا. ثم عملت باحثة مستقلة بين عامي 1979 و1985م في منطقة سنار، وأثمر بحثها عن كتابين وعدد من المقالات المحكمة. وساهمت المؤلفة في غضون تلك السنوات أيضا في حملات محو أمية النساء وتعلمينهم حرفة صناعة وبيع المشغولات اليدوية ضمن مشروع مولته السفارة الهولندية بالخرطوم. وعادت لسنار في أعوام 2000 و2001 و2004م ضمن فريق يبحث في أمر الخيارات العلاجية (واستخدام الأعشاب الطبية) في سنار بالتعاون مع كلية الطب بسنار.
وسبق لنا ترجمة مقال للمؤلفة نشر في "مجلة الأحفاد" عن "الجندر (النوع) ودراسة الطب في وسط السودان" وعرضنا لكتابها "الأرواح والرقيق في وسط السودان: الريح الأحمر في سنار" (والذي ترجم أيضا بعنوان "الأرواح والخُدام في السودان" عند مناقشته في قاعة الشارقة قبل نحو عامين).

******* ************** ***********

رصدت المؤلفة في هذا الكتاب في طبعته الثانية (والتي أتت في 237 صفحة من القطع المتوسط، وتتوسط غلافه صورة جماعية للنسوة الخمس) حياة النساء العاملات بمنطقة سنار في وسط السودان من خلال شخصيات وحيوات واقعية لخمس نساء هن: حليمة الماشطة (المشاطة)، وفاطمة ست الكشك، وذاخرة؟ القابلة (الداية)، وبت الجميل؟ الطبيبة البلدية والعرافة، ونعيمة أمية زار الطمبرة. وخصصت لكل واحدة من هؤلاء النسْوَة فصلا خاصا في الكتاب، إضافة لصفحتين من "الشكر والعرفان" ومقدمة وفصل عن الثقافة والمجتمع في سنار المعاصرة، وفصل أخير عن النساء السودانيات وعالمهن. وأوردت في نهاية الكتاب قاموسا صغيرا لمعاني بعض الكلمات العربية (السودانية) عجبت فيه لترجمتها لأم رقيقة المعروفة بـ "mother of delicacy"، وصفحتين لبعض المراجع المختارة. وليس في الكتاب ثبت (فهرس).
وجريا على تقليد أكاديمي معروف أفردت بابا لـ "الشكر والعرفان" ذكرت المؤلفة فيه أنها جمعت مواد كتابها هذا في مدينة سنار بين عامي 1980 و1985م، وجددت في تلك المواد عامي 2000 و2001م. وأتت جل مواد الكتاب من حصيلة مقابلات شخصية مع هؤلاء النسوة المسلمات الخمس، حيث قامت المؤلفة فيه بوضع ما أدلين به من أحاديث في أُطُر تاريخية واثنوجرافية. وتقدمت بالشكر لهؤلاء النسوة ولعائلاتهن كذلك، فلولاهن – بالطبع- لما كان هذا الكتاب. وشكرت كذلك كل النساء السودانيات، والتي قالت بأنها سعدت بالتعرف عليهن أو العمل منهن في سنواتها الطويلة في البلاد، وأوردت قائمة طويلة ببعض أسماء هؤلاء. وشكرت على نحو خاص بعض من قالت إنها استفادت من نقاشها معهم مثل محمد عمر بشير وبلقيس بدري وأحمد الصافي ومارتن دالي وغيرهم. وشكرت أيضا جيرانها من الأطباء البيطريين في سنار (حيث كان يعمل زوجها سايمون خبيرا في المعمل البيطري).
وحكت في مقدمة طويل من 10 صفحات عن أحوال المرأة السودانية، خاصة في العهود القريبة الماضية، وعن الظروف التي قامت فيها بهذا العمل، والذي أوجب عليها تعلم العربية (السودانية)، وعن النقد الذي وجه للطبعة الأولى من هذا الكتاب، والذي تجاهل – في نظر ناقديها – منجزات المرأة السودانية في العقود الماضية، وهو ما لم تقم المؤلفة بشيء حياله إلا قليلا. ولكنها ذكرت أنها، وبعد سنواتها كمعلمة لغة إنجليزية في مدرسة واد مدني الثانوية، عرفت بعض ممن أصبحن فيما تقدم من سنوات مهنيات بارعات لمعن في المجتمع السوداني بعلمهن وعملهن.
وفي الفصل الأول تطرقت المؤلفة لتاريخ سنار القديمة (وما حولها من قرى مثل مكوار وكبوش) منذ أن زارها بروس في 1772م، وفي عهد التركية ثم المهدية والاستعمار الثنائي. وتوسعت قليلا في منجزات الحكم الاستعماري في سنار من مد خط السكة حديد، وبناء سد (خزان) على النيل الأزرق في عام 1926م، وإنشاء بلدية في عام 1950م. ثم تابعت نمو وتطور مدينة سنار حتى عام 2001م. وفي يوم 1/ 1/1931م ألغيت كل الأسماء التي كانت تطلق على سنار (مثل مكوار) وأعتمد اسم سنار رسميا. وبدأ مع اكتمال بناء السد توافد موجات من الهجرة للقبائل التي كانت تعيش على النيل مثل الدناقلة والجعليين والشايقية لسنار. وفي الثلاثينات افتتحت أول مدرسة أولية للأولاد، أعقبتها في 1939م مدرسة للبنات، بدأت بخمسة عشر طالبة، وزاد العدد إلى 100 خلال شهر واحد. وتواصل التوسع في المدينة حتى غدت في 1973م المدينة السابعة عشر في السودان من حيث عدد السكان. وتمددت المدينة وأقيمت فيها عدة أحياء جديدة منها حي "المغتربين" وهو حي بناه بصورة عصرية من اغتربوا من أبناء المدينة في دول الخليج. وكانت سنار ولا تزال مركزا إداريا وتجاريا وقضائيا لمناطق واسعة من السودان.
وأقامت المؤلف – مع عائلتها - في سنار بمعسكر المعمل البيطري في حي القلعة بجنوب المدينة. وفي تلك المنطقة كانت تقطن أيضا 3 من النساء اللواتي ورد ذكرهن في هذا الكتاب.
وتعد الكاتبة مجتمع سنار – وبصورة عامة -مجتمعا إسلاميا وأبويا وطبقيا وديناميكيا ومتعدد الأعراق. وتطرقت في مواضع عديدة في الكتاب إلى الدين الإسلامي وتأثيراته البالغة في سنار.
وفي الفصل الذي خصصته المؤلفة لحاجة حليمة المشاطة، أشارت إلى أن حليمة وعائلتها كانت من أوائل السودانيين (والسودانيات) الذين تعرفت بهم المؤلفة عند مقدمها لسنار في 1979م، فقد كانت أختها مريم تعمل سكرتيرة في المعمل البيطري بسنار الذي كان زوجها يعمل باحثا علميا فيه. وكانت تلك العائلة خير معين لها وعائلتها للاستقرار في مدينتهم الجديدة، وفي مساعدتها لاحقا في بحوثها الميدانية. وعادت المؤلفة لسنار مرة أخري في 2001م حيث أقامت بمنزل حليمة. وكانت تجري معها مقابلاتها بينما هي تمارس عملها في تمشيط شعر زبائنها من النساء. وكانت حليمة (والمولودة بحلة مايرنو بين عامي 1920 و1925م لوالد مولود في كانو بنيجيريا) امرأة نحيلة هادئة وخجولة ومتواضعة و"مسكينة" (وهو وصف قالت إنه يدل على الثناء عندما يقال لامرأة). غير أن مظهر حليمة لا يكشف عن حقيقة مخبرها، فهي امرأة قوية في داخلها، بل كان أفراد عائلتها يطلقون عليها في الثمانينات لقب "نميري"، الرئيس العسكري آنذاك. وهي أيضا سيدة متدينة تؤدي الصلوات في ميقاتها، وتذهب للجامع الصغير يوم الجمعة وتساعد الفقراء. وبعد عودتها من مكة قامت هي وابنها ببناء غرفة صغيرة ملحقة بالمسجد للنساء. وكانت تلقى الاحترام من الجميع بسبب كل صفاتها المذكورة، وكذلك بسبب معرفتها بوصفات التجميل البلدية والطب العشبي. غير أنها كانت تسارع بنصح كل من تستطيع مساعدته بالتوجه للعيادة ومقابلة الطبيب. ورغم أنها كانت تحث بناتها على أن يحذين حذوها في العبادات والمعاملات، إلا أنها كانت تحمل أيضا أفكارا عصرية عن ضرورة التعليم، وعن الحياة، وكيف ينبغي أن تعاش. وكانت هي وجميع أفراد عائلتها يتمتعون بقدرة عالية على التكيف مع المواقف المختلفة، ولا شك أن ذلك ناتج من تراث أجدادهم الفولانيين والذين أتوا للسودان من قبل قرون طويلة. وبعد عودة حليمة من الحج هجرت مهنة المشاطة، بسبب تقدم العمر، ولأن ولدها المغترب أصر على ذلك، واعدا إياها بتحمل مسئولية البيت كاملة.
وجلبت المؤلفة بعض المعلومات عن مهنة "المشاطة"، وكيف أنها مهنة قديمة نسبيا، إلا أنها لا تعد من المهن العالية التقدير اجتماعيا، حتى في أوساط النساء، وتضاءلت قيمتها شيئا فشيئا بعد السبعينيات والثمانينات. ورغم أن طريقة المشاط الذي تمارسه حليمة منذ أن كانت في الخامسة عشر من عمرها تعد "تقليدية"، إلا أنه وبحسب ما ذكرته جيرذيلدا / جوهرة عبد الله الطيب في مقال لها صدر في 1987م فإن النساء غير المتزوجات في السودان النيلي كن لا يغطين رؤوسهن ومنذ القدم وإلى وقت قريب، وكانت النساء يمشطن شعورهن في ضفائر تسمى "رشا rasha" وهو تصفيف للشعر لا يزال موجودا عند عرب الحسانية. وقد شاهد الجيولوجي الفرنسي F. Cailliaud ذات الضرب من تصفيف الشعر في مدينة سنار في 1826م.
ولم يكن دخل حليمة من مهنة المشاطة كبيرا، إلا أنه كافيا لمقابلة الاحتياجات الرئيسة لعائلتها، خاصة وقد كانت تمتلك منزلها الخاص منذ منتصف السبعينيات، والذي كانت تمارس عملها من راكوبة مقامة فيه. وهو بيت مريح تتوفر فيه الكهرباء والماء وبه تواليت خاص. وساهم ابنها، المغترب في السعودية لاحقا في تجديده وبناء غرفة إضافية ومخزن به ليحوله لمتجر عند عودته من مغتربه. وتشعر حليمة في امتلاكها لبيتها، مثلها مثل سائر نساء سنار المتزوجات والمطلقات، بأن امتلاك السكن (حتى وإن كان متواضعا) يعد أمرا بالغ الأهمية، فهو يعطيهن احساسا بالأمان وبالهوية والذاتية والاستقلال.
ويتطلب عمل حليمة التنقل في أحياء المدينة المختلفة مثل تكتوك والمزاد والبنيان ومدرسة البنات الثانوية، ولا يقتصر عملها على حيها (حي القلعة) وحده. وتري حليمة في المشاط تقليدا جميلا ينبغي أن يحافظ الناس عليه. وهي تقسمه إلى ثلاث أنواع: المشاط المعتاد (محلب)، والكوفات (المشاط بضفائر كبيرة نسبيا)، والسمسم أو الدقاق (المشاط بضفائر صغيرة جدا). وأوردت المؤلفة صورا عديدة (بالأبيض والأسود) للمشاطة وهي تعمل، وأنواع المشاط الذي تقوم به.
وحكت المؤلفة قصة عن الحاجة حليمة تركت أثرا في نفسها، حين أوصت ابنتها مريم بالاتصال بها هاتفيا في انديانوبلس بأمريكا من محل عام للهواتف في سنار، لتخبرها بأنها جهزت لها "غرفة الضيوف" لتقيم معها في زيارتها المقبلة لسنار (في عام 2001م). وكانت حليمة وقتها في الثمانينات من عمرها، غير أنها كانت تعتمد على نفسها اعتمادا كاملا، وتقضي غالب وقتها في قراءة القرآن، ولا تطلب من أهلها شيئا غير أن تبيت معها بالليل إحدى بنات بناتها. وذكرت المؤلفة أن حليمة لم تر فيها امرأة غريبة، أو أنها كانت ستمثل عبئا إضافيا عليها.
وخصصت المؤلفة فصلها الثالث لفاطمة ست الكشك، والتي قابلتها أول مرة في عام 1980م إذ كانت جارة لبنت حليمة المشاطة في القلعة. ثم قابلتها في مرات عديدة أخري في حفلات النساء في الحي وفي مناسباته مثل حلقات الزار التي أقيمت فيه. وهي امرأة غير متعلمة مولودة لعائلة جعلية في إحدى قرى الجزيرة. وهي امرأة صغيرة الحجم، حلوة تقاطيع الوجه، ودائمة الابتسام وشديدة التواضع. ويدل الشيب الذي أنتشر في شعرها على أن عمرها أكبر مما تبدو. وظلت تعيش في قريتها وفي سنار مع زوجها كـ "ربة منزل" إلى أن تقاعد عن العمل. وكان عليها بعد ذلك أن تخرج للعمل في السوق، ليس فقط للحاجة للمال، بل لأن ذلك كان من تقاليد العائلة الممتدة. وبدأت بالعمل في بيع الشاي، ثم صارت طاهية في المطاعم بالسوق، وهي مهنة تراها تتماهي مع هويتها كامرأة، فشراء الطعام وطهيه شأن نسوي بحت في منطقتها. وكانت مهامها المنزلية - مثلها مثل بنات جيلها – تتضمن تحضير الشاي والطعام في المنزل لجميع أفراد الأسرة على موقد (منقد) للفحم أو على موقد الغاز (والذي صار منتشرا بسنار) في الصباح الباكر. ويعقب ذلك صنع الكسرة (وهو عمل معقد وشاق) ويحسن بالمرأة صنعها قبل منتصف النهار تحاشيا للحرارة العالية بقرب "الصاج". ثم يصنع للإفطار الفول المصري في المنزل أو يشترى جاهزا من البقالات الصغيرة المنتشرة في المدينة. ويظل الإفطار هو الوجبة الرئيسة في اليوم. وكان الناس يتناولونه بين التاسعة والعاشرة صباحا، وكانت تلك الساعة هي "ساعة الفطور" الرسمية في غالب دواوين الدولة ومرافقها. وتنعم النساء عادة بعد الإفطار بقدر من الراحة لساعة أو ساعتين يقضينها في الزيارات الاجتماعية أو تحضير مواد الزينة أو في الراحة. ثم يبدأن في تحضير الغداء والذي يتم تقديمه هذه الأيام بين الرابعة والخامسة. وقد تمد بعض الجارات (خاصة في الأحياء الفقيرة) بعض الأطعمة عبر الحائط وذلك عند ظهور ضيوف في بيت واحدة منهن – كما يحدث دوما -دون سابق إنذار. ويقدم العشاء بين الساعة والعشرة ليلا، ولا يتعدى في الغالب ما بقي من طعام الإفطار أو الغداء، وقد لا يقدم فيه إلا شاي اللبن الشديد الحلاوة، إلا أذا كان هنالك ضيف، حيث يجب تقديم المزيد من الطعام.
وظلت مهنة صنع وتقديم الطعام – كما تفعل فاطمة الآن-مهنة قديمة تكسب من خلالها النساء القليل من المال يغطي بعض أو غالب احتياجاتهن. وسبق للرحالة النمساوي بالمي في عامي 1837 و1838م أن وصف في رحلة له للأبيض "سوق النساء" الشديد الازدحام بالبائعات وبالمشترين والمشتريات كذلك، غير أنه لم يتوسع فيما كانت تعرضه أولئك البائعات مثلما فعل الرحالة الويلزي بيثريك والذي وصف في 1847م سوق النساء في الأبيض والذي كانت تعرض فيه النساء (من "الحرائر" و"الرقيق"، كما كتب) ومن مختلف السحن والأعمار عديد البضائع مثل الخضروات والفواكه واللبن الرائب والمريسة والماء والسمن والمراهم الدهنية والتي يستخدمها الرجال والنساء. وتغشى كذلك نساء البقارة ذلك السوق وهن على ظهور ثيرانهن يحملن بضائعهن من الألبان ومنتجاتها.
وقد عرف غرب السودان تاريخيا تقاليد دخول النساء في التجارة في الأسواق (خاصة المرتبطة بالطعام) أكثر من مناطق السودان الأخرى، ربما بتأثيرات من سكان غرب أفريقيا. وأنتقل ذلك التقليد التجاري ليشمل جميع أنحاء وسط السودان. وتمثل فاطمة من وسط الجزيرة واحدة من نتاج ذلك التأثير. فقد كانت مثل غيرها من النساء الفقيرات (والمستقلات اقتصاديا) يعرضن الأطعمة (مثل اللقيمات والخبيز والطعمية والكسرة) والبهارات والخضروات وبعض الفواكه في أسواق ومحلات الأحياء الصغيرة. وليس لتجارتهن نفقات عالية (overheads) بيد أن الأرباح متدينة كذلك رغم جهدن العالي والساعات الطوال التي ينفقنها في ذلك العمل.
وأخيرا وفقت فاطمة في استئجار كشك بالسوق (بجنيهن في اليوم) صار محلها الدائم لبيع الأطعمة، وكانت تتمنى أن تحصل على كشك خاص بها، غير أن كل الأكشاك كانت قد وزعت من قبل. وتكسب من عملها في اليوم 25 – 30 جنيها (قبل خصم قيمة المواد التي تشتريها يوميا وقيمة الترحيل من بيتها للسوق وبالعكس).
وتبدأ فاطمة عملها في الرابعة صباحا بعد أن تؤدي صلاة الفجر مباشرة حيث تحضر الكسرة وتذهب بها للسوق على ظهر مركبة عامة، وتفتح باب كشكها عند السادسة صباحا وتذهب لتجلب مستلزمات الطعام الذي ستحضره من لحم بقر وضأن وخضروات وغيرها. وتعود لتصنع الشاي والقهوة على موقد فحم كبير. وما أن تنتهي من تلبية طلبات من يرغب في الشاي والقهوة حتى تبدأ في إعداد الطعام والذي يشمل الدمعة وأم رقيقة وغيرها. وتقول إن كل زبائنها هم من تجار السوق وزواره الكثيرين، ومن يحل ضيفا على المدينة. وعند الواحدة تبدأ من جديد في تحضير طعام الغداء وتقدمه لزبائنها حتى الخامسة مساء، حيث تقوم بعد ذلك بنظافة أوانيها والاستعداد للعودة للبيت بعد السادسة مساءً حيث تجد "أبو الأولاد" (والذي يعمل في السوق أيضا) وابنائها وقد عادوا من المدرسة. ولا تسمح السلطات للنساء بالعمل في السوق بالليل، وأمرت بسحب الكهرباء من تلك الأكشاك.
وتشترك فاطمة مع نساء أخريات في "صندوق" تدفع فيه يوميا 5 جنيهات، تسلمها لجارتها القابلة ذاخرة فضل المولى أمينة الصندوق. وتعد ذلك ادخارا ضروريا لمقابلة ما قد تأتي به نوائب الدهر.
وفي الفصل الرابع كتبت المؤلفة عن القابلة الحاجة ذاخرة فضل المولى (من قبيلة التعايشة التي قدمت لسنار بعد هزيمة الخليفة في 1898م)، وهي تسكن في ذات الحي الذي كانت تجاورها في سكنه حليمة وفاطمة منذ نحو أربعين عاما. وتعرفت المؤلفة على ذاخرة مباشرة بعد تعرفها على حليمة، وصارت كلما عادت لسنار تجد ذاخرة لترحب بها وتعرفها بكل ما أستجد من أخبار في الحي، وتحكي لها قصصا مسلية وساخرة (بلطف) عن جاراتها. وكان منظر ذاخرة في ثوبها الأبيض المعتاد وهي تحمل حقيبة الداية المميزة من المناظر الثابتة في "القلعة" وتطوف بين بيوت الحمل والنفساوات و"بنات الطهارة". ولا تتمنى الحاجة شيئا مثل أن تجمع من المال ما يكفيها لشراء سيارة تريحها من مشاوريها الطويلة. غير أنها تستدرك وتقول بأن أهم أولوياتها كانت هي شراء ثلاجة تكون أكثر نفعا لبقية أفراد العائلة. وبالفعل اقتنت ثلاجة في عام 1985م، وما تزال السيارة في الانتظار.
وصاحبت المؤلفة في بداية الثمانينات الحاجة زاخرة في كثير من جولاتها على بيوت سنار للتوليد أو الختان، ولاحظت الاحترام الكبير الذي تكنه لها النساء في سنار. ولا غرو، فقد كان لها (ورغم أميتها، وخلافا لكثير من السودانيات في سنها ووضعها الاجتماعي كمطلقة) شخصية قيادية قوية وقادرة على اتخاذ القرارات الحاسمة بمفردها، وهي كذلك شديدة التدين وتداوم على الصلاة كما ينبغي لابنة مؤذن، وكانت كل الجمل التي تنطق بها تشتمل على إشارة لله ولأدعية تقولها أثناء عمليات التوليد. غير أنها كانت لا ترى تناقضا بين التدين والتردد على حفلات الزار، ولكنها – بحسب افادتها الأخيرة للمؤلفة -توقفت مؤخرا عن التردد على تلك الحفلات. وكانت أيضا تتمتع بروح مرحة طليقة، خاصة عندما ترقد في سريرها وترتشف القهوة، وأحيانا تقرأ "الودع" لزوارها من النساء على سبيل التسلية.
وعندما قابلت المؤلفة الحاجة ذاخرة كان لديها بيت كبير له حيطان عالية، وفي آخر لقاء لها مع تلك القابلة في عام 2001م كان بيتها قد كبر وصارت به كثيرا من الأجهزة العصرية. ونسبة لطبيعة عملها الذي لا يتقيد بمواعيد ثابتة (عدا مشاركتها كل أسبوع في يوم معين بالعيادة) فإن عمل ذاخرة لم يكن مخططا مسبقا كعمل فاطمة صاحبة الكشك أو حليمة المشاطة. وبسبب ما تقوم به من عمليات توليد في منتصف وأواخر الليل، فكثيرا ما كانت تنام لساعات طويلة بالنهار تعويضا عن ساعات النوم الضائعة بالليل. وحتى وقت قريب لم يكن لديها هاتف خاص، بل كانت من تحتاجها من النساء تبعث إليها بولدها الصغير أو أحد الأقرباء ليطلب منها الحضور. وكان جدول عمل ذاخرة مشغولا جدا في أيام عطلات مدارس البنات أو المناسبات الدينية (مثل المولد)، حين تقوم بجدولة عمليات الختان لبنات المدارس.
وكانت المؤلفة كثيرا ما ترافق ذاخرة في الذهاب لقبر الشيخ فرح ود تكتوك للمشاركة في "الكرامات" التي تقام لسبب أو آخر. وكانت تستمتع بتلك الرحلة لقبر ذلك الشيخ خاصة وهي مع المؤلفة في سيارتها، حيث تطلب منها أيضا غشيان ما تريده من أمكنة أخرى.
وكانت ذاخرة، وعلى الرغم من مهامها العديدة خارج منزلها، تؤدي أعمالها اليومية في بيتها كأي ربة منزل متفرغة. ولا يساعدها أحد في تلك الأعمال إلى أن كبرت بناتها وصرن يقدمن لها بعض العون. وكانت مجيدة للطبخ، وتفتخر بذلك، وتسعد بالمشاركة في معاونة جاراتها عندما يحتجن في مناسباتهن الاجتماعية لخبرتها في شئون الطبخ.
وتعد المؤلفة القابلة شخصية مركزية في القرية أو الحي بأي مدينة، إذ هي أهم عاملة صحة مجتمعية تلجأ إليها المرأة في أمور الصحة الإنجابية وغيرها. وهي بالإضافة لتدريبها العلمي والعملي تحمل تراثا تقليديا متوارثا، وتمتاز أيضا بمشاركتها لمريضاتها ذات القيم العقدية والمجتمعية. وتذكر المؤلفة أن ما يصيب نمط حياة القابلة (والممرضة) من بعض الأقاويل من قليل من الجهلاء إنما هو انعكاس لسوء فهم لطبيعة الحياة غير التقليدية لهؤلاء العاملات، واللواتي بدأن في الخروج للعمل (ليلا ونهارا بحسب مقتضيات العمل ومنذ عشرينيات القرن الماضي) في وقت كان فيه كثير من السودانيين لا يرون في وجه المرأة إلا عورة يجب "سترها" بين أسوار البيت. وتطرقت المؤلفة أيضا لبعض المشاكل العائلية والاجتماعية الأخرى التي قد تعاني منها بعض القابلات نتيجة لطبيعة عملهن غير التقليدية.
وتحظى سنار بوجود قابلة حكومية واحدة على الأقل في كل حي. ودائما ما تكون القابلة الحكومية قد تلقت تعليما وتدريبا أوليا في أسس النظافة والتعقيم والتخدير والتوليد والعناية بالمولود وغير ذلك. وتنال المتدربة بعد نجاحها شهادة من وزارة الصحة تسمح لها بممارسة المهنة قانونيا. وهنالك نوع آخر من القابلات اللواتي لم يتلقين ذلك الضرب من التدريب ويطلق على الواحدة منهن "داية الحبل" أو "الداية البلدية". واستطردت المؤلفة هنا في الحديث عن "الطب البلدي" وعن طبيعة مهن "البصير" و"الحلاق" و"الحجام" وغيرهم. وأفردت عدة صفحات لتاريخ تعليم وعمل المرأة منذ أن افتتح بابكر بدري أول مدرسة للبنات في عام 1907م. وتناولت ببعض التوسع شأن ختان الإناث وأنواعه وعواقبه، وتدرج السلطات البريطانية في محاربته بتدريب القابلات – على يد البريطانية مابيل وولف – على القيام بنوع مخفف من الختان تحت ظروف صحية أكثر مراعاة لشروط النظافة والتعقيم لضمان برء أسهل وأسرع. وفي عام 1938م قامت مديرة معهد تدريب القابلات بمنع كل القابلات من القيام بأي نوع من ختان الإناث، وأصدرت الجمعية التشريعية في عام 1946م قانونا يجرم ويحرم الختان الفرعوني، وأثار ذلك عاصفة من الاحتجاجات الشعبية (يمكن الاطلاع على المزيد في هذا الجانب في مقال مترجم بعنوان "تمدين نساء السودان" مبذول في الشبكة العنكبوتية. المترجم). وأجري في سبعينيات القرن الماضي استبيان أثبت أن نحو ثلاثة أرباع النساء في المناطق التي شملها الاستبيان كن من المختونات فرعونيا.
وما تزال كثير من القابلات- ومنهن الحاجة ذاخرة- يمارسن الختان على البنات، وتفتخر ذاخرة بمهارتها في إجراء تلك العملية، والتي تعد أيضا مصدرا للرزق قد يوازي أو يفوق ما تحصل عليه القابلة من عمليات التوليد. غير أن المؤلفة تزعم أنها وجدت بعد زيارتها في 2001م أن كثيرا من الآباء صاروا يرفضون ختان البنات، واستندت لمقولة واحدة من النساء التي زعمت لها أنها "تعتقد" أن كل البنات اللواتي ولدن بعد عام 1992م هن من غير المختونات. ولا يخفى خطل الاعتماد على مثل هذه الانطباعات الشخصية impressions عند الحديث عن أمر خطير كهذا، خاصة وأن مثل تلك العمليات تجرى في البيوت ولا تسجل رسميا في المستشفيات، وبالتالي يستحيل التأكد من وجودها من عدمه.
وفي الفصلين التاليين أوردت المؤلفة نصوص مقابلتيها مع بت الجميل الطبيبة البلدية والعرافة التي تعالج اللاءات الثلاثة "العارض والعين والعمل"، ونعيمة أمية زار الطمبرة (من المحس)، مع بعض التعليق على ما ذكرتاه. ومن عجيب ما قالته بت الجميل في مقابلتها أنها أجرت عملية قلب مفتوح في لندن، وكان الجراح الذي أجرى لها العملية مصريا، وقالت إن ذلك الجراح ذكر لها بعد الإفاقة من العملية أنه وبينما كان يجري لها العملية وهي تحت التخدير الكلي سمع صوتا فأوجس خيفة، وظن أن ذلك الصوت هو صوت مريضته... ولكن كيف وهي تحت تأثير التخدير الكامل؟ فأجابته المريضة بأن ذلك لا بد أنه صوت "دكتورة روما"، وهي إحدى الأرواح/ الخدام الأغاريق الذين كثيرا ما كانت تزورهم في منامها. وشرحت للجراح طبيعية عملها كطبيبة بلدية، بل وأعطته بعض الوصفات العلاجية. وهنالك كثير من قصص "دكتورة روما" ما هو أعجب وأغرب!
وعلى وجه العموم فهذا مؤلف قد يكون قد كتب ليكون كتابا مقررا في فرع من فروع الأنثروبولوجي في جامعة غربية، إذ يهتم بشرح مفصل كثير من المفاهيم والحوادث السودانية، ويتخذ لذلك سبيل المقابلات الميدانية التي أجرتها المؤلف مع خمس نساء في سنار تصادف وجود ثلاث منهن بجوارها في حي القلعة، وأقامت معهن علاقة صداقة كسبت من خلالها ثقتهن، وذلك مما جعلهن يكن معها في غاية الصراحة في إجاباتهن.
ويلحظ المرء الجيرة الحسنة (والتي استمرت لأربعة عقود) والصداقة التي جمعت بين النسوة الخمس المذكورات في الكتاب وهن من قبائل مختلفة (تعايشية وفولانية وجعلية ومحسية)، مما قد يشير تقدم الوعي الشعبي (النسائي) في المدن على فهم كثير من المتعصبين شديدي الولاء للقبيلة. ولا أظن أن المؤلفة تعرضت للخلفية القبيلة لنسائها الخمس رغم أنها حرصت على ذكرها حين بدأت في تعريف القارئ بهن.
ورفدت المؤلفة كتابها بصور كثيرة جذابة ومتقنة (بلغت نحو 40 صورة بالأبيض والأسود) وكانت إحداها للمؤلفة مع الحاجة ذاخرة عام 2000م وهي تحمل الطبعة الأولى من هذا الكتاب وعلى غلافها صورة الحاجة (مما يدل على موافقة ضمنية لها على ظهور صورها في الكتاب). ومن أجمل صور الكتاب – في نظري المتواضع- صورة أخذت في عام 1945م لبت الجميل مع عريسها أخذت في أحد الأستوديهات، وهي في ثوب أنيق وبسيط وفي يدها ساعة.، وصورة أخرى أخذت في 2001م لباشوات الخدام (الأرواح) يرقصن في حفلة زار وهن يرتدين الطرابيش، وفي الصورة رجل جالس على سرير وامرأة تحمل طفلها الصغير يراقبون ما يجري أمامها.
واختتمت الكتاب في تطويل لا أراه كان ضروريا بالكيفية التي سمعت بها عن أحداث 11/9/ 2001م وهي في سنار، وعن أن أسرة سودانية لديها طبق هوائي (دش) استضافتها لعدة ساعات لمتابعة الأخبار من "سي ان ان" و "بي بي سي"، وكيف أن عيالها في أمريكا كانوا يعلمون – عندما اتصلت للاطمئنان عليهم - معلومات أقل مما حصلت عليه هي في سنار! وذكرت بأن بعض من حولها قالوا لها عند بداية سماعهم بالأحداث أن ذلك عمل في غاية التطور والدقة لا يستطيع العرب عمله (وكان ذلك مطابقا لرأي محمد حسنين هيكل، والذي كان يعتقد بأن الصرب قد يكونوا هم من نفذ العملية! المترجم)، وشبهوه بما حدث من تفجير للمبنى الحكومي في ولاية أوكلاهوما في عام 1995م.، وقال لها واحد من السودانيين : "نحن السودانيين المساكين من سنتحمل نتيجة ذلك الاعتداء"، وضرب لها لذلك مثلا بالصواريخ التي ضربت مصنع الشفاء. وأكدت المؤلفة أنها لم تجد من أحد في سنار قبل وبعد حادثة 11/9 عاملها بغير اللطف والكرم والاحترام.
وختمت المؤلفة كتابها بصفحة أو نحو ذلك عن التطور الذي لاحظته في الحياة في سنار (في السبعينيات وبعدها بربع قرن تقريبا) حيث تحسنت المواصلات بين الخرطوم وسنار بدخول الحافلات المكيفة، وتغير طرق البناء في المدينة، وتطور السوق ونوعية البضائع التي تباع فيه، وذلك دون دخول في تفاصيل الأسباب وتحليل الآليات التي تم بها ذلك التغيير.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1827

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عرض وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة