المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. محمد بدوي مصطفى
سائق سيارة إسعاف ألماني بالرِّيَاض يسلط الضوء على معدلات القتلى واللقطاء بها
سائق سيارة إسعاف ألماني بالرِّيَاض يسلط الضوء على معدلات القتلى واللقطاء بها
01-31-2015 11:42 AM


رجل ربعة القامة، فاخر الجسم إلى حد الامتلاء، أصلع الرأس، تتوسط وجهه الأشقر عينان زرقاوان، وتغشى كلماته التي ينطق بها نبرة تحفها أغلب الظن التؤدة والتأني. ذاع صيته في الآونة الأخيرة بألمانيا بسبب العديد من القضايا اللاإنسانية والمخالفة للشرع والسنة والذوق السليم على حد سواء، يسردها بقلب يملأه الرجاء للتغيير وبروح تنطق بالنجدة والإسعاف لمن ينظر إليه الغير بأنه ليس أهل للنجدة ولا محل للرأفة.
سيفان باور، ألماني الجنسية، ممرض وسائق اسعاف، رمت به أياد القدر ليعمل عاما كاملا في الرياض في منظمة الصليب الأحمر . جلس بهدوء أمام مقدم البرنامج (ماركوس لانس – بالتلفزيون الألماني) ومضى يسرد مآسي من واقع المملكة؛ صار يتنقل بين موقعة وأخرى ينثر حكايات لا تقتصر، في رأيي، على بلد إسلامي دون الآخر. فبعد عودته إلى ألمانيا بدأ يسرد ما رآه أثناء عمله، حكايات أقرب إلى الأفلام منها إلى واقع دولة ترفع شعار الدين عاليا، قصص أغرب من الخيال وذلك من صميم المجتمع المغلق في عاصمة المملكة، بيد أننا نجدها في كل بلد من بلاد العالم الإسلامي والعربي وحدث ولا حرج.
يقول: رأيت في فقط هذه السنة ما يقدر بحوالي 250 من القتلى جراء حوادث المرور وهذا يستحيل أن يعيشه عامل اسعاف في المانيا خلال مدة عمله برمتها، من أول التوظيف إلى المعاش، وهذا ما أودعني إلى حالات من الأرق المستديم خلال فترة عملي هناك. وكنت أسأل نفسي، ما قيمة ابن آدم في هذه البلد؟ وكم يذكرني الموقف بأم سودانية ذهبت للبحث عن ابنها الذي هاجر إلى المملكة وانقطعت به الأسباب هناك. فلا حظها العاثر ولا الزمن المشؤوم اسعفاها أن تتقفى أثره، إذا وقعت قتيلة حادث حركة في طرقات جدة الوثيرة.
يقول سيفان: لا أحد يحترم قوانين المرور بالمرّة ولا ابسط أبجديات السلامة (ربط حزام الأمان في السيارة واللجوء للقضاء والقدر في هذه الحالة: "لو ربنا يِبِي أعيش فسوف أعيش"). تمتلئ المدينة بالسيارات الفاخرة التي تعتبر المتنفس الوحيد الذي من خلاله تتنفس الفحول دون الحرمات أي النساء. الجدير بالذكر أن من أخطر الطرق الطريق الدائري للمدينة وفيها يمكن أن يلقى ستة أو سبعة أشخاص مصرعهم خلال يوم واحد وبسبب حادث واحد قام به صبي من صبيان المدنية.
لقد قدم ستيفان باور لوظيفة سائق إسعاف في عام 2011 ويقول إن احصائيات قتلى حوادث المرور، حسب منظمة الصحة العالمية يقدر ب 7000ألف في العام، ما يعادل ستة أضعاف حوادث المرور في ألمانيا (مقارنة بنسبة عدد السكان)، ولكنه يقول أن النسبة أعلى بكثير مما ننجده في احصائيات المنظمة المذكورة أعلاه. فالإحصائيات قابلة للتجميل والرتوش كما يعلم الكل.
يذكره مقدم البرنامج بحادث راجت أصداءه في كل أنحاء الدنيا، عن طالبة من مدينة الرياض طلب أهلها الاسعاف وحينما حضرت سيارة الاسعاف لم تدع الأسرة الممرضين الدخول إليها لأنها لم تكن محجبة حتى لقيت مصرعها جراء الآلام. يقول: وهناك حادث من نفس الطراز وقع بمدرسة بنات حضرنا إليها إذ أنّ المديرة أخبرتنا تلفونيا بأن هناك طالبة قد أغمى عليها وأنها فاقدة للوعي تماما، وحينما حضرنا لم يسمح لنا رجل الأمن بالدخول لأننا رجال، وهاهنا ينبغي – حسب قوانين المملكة - أن نلجأ أولا إلى الشرطة ونحاول معها السماح لنا بالدخول عبر حوارات سفسطائية مطولة ، وللأسف وحسب التجربة، يلقى البنات مصرعهم أثناء الحوار.
ذات يوم أُخبرنا بحالة ولادة في منزل وعندما أتينا لم يسمح رب الأسرة لزملائي العرب بالدخول بيد أنه سمح لي أنا، وبعد لأي، كأوروبي، لكنه حذرني بعدم اللمس، قائلا: شوف بس وما تلمس أي شيء. وجدت في تلك اللحظة الحرجة أن حال الأم أخطر مما كنت أتصور وأن عليها أن تضع حملها في التوّ إذ أنّ حبل المشيمة قد التف حول رقبة الجنين ويكاد أن يخنقه. وكم أخبرته هاهنا وأعدت له مرارا وتكرارا خطورة السناريو ووضعت له عسرة الموقف أمام أمّ عينيه، لكنه لم يتزحزح شبرا واحدا عن موقفه فرفض أخيرا، ثم قائلا: يجب أن نحملها إلى المستشفى وهناك نعرضها على طبيبة أنثى. وفي المستشفى مات الجنين. وحينما خرج الرجل من غرفة العمليات قال لي: معليش مات ونحن لا نعرف هويته وسوف نخلف طفلا آخر؛ فكدت أن أنفجر من شدة غيظي وألمي لنفس راحت بسبب سبهللية أب لا تدخل الرأفة قلبه تجاه روح بريئة؛ حدجته بناظريّ لحظة ولم أنبس.
ويذكر ستفان قضايا هامة أخرى لا تقل أهمية من تلك المسرودة سلفا ألا وهي تزايد عدد اللقطاء الذين يوضعون أثناء الصلوات أمام المساجد وهذا يعكس بدوره قضايا آنية وشائكة تتعلق بالمهن المهمشة مثل خادمات المنازل اللائي يأتين من جنوب شرق آسيا أو من أثيوبيا.
ومن هذا المنبر نناشد أهل الأمر بالمملكة بأن يعطوا كل ذي حق حقه وأن يحترموا حرمة النفس التي كرمها الله.


[email protected]


تعليقات 7 | إهداء 3 | زيارات 3037

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1252907 [عاشق مزاج السودانيين]
4.16/5 (6 صوت)

04-23-2015 11:56 AM
كلام لا يشكل العموم للسعوديين إطلاقاً ومن يصدق ذلك فهو واهم

[عاشق مزاج السودانيين]

#1199636 [سكران لط]
4.19/5 (6 صوت)

02-01-2015 07:17 PM
الجماعة الدينية الوصلت السعوديين المرحلة دي زاحفين للسودان عشان كدا الكلام دا يفتح الاضيين

[سكران لط]

#1199343 [ابو ساري]
4.13/5 (7 صوت)

02-01-2015 09:58 AM
بقت عليك حكاية عريانة و تكسي في جيرانا. ياخي ما تكتب عن همك يعني خلاص ما في مشاكل هنا تكتب عنها رايح تناقش لينا مشاكل المملكة؟ الغلبته مرتو مشى يأدب حماتو. الغلبو همو شال هم غيرو . شكلك فاضي . بس الناس ما فاضية عشان تضيع وقتها انت في مشاكل السعودية التي اكتشفها الالماني. خليك في حالك احسن ليك و خلينا في همنا كان ما عايز تشيلو معانا

[ابو ساري]

ردود على ابو ساري
United States [Dr. Mohamed Badawi] 02-01-2015 08:38 PM
لغة الاحترام المتبادل هي من شيم أهل السودان وما هكذا تعالج الأمور، أكتب بنفسك ودع غيرك يكتب في ما يراه مناسبا ... فلو لا اختلاف الآراء لبارت السلع.


#1199262 [الحلومر]
4.16/5 (6 صوت)

02-01-2015 08:15 AM
الذي يحدث في سوداننا الحبيب عجيب الحاكم بامر الله جعل السودان جهنم يادكتور ولا مقارنة بينا وبين السعودية

[الحلومر]

#1199043 [منصور]
4.16/5 (8 صوت)

01-31-2015 05:47 PM
اتمنى يا دكتور مصطفى ان تهتم بشؤون السودان ﻻنها ادهى وامر من السعودية على الاقل الدولة السعودية لديها امكانيات ضخمة جدا ومستشفيات عالمية وتستطيع الحكومة تحمل اى تبعات للمواطنيين وتعويضهم ومع مرور الايام سيتعلم الشعب اما ما يحصل في السودان لهو الطامة الكبرى جهل ،فقر، جوع حوادث مروعة يوميا اطفال مجهولى النسب ( المايقوما ) جرائم القتل المتفشية بشكل مرعب ومخيف عصابات القتل والسرقات ،، اعتقد لو جاء الى السودان هذا الالمانى الذى ذكرته في المقال لرجع الى بلده بنوبة قلبية او انتحر من هول ما سيرى من كوارث اشكال والوان ،،،، ولك تحياتى

[منصور]

ردود على منصور
United States [Dr. Mohamed Badawi] 02-01-2015 08:35 PM
أخ منصور، أراك تظلمني بحديثك وبالنظر إلى مكتبتي ترى أنني لم أقصر في حق أهلي وبلدي ولا أزال أجتهد. ولكن العالم صار قرية فينبغي علينا أن نوسع آفاق التلقي والسعودية ومشاكلها المستوردة واقع في سودان اليوم، أليس كذلك؟


#1198940 [شاهد]
4.13/5 (8 صوت)

01-31-2015 01:11 PM
قوانين السعودية الغريبة لا تسمح لاصحاب المهن العمالية باستقدام زوجاتهم وهؤلاء يمثلون 75% من العمالة الوافدة مما يوفر بيئة للفساد والاجرام.

[شاهد]

ردود على شاهد
[عاشق مزاج السودانيين] 04-23-2015 11:58 AM
لكنها في الوقت ذاته لديها قوانين صارمة لأصحاب هواية الفساد والإجرام والكل يعلم ذلك

United States [Dr. Mohamed Badawi] 02-01-2015 08:33 PM
الكثير من البلاوي التي بها البلد الآن أتت من جراء الهجرة ومشاكلها واستيراد العادات التي لا تمت لأهل السودان بصلة.


#1198902 [ربش]
4.19/5 (11 صوت)

01-31-2015 11:57 AM
يادكتور محمد مصطفي ..أكتب لينا عن بلدنا وعن المآسي التي لا تحصي ولا تعد وحريمنا البلدن في الشارع لعدم دفع الرسوم

[ربش]

ردود على ربش
European Union [هيثم] 02-02-2015 02:35 PM
يا اخونا الراجل شاف برنامج في التلفزيون الالماني. وجاء حكى ليكم الموضوع ....
شنو اكتب عن بلدنا
اكيد لو شاف برنامج في المانيا عن السودان حيجي يحكي ليكم

United States [Dr. Mohamed Badawi] 02-01-2015 08:32 PM
الأخ ربش، كتبنا وكأننا نأذن في مالطا ... أنظر إلى المقالات في المكتبة بأم عينيك فسترى أنني لم أقصر في هذا الشأن.


د. محمد بدوي مصطفى
د. محمد بدوي مصطفى

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة