المقالات
السياسة
مريم ... قصة قصيرة
مريم ... قصة قصيرة
02-01-2015 09:06 PM


خرجت مريم الجميلة الساحرة من المنزل وهى متلهفة للوصول الى مزرعة اسرتها الواقعة على طرف النيل. وكانت مسكونة بالتصميم والهمة العالية وهى تمشى بخطوات سريعة ثابتة. ومن فرط الحماس الكبير تجاهلت ضغط الحمل الثقيل على يديها وعلى كتفها, حيث كانت تحمل معولا بيدها اليمنى وباليسرى سلة بها ماكولات ومشروبات ومنجلا واشياء اخرى. ولم يقلل من حماسها مسافة الاربعة كيلومترات التى ستقطعها. نظرت الى الساعة فوجدتها تخطت الثالثة مساء بقليل فادركت ان الوقت المتبقى قليل جدا لتنجز فيه كل ما خططت له, لان عليها فى كل الاحوال ان ترجع قبل مغيب الشمس. وفى منتصف الطريق بدات تفكر فى نفسها وفى علو شان المهمة التى ستقوم بها فى المزرعة ومساهمة عملها فى رفع دخل الاسرة. وهى تعلم ان التعهد الذى قطعته على نفسها بان تحرز نتيجة ممتازة, لا يمكنها تحقيقه الا بانجاز الواجبات اليومية للمستوى الاول من الجامعة. ولم تنشغل كثيرا بالتفكير فى نصائح والدها بعدم ارهاق نفسها كثيرا بعمل المزرعة, فهى تؤمن بان دافعه ينبع من حبه الكثير لها. وبعد ان قطعت ثلثى المسافة توقفت ووضعت حملها على الارض لانها احست بالوطء الشديد على كاهلها. وتمطت وتنفست بعمق ونظرت حولها, لكنها لم تر غير الشوارع شبه الخالية لان معظم الناس لايزالون منهمكين فى وجبة الغداء. وشعرت بان ملابسها تضغط على جسمها فجذبت الفستان الى اسفل وعدلت وضعه وتلفتت حولها مرة اخرى. وتبسمت عندما تذكرت حالة الشباب الذين كانوا يقفون على طريق الجامعة بعد الظهر وهم يتحدثون عن فستانها الضيق. فى تلك الاثناء كانت تحس بانوثتها وجاذبيتها, لكنها لم تكن راضية عن التعليقات الوقحة. كذلك كان يعتريها الخجل وهى تسمع كلمات الغزل الفاحش. لكنها احست بعد ذلك بطعم لذيذ لكلمات الاطراء والاعجاب. وانشغلت بترديد الكلمات التى اعجبتها واعادت ضبط ايقاعها وموسيقاها بهدف الاستمتاع بنشيدها البهيج. وكان احد الشباب يتحدث مع رفاقه بثقة ويقول :" طبعا حلوة جدا. و كل فرد منكم يشتهيها". وعندما رن صدى العبارة فى اذنها, زادت من سرعة مشيها واضطربت خطاها. والشباب معجبون بحلاوتها المميزة وعذوبة حديثها وعيونها السوداء الواسعة الجذابة ووجهها المستدير الفاتن وبشرتها البنية النضرة. وتبسمت وهى ترفع الاشياء من الارض ثم تحركت بسرعة وهى تغنى من حين لاخر حتى وصلت الى المزرعة. وكانت طيلة وقت الرحلة تحلم بلقاء الحبيب الذى طبعت له صورة رائعة فى عقلها وفى شعورها. وعندما وصلت ووضعت الاشياء على الارض, لاحظت ان المكان هادئ تماما لان الوقت مازال مبكرا بالنسبة لنوبة العمل المسائية. والمزرعة كبيرة واسعة وغنية باشجار الفواكه والخضر. وعندما نظرت حولها لم تر اثرا لانسان ولم تسمع سوى اصوات الطيور والبهائم. و خلعت ثوب السارى السودانى الواسع ذو الرسومات والالوان الجميلة وطوته ووضعته على الارض. واحست بخطر الوحدة فى هذا المكان النائي المحاصر بالنيل من جهة ومزارع القطن من الجهة الاخرى. وبعد حين سمعت خطوات شخص ما يمشى باتجاهها فاستعدت له

وفى الجامعة تعلمت مريم ان تضبط نفسها عند الغضب وان تبتعد عن استخدام العنف لحسم خلافاتها. فى البدء وجدت صعوبة فى التكيف مع المرحلة الدراسية الجديدة لكنها استعانت بالصبر فاستطاعت ان تتطبع بالطبع الغالب لزملاءها. ومن قبل كانت صعبة المراس وصارمة جدا, خاصة عندما ترد على من يحاول التحرش بها. واحيانا كثيرة كانت تستخدم العنف المفرط. ولاحظ الكثير من اهل القرية التبدل فى سلوك مريم كما لاحظوا تزايد اهتمام الشباب بجمالها وبجاذبيتها. وبالرغم من وجودها معهم باستمرار, الا ان زملاءها ظلوا ينشغلون بجمال قوامها وشعرها الاسود الطويل الناعم ونظرتها المثيرة و ضحكتها العذبة. وبرغم جديتها فى العمل و الدارسة الا ان اعجاب الشباب بها ظل يزداد ويكثر. وقد اصبحت تشارك فى احاديثهم وتجاملهم وتجارى طيشهم احيانا, لكن عند الجد كانت تزول ملامح الهزل عنها وتذوب كقطعة ثلج فى نهار السودان الحار. وهى تحظى عند زميلاتها بمحبة طاغية وتقدير وفير ويصفن حديثها بانه دافئ ولذيذ ومرتب. والزملاء يحتفظون لها بصورة ممتازة نظرا لحسن سيرتها فاصبحت بمنأى عن محاولات تشويه السمعة والابتزاز السياسى. استدارت مريم حولها قبل ان تبدا العمل وسعت بجد الى طرد الافكار الكثيرة عن دماغها, ثم شدت على غطاء راسها بقوة حتى شعرت بالضغط على جبهتها. وتبسمت وهى تفكر فى وصايا ابيها, بالرغم من اعتقادها بأنه كان يتطرف عندما يظهر خوفه الكثير عليها ويوضح لها استراتيجية الرد على اعتداء عليها يحتمل ان يقوم به احد الرجال. وكان يوصيها بان تحتفظ دائما بمسافة كافية بينها وبين اى شاب يحاول الاقتراب منها. واعادت ترتيب الاشياء الموضوعة تحت ظل شجرة المانجو ثم حملت المعول وذهبت لتحفر فى الارض. كانت تحفر بانتظام وبقوة وجدية كما علمها والدها, وكانت تخلط التربة ببعضها وتنظفها من الاعشاب ثم تجمع العشب بالقرب من احد الاشجار. وبعد كل فترة كانت تأخذ استراحة و تستمتع بغناء الطيور الجالسة على فروع اشجار المانجو والجوافة والليمون والباباى. وبعد حين رات نتيجة كدها وحماسها تظهر جلية على الارض. وابتسمت وهى تحمد الله وتثنى على نفسها ومشاعر الاعجاب تشع من عينيها وتزدان بالوان الجنة الغنية. وبعد حين جلست لتستريح وتستمع الى اصوات الطيور والبهائم وجلبة الصيادين الاتية من اطراف النيل البعيدة. وتذكرت وصايا ابيها من جديد, ثم راجعت خططها التى وضعتها للدفاع عن نفسها اذا ما تعرضت لهجوم. وكانت تؤكد لنفسها عزمها القوى على التصدى لاى موقف مهما كانت صعوبته. لكن برغم ثقتها الكبيرة بنفسها, الا انها كانت تشعر احيانا بمشاعر من الخوف الشديد تلقى بثقلها على جسمها. لكنها اخيرا اصبحت تزداد قناعة من ان الانهماك الشديد فى العمل سيساعد بلا شك فى تخفيف حدة مشاعر الخوف والقلق

لم تستمر فترة الراحة طويلا وسرعان ما انهمكت مريم فى العمل وهى تدرى بان حفر الارض عمل مضنى لذلك بدات به قبل غيره. وعندما توقفت ورفعت راسها رات من كانت سمعت صوت خطواته قبل فترة قصيرة. كان يقف على مسافة قريبة جدا منها ويراقب كل حركاتها, وهى تعرفه جيدا. وحين تبينت نظراته الغريبة ارتابت لانه اصغر منها بخمسة سنوات. لكن عقلها ركن الى ان تتخذ موقفا وسطا تجاهه باعتبار انه مازال صبيا مراهقا. وسلمت عليه فرد عليها السلام, لكن نظراته الغريبة لم تتغير. وبسبب المعرفة الوثيقة بينهما لم تشك كثيرا فى نواياه. لكنه تقدم الى ناحيتها ومد يده ليصافحها, فوضعت المعول على الارض وصافحته. وكان فى تلك الاثناء يشملها بنظرة جريئة شهوانية ويتتبع كل جزء من جسمها. وتمسك بيدها وجعل يداعبها بلطف ولم يهتم بخشونة كفها ولا بمحاولتها التملص من قبضته. وسريعا جدا اكتسى وجه مريم كله بالغضب الشديد واحمرت عيناها. وعندما حررت يدها من يد الصبى صاحت فيه بلهجة ملتهبة حادة وقالت: "قليل ادب. اذهب ..". وتطاير شرر الغضب من كل كلمة نطقت بها. واحس الشاب بالخطر فغادر المكان مسرعا. ثم التفت فراها تراقبه فهرول. ثم زاد السرعة عندما لاحظ المعول الذى كانت تحمله بيدها. وعندما ذهب الى بهائمه جلس على الارض ليرتاح. وبعد لحظات وجد نفسه غارقا فى نشوة تسع الارض كلها. واحس بانه قد قطع خطوات مهمة فى طريق تحقيق مكسب كبير يعزز من رجولته. ولم يهتم بالاهانة عندما طردته, لكنه هرب وهو يجرى خائفا. وانشا يتذكر علامات الخجل الواضحة على وجه مريم عندما كان يمسك بيدها ويضغط عليها برفق. ونظر الى الافق البعيد وهو فخور بنفسه ثم عاد ليراقب بهائمه. واخيرا وضع عمامته على حجر واتكأ عليها مستمتعا بنعومة العشب الرطب وهو يداعبه وينظر الى السماء الصافية. ثم وضع يديه بين فخذيه. وبعد كل حين كان يطرد صدى صوت ابيه الذى كان ياتيه مرددا الوصايا الحميدة ومذكرا له بعدم الاعتداء على النساء. لكنه لا يختلف عن الكثير من الشباب الذين يظنون ان قهر النساء عمل مباح, ويعتقدون انه يزيد من حلاوة المتعة. ولا شك ان رفاقه سيتسامحون مع ما سيفعله عندما يخبرهم بتفاصيله فى هذا المساء. واخيرا رقد على العشب وهو منشغل بالتفكير فى ادامة المتعة التى اكتنفته, وبعدها سيفكر فى كيفية الانتقال الى الخطوة التالية

حفرت واستمرت فى الحفر حتى احست بان الارض من تحتها تفور كالبركان. وساهم الغضب فى دفعها على العمل بحماس عظيم, فشارفت على الانتهاء من الحفر والنظافة, ولاحت معالم النصر وبشارات الانجاز. وعندما انتهت من الحفر جلست لترتاح و تفكر فيما قام به المراهق. واحست بقيمة ما قامت به وحمدت تمسكها بشجاعتها وحسن تصرفها. وعدلت الفستان ولبست من جديد ثوب السارى الكبير. وارتاحت للوضع رغم يقينها انها ستخلع الثوب من جديد عند بدء العمل. وتساءلت عن الذى يمنع الشباب عن غض ابصارهم عن النساء. واقلقها تاخر والدها بالرغم من تعهده بانه سيلحق بها بعد نصف ساعة, والساعة الان اقتربت من الخامسة. وهى متيقنة من حب والدها المفرط لها وثقته الكبيرة بها. لكنها الان خائفة جدا من ان تتعرض لاعتداء او تحرش جنسى يمكن ان يخدش سمعتها او يسبب لها فضيحة. وعندما امسكت بالمقص الكبير وانهمكت بحماس محموم فى تشذيب الاشجار, كانت تحاول ان تلهى نفسها عن القلق والهم الكبير الذى هجم عليها فجأة. وجعلت تنتقل من مكان الى مكان ومن شجرة الى اخرى ولم تعط نفسها فرصة للراحة. وعندما تعبت و توقفت لاحظت من جديد ان المراهق كان قد تمكن من تسلق احد الاشجار والجلوس على غصن متين لتسهل عليه مراقبتها. واسرعت نحوه وهى تشتط غضبا, لكنه نزل من الشجرة وهرول متبعدا. وفى البعد توقف وابتسم وغمز لها بعينه. وعندما اقتربت منه صاحت فيه وهددته بالضرب اذا لم يتوقف, فهرب من المكان. وهى تعلم بانها اذا تعرضت لما يشوه سمعتها عند اهل القرية فان اصلاح الامر يصبح امر شبه مستحيل. اما الرجال فان بامكانهم الكذب او ادعاء حسن النية او اختلاق قصص تدعم حججهم, والناس يميلون بسرعة الى تصديقهم والصفح عنهم. وبعد ربع ساعة عاد الراعى ووقف بين شجيرات كثيفة. ورسم لها بيده حركات تحرش مستفزة ومهينة, كذلك دعم الحركات باشارات من وجهه وحرك شفتيه وهو ينظر اليها باستمرار ويتبسم. وعندما انتبهت مريم الى تحرشه امتلات بالحنق حتى كادت ان تنفجر. وتيقنت بان الامر اصبح يشكل خطرا ماحقا عليها. ولم يعد الكلام يجدى مع الصبى خاصة وانه اصبح يذهب ويقفل راجعا بعد بضع دقائق. وفى كل مرة تكون فى جعبته حيلة جديدة. وفكرت ان توجه له ضربة قوية قاسية بالمعول لكنها تراجعت. وهى تعلم بانه صغير السن و الناس يتعاطفون معه قبل ان يفحصوا كل جوانب الامر, وقد يتسامحون معه حتى اذا اتضح كذبه. وفكرت بان هروبه قد يمكنه من تدبير هجوم مباغت من حيث لا تحتسب. وبعد تفكير طويل صممت على التخطيط بتانى لعمل حاسم ضد الصبى

شربت ماء باردا وغسلت وجهها ثم اقنعت نفسها بان تتصرف بحكمة. وشعرت بانها, ومهما حدث لها, ستجد فى نهاية الامر التقدير من عامة اهل القرية. ولما لم يسعفها التفكير العميق بحل سريع, رفعت يديها الى السماء لتبتهل بالدعاء, وفى نفس الوقت كانت تحاول ان تحبس الدموع التى اصبحت تسيل على خدها النضر. وانتبهت لصوت ما والتفتت فلم تجد اى اثر لابيها. وتحركت ثم وقفت ثابتة فى مكانها وهى تنظر بتصميم الى الصبى فى عينيه بالرغم من شعورها بوخزات الالم الشديد الذى سببه لها. واخيرا غادر الصبى وهو مبتهج بما حققه وهو يطمح الى العودة لفعل المزيد. وعادت مريم الى العمل وهى خائفة ومحاطة بالقرف. وعندما كانت تراقب الصبى وهو يغادر شعرت بانه يضمر نية مباغتتها من الخلف. وبعد ربع ساعة قررت ان تتوقف عن العمل لتاخذ راحة. ولم تكن تحس بالرضا التام عندما كبحت جماح نفسها الغاضبة واحجمت عن الرد الحاسم العنيف على الصبى. وهى الان تشعر بالاهانة والهزيمة لانها تغيرت وفارقتها شجاعتها القديمة عندما كانت لا تخشى منازلة الاولاد والحاق الهزيمة المنكرة بهم. لكن تهور الصبى وضعها فى امتحان صعب. وبالرغم من انها نجحت حتى الان فى السيطرة على الموقف الا ان مشاعر الاحباط والتردد قد سيطرت عليها بشدة. وتجولت فى البستان و قطفت بعض قطع المانجو والجوافة ثم غسلتها فى الجدول ورجعت. جلست على طرف شجرة المانجو واسندت ظهرها على الجذع المتين ثم اخرجت فطيرة مصنوعة من دقيق الدخن وبدات تاكل. وبعد الاكل شعرت بالنعاس فشربت الكثير من القهوة. وامسكت المعول بيدها اليسرى وجعلت تمرر اطراف اصابع يدها اليمنى على الطرف الحاد. واحست بالتعب يدب فى عضلاتها فارخت جسمها ووضعت الثوب قرب الشجرة واسندت راسها عليه. وركزت بصرها نحو السماء الصافية ورات اسراب الطيور وهى تفرح وتغرد وتمر جيئة وذهابا. وسمعت اصواتا متعددة تاتى اليها من الشاطئ, بعضها غليظ وغير واضح. وظنت انها تسمع انينا او صدى لشكواها. واحست برغبة ملحة فى البكاء وافراغ غضبها وحقدها كله فى لحظة واحدة . لكنها اخيرا تمكنت من التحكم فى مشاعرها, ثم جذبت طرف الثوب وغطت به وجهها ثم اغمضت عينيها

عندما راها اسرع الرجل فى مشيه وهو يتقدم باتجاهها. فى البدء حسبته طيفا من خيال. لكن ملامحه اصبحت تتضح رويدا رويدا. وتبينت مريم ارجله التى كانت حسبتها من قبل اشباحا تغرق فى السراب وتتلوى كانها ثعابين الصحراء. وعندما زاد فى القرب منها اصبحت تفاصيل وجهه وجسمه تبين, فتعرفت عليه, وهو صديق والدها. وزال عنها الخوف كله فى الحال. وبدا الرجل يقترب منها اكثر فاكثر. واخيرا وضع حمله على الارض وتقدم خطوات اخرى وهو يمد يده اليها. وفى هذه الاثناء ساهمت اصوات كثيرة متلاطمة وجلبة فى صرف انتباهها عنه, فركزت سمعها واصغت الى المصدر. كان الصياح ياتى من صيادين جالسين فى قواربهم على النيل وهم يصرخون ويغنون ويمزحون مع بعضهم البعض. قامت وتحركت باتجاه النيل واهملت صديق والدها. ولما اقتربت تعرفت على كل صوت من اصوات الصيادين. وكان من بينهم صياد وسيم كان قد اتى الى المزرعة قبل ايام وهو يحمل سمكا اعطاه لوالدها. ورفض فى حينها ان ياخذ ثمن السمك حيث قال لوالدها انه هديه منه, وبعد ذلك ذهب لحال سبيله. وقد لاحظت مريم فى ذلك اليوم انه كان يختلس النظر اليها ولا يخفى مشاعر الشهوة. لكن صوته اصبح ياتيها الان وهو يظهر بوضوح ويبرز, ثم امسك تماما بزمام الحديث, فاصبحت تستمع اليه باهتمام. واتاها الصوت الرخيم ممزوجا بالموسيقى وكان ثريا مفعما بالدفء. واصبح الصوت يقترب منها ويزداد حلاوة. واصبحت تطرب له وتنتشى وتغنى. وكشفت عن ساقيها وهمت بالرقص ثم استدارت حولها. وعندما ركزت بصرها رات صديق والدها يقف بجوارها. واقترب منها اكثر وهو يمد يده مبتسما ليسلم عليها. سالته عن امكانية اصابتها بالبرص لانها قبل ايام كانت قد شربت لبنا بعد ان اكلت الكثير من سمك الصياد اللذيذ. اجابها الرجل بالنفى ثم تبسم. واسرع يحدثها بما يطمئن له قلبها, ثم مازحها وسرد لها عدة حكايات لطيفة. ولم تهتم بمزاحه وعدم مبالاته بمخاوفها فكررت السؤال من جديد. ووجد ان عليه ان يحسم الامر فقال لها بلهجة قاطعة: "هذه خرافة". ثم سالها ان كانت تحب الصياد. ضحكت حتى كادت ان تسقط على الارض وسالته عن علاقة سؤاله بسؤالها. واستعادت فى الحين تلك اللحظات التى اتى فيها الصياد وهو يحمل هديه السمك. كانت حينها تتبسم وتنظر الى الصياد فى عينيه الحلوتين, ثم قالت له بصوت ناعم :" شكرا". رد عليها بالمثل ولاحظ ان والدها كان يراقبه فكساه الخجل. لكنها لاحظت انه يتعمد النظر الى جسمها المغرى كلما كان يجد الفرصة سانحة. وعندما غادر الصياد خجلت وذهبت تتمشى فى البستان. وكان صديق والدها يراقب تبسمها عندما كانت تسترجع الذكريات. وعندما انتبهت له ارتبكت ثم تماسكت وحدثته بقصة الراعى المراهق. ولم ينتظرها لتحدثه عن خططها فاخذ عصاه وهرول مسرعا باتجاه الراعى. وعندما اقترب منه صاح فيه قائلا: "قليل الادب. انتظر ...". وهرب الراعى والرعب يسرى فى كل ذرة من جسمه. وجرى الرجل وراءه. وكان الرجل لا يريد اذيته لكنه يريد ان يفعل مثل ما يفعل اهل القرية الذين يضربون الاطفال لتاديبهم. وهو يعلم انه يحظى بالثقة ولا يحتاج الى اذن من اهله. وفى الغالب لا يحدث اعتراض من الاهل فى مثل هذه الاحوال. والتفت الراعى مرة اخرى فراى الرجل يجرى خلفه. و جرى الصبى باقصى سرعته. كان يجرى و يحاول جهده كله لزيادة السرعة. واصبح يزيد السرعة كلما شعر بان الرجل يحمل العصا و يكاد يقترب منه. وتخطى كل مزارع القطن وعندما وجد الترعة امامه وقف وتردد ثم التفت خلفه. ولاحظ ان الرجل مازال يطارده فقفز قفزة عالية. وكانت الترعة عريضة, لم يكتشف عرضها الشاسع حقا الا اثناء القفز. وشعر بصعوبة المخاطرة, لكن بعد فوات الاوان . وفى الجانب الاخر من الترعة سقط فانكسرت رجله

فى المستشفى تجمع اهل القرية باعداد كبيرة لزيارة الراعى واستطلاع ما حدث له. وشاهدوا رجله الصغيرة وهى مدفونة فى الجبص. وكانت مريم جالسة حزينة فى فناء المستشفى مع امها. وجاء بعض الناس الغاضبين وهم يلومونها ويستنكرون بشدة ما قامت به. كانوا يصرون بعناد على انها تتحمل المسؤولية الكبرى عما حدث للصبى. وبعضهم هددها صراحة بالقتل. وبعضهم دفع ابيها دفعا والح عليه لكى يضربها ضربا مبرحا بعصاه. لكن الاب رفض ايعازاتهم, بالرغم من تردده فى بداية الامر. وصار الناس ياتون بالعشرات ويهددون مريم وهى تنظر اليهم ويرتعش جسدها كله من شدة الرعب. واخيرا ارتمت فى حضن امها وجعلت تبكى بشدة. وكانت احيانا ترفع راسها وتحاول ان تشرح للناس ما حدث لكن لا احد كان يميل الى ان يصغى اليها, ناهيك عن ان يصدقها او يحاول الدفاع عنها. واصبحت المواقف العدائية تجاهها تكبر وتزداد فظاعة. البعض كان يصيح فى وجهها بصورة مخيفة جدا. وفى لحظة قامت مريم من حضن امها واصبحت تركض بسرعة يطاردها الرعب الملفت. ولم تجد الفرصة لكى تلبس حذاءها وثوب السارى الجميل, فواصلت الجرى باقصى سرعتها. وفى احد الشوارع واجهت احد الرجال وهو عملاق ضخم الجثة كان واقفا ينتظرها وهو يبتسم بخبث, فقفلت راجعة فانحرفت الى شارع جانبى وفى نهايته وجدت عملاقا اخر اكثر بشاعة من الاول. وكانت كلما تذهب باتجاه تجد من ينتظرها, وهم عمالقة قبيحى المناظر ومخيفين يحملون سواطيرا وسكاكين حادة. وازداد عددهم وكانت كلما تهرب وتلتفت ترى حجوم الرجال تزيد وقبحهم يصبح امرا لا يطاق. واصبحت تحس بضربات ارجلهم وهى تهز الارض من حولها. وتعبت من الجرى ولم تتحمل الرعب وايقنت ان كل الطرق قد تم اغلاقها امامها فاطلقت صرخت مدوية. وتوسلت اليهم ان يتركوها فى حالها. ثم صرخت وصرخت مرات عديدة, واخيرا قالت لهم :" لا. لا". ثم واصلت الصراخ

عندما افاقت مريم من نومها نظرت حولها وقلبها يدق بسرعة وهى مازالت خائفة. واكتشفت بان الراعى كان يقف بالقرب منها. وعندما نظرت اليه فى وجهه اعتراها الخجل, لكنها بسرعة رفعت راسها واعتدلت وهى غاضبة. وبالرغم من استعدادها ظل الصبى واقفا فى مكانه وهو يتبسم. وبسرعة احمرت عينيها وعمت وجهها سمات الغضب الشديد والتفتن لكى تبحث عن المعول. وعندما نظرت الى الصبى من جديد لاحظت ان اشارات فمه وعينيه كانت بذيئة ويده مازالت بين فخذيه. واشتطت غضبا ونهضت بسرعة وهمت بالهجوم عليه. لكنها تريثت لكى تستعد له استعدادا جيدا. ومررت يدها من جديد على جسمها وفى كل منطقة كانت تشك فيها. وبعد ان تاكدت من سلامتها من اى اعتداء هيأت مشاعرها كلها للدفاع عن نفسها. وكانت ترتجف بفعل الغضب الشديد الذى ما انفك يسيطرعليها. وعندما امسكت بالمعول ورفعته وتحركت باتجاهه هرب الصبى وهو يرتعد من الخوف. وبعد ان ابتعد عنها وقفت وشدت على ملابسها ثم ذهبت الى الجدول فغسلت وجهها. ثم عادت وفحصت نفسها والمكان كله لكى تتيقن تماما من عدم حدوث اى اعتداء عليها. وعندما وصلت الى يقين وضعت المعول جانبا, وارتمت على الارض وبدات تبكى بحرقة. بكت وبكت وانتحبت بشدة حتى ابتل صدرها بالدموع. وتذكرت اللحظات التى كان الصبى فيها يقف قريبا جدا منها ويستعد للهجوم عليها. وتذكرت انه كان قاب قوسين او ادنى من الاعتداء عليها. وكلما تذكرت تلك اللحظات كانت تعود الى البكاء والنحيب. واحست بانه كان اكثر رعبا من اولئك العمالقة الذين راتهم فى منامها. وكانت يده اكثر قدرة على الارهاب من اياديهم. واحست جيدا بحجم الالم الذى اوشك هذا الصبى المتهور ان ينزله بها. وبعد فترة جعلت تتماسك وتذكرت القيم السامية. وتذكرت قصص الملاحم والبطولات التى سمعتها عن اجدادها. وابتسمت مريم واعتدلت فى وقفتها ونفضت الغبار عن ثيابها. واستعدت لصد اى هجوم اخر محتمل وربطت طرف فستانها حتى لا يقيدها. ولاحظت انها كشف عن ساقيها من جديد, فعدلت وضع سروالها القصير الذى لا يغطى غير نصف ساقيها, لكنها يئست من جدوى الاصرار على العمل. وتذكرت كيف كان الصياد ينظر بشهوة الى رجليها المكتنزتين وهو يقف كالمخبول الذى وضع عقله بامرة جاذبية النساء الجميلات وسحرهن. واستمتعت بشريط الحلم, وكذلك ذكرياتها مع شباب الحى. ووضعت الفواكه والمنجل والاشياء الاخرى فى السلة وامسكت بالمعول وتحركت باتجاه باب البستان

مشت بخطوات ثابتة وهى متوترة العضلات ومستعدة تماما للمواجهة. وكانت كل خطوة تخطوها تدل على تصميم جاد على حسم الموقف بصورة نهائية. وكان دافعها هو تكرار الراعى للتحرش واصراره على الاعتداء عليها. وامسكت بالمعول وتحركت فى اتجاه الصبى. وعندما تخطت سور الجنة توقفت لتراجع ما خططت له لكى تتبين المحاذيروتبتعد عن التهور والاعتداء. وكان الراعى يقف بعيدا ينظر اليها وهو مازال معتقلا داخل اسوار الشهوة والرغبة فى الفتاة. وفى لحظة صرخت فى وجهه صرخة هستيرية. وارتعب وبدا يرتجف وامسك بطرف جلبابه واستعد لها. شدت على قبضة يدها اليسرى بقوة واحكمت قبضتها على المعول باليد الاخرى وهمت بالتحرك نحوه. وعندما راها الراعى فى هذه الحالة تملكه الخوف وصرخ وجرى بسرعة. كانت واقفة فى مكانها تنظر اليه بغضب جارف. والتفت فراها مصممة فجرى بكل ما يمتلك من قوة. وتلفت مرة اخرى فلم يلاحظ عليها اى تردد, فزاد من سرعته. واصبح مقتنعا بانها سوف تلاحقه باندفاع محموم وتقبض عليه اذا توقف. وصار يجرى ويصرخ تاركا الغنم خلفه

اخيرا اختفى الصبى عن المكان والخوف يلتصق بكل شعرة من جسمه. وايقنت مريم تماما باستحالة رجوعه. ورجعت الى البستان وهى تنظر الى الغنم التى اصبحت تهيم على وجهها وهى تصيح. ونظرت الى الساعة فوجدتها تقترب من السادسة. وشعرت بان عليها ان تذهب قبل حلول الظلام. وفى الطريق الى المنزل كانت تفكر فى المخاطر الحقيقية التى مرت بها فى عصر هذا اليوم. وتمنت ان يفهم الناس ماقامت به على انه دفاع مشروع عن النفس. وهى كسائر البشر تمتلك الحق فى الدفاع عن نفسها. ولا تحتاج لاذن من اى انسان باستخدام هذا الحق. وعندما انتبهت الى ساقها المكشوف وضعت حملها على الارض وتبسمت. عدلت من وضع فستانها ولبست ثوب السارى الانيق ثم تحركت من جديد. وكانت تفكر باستمرار وتتساءل عما سيقوله الراعى لاهله عندما يصل الى المنزل. وهو بلا شك سيلجا الى الكذب. وهو فى كل الاحوال يريد ان يبعد نفسه عن موضع الاتهام. وقد يعذره الكثير من الناس نظرا لصغر سنه. وقد يجرمها البعض نظرا لانها اكبر منه وراشدة, اضافة الى انها امراة. لكن الثابت ان مريم الجميلة المثيرة قد وجدت بان شجاعتها التى تفتخر بها دوما قد وضعت فى موضع اختبار حقيقى.
[email protected]



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1302

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد مهاجر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة