المقالات
السياسة
محمود محمد طه: طوبى للغرباء (2-4)
محمود محمد طه: طوبى للغرباء (2-4)
02-04-2015 01:24 AM





عبد الله الفكي البشير، محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، القاهرة: دار رؤية، 2013م، 1278 صفحة.



وصل ما سبق:i

(جاء الأستاذ عبد الله الفكي البشير في كتابه موضوع النظر بحيثيات مخدومة بينت تجاهل سردية الحركة الوطنية الأكاديمية والعنقالية لدور الأستاذ محمود محمد طه المميز في تلك الحركة. ولكنه نظر إلى سبب هذا التجاهل في الحسد، أو ممالاة الطائفية السياسية، أو الخوف من السلطة السياسية والمجتمع والفقهاء. وبدا لي أن هذا السبب، متى اقتصرنا عليه، قد يحول دوننا وفهم الخطر الذي مثله طه حتى تحاشوة. ولهذا وجدت وصف الدكتور إبراهيم محمد زين لهذا التغاضي بـ "السكوت الإستراتيجي" أدنى لفهم مغزاه السياسي والثقافي. فهو يعفينا من سيكلوجيا ضغائن من تجاهلوه أو ضعف تأهليهم أو ماشئت إلى دراسة خطر طه رمزاً وفكراً. فما تجاهلوه استهواناً بل تقية ليسلم مشروعهم السياسي من خطته "الهدّامة" له).



كان طه مما انطبق عليه مفهوم "الأفندي المضاد" في عبارة دقيقة للدكتور حسن الترابي. فبينما كان سقف كل خريج من كلية غردون مثله أن يتمكث في "أفنديته" موظفاً بالحكومة تسير بذكره الركبان كان طه يتخفف من أسر الأفندية وانتهى بخلعها. تخرج طه مهندساً من كلية غردون في 1936. وهي السنة التي وقعت فيها يريطانيا ومصر، دولتا الحكم الثنائي على السودان، الاتفاقية المعروفة باسم ذات السنة وتواضعا فيها لترقية السودانيين في مدارج الخدمة على مشارف استقلال للسودان لا مقطوع ولا معلوم بعد. وخدم في عطبرة مركز سكك حديد السودان التي كانت ترهص بحركة نقابية أسفرت عن صلابتها بعد عقد من ذلك في 1947. وكان لخريجي غردون في إدارتها صلات وطنية وثيقة بفئات العمال المستنيرين. ولم يطق طه الخدمة بالحكومة لأكثر من 5 سنوات سقماً ببيئة العمل. ثم استوعبته وظيفة أخرى في القطاع الخاص، ثم استقل بعمل خاص يتعاقد فيه لمسح المشروعات الزراعية، حتى تفرغ للدعوة والسياسة في 1966.

وصب طه جام نقده على مشروع الخريجين ومؤتمرهم. فانتقده لخلوه من المذهبية الفكرية. فأعتقد أنه متى نجحت الحركة في التخلص من الاستعمار وجدت نفسها في مأزق كبير لخلوها من نهج فكري لبناء الوطن. فاستقلالنا المرجو غير حائل دون حقيقة أن فكرنا لا مرجع له غير الثقافة الغربية. فنحن مستقلون سياسياً، مستعمرون فكرياً. وأقترب طه باكراً بذلك من نقد ذاع مؤخراً عن قصور الحركة الوطنية في البلدان المستعمرة دون التعاطي بقوة وفاعلية مع الاستعمار كبعثة ثقافية تبشيرية أكثر من كونه حقيقة اقتصادية استغلالية. ولهذا بشر طه بمشروعه الإسلامي الجديد الذي لم يخرج عن نطاق عصرنة الإسلام القائمة آنذاك. ولم يكن الخريجون بليبراليتهم بنت الحداثة الاستعمارية مهيئين للتعاطي مع الإسلام، موردهم الثقافي الذي لا غيره، سوى في مستوى التعبد المطروق أو استصحاب تاريخه شارة فخر وثقة لإنعاش معنويات النضال الوطني. ولم يكتف طه بذلك بل استحدث "الخلوة" للصفوة التقليدية كما سنرى. فدخل في واحدة منها لثلاثة أعوام تفرغ فيهما لشحذ طاقة الروح والعقل فيه ليقوى على مجاهدة الاستعمار كمشروع ثقافي ومغالبته. ولم يقو على تحمل وعثاء مشروعه الإسلامي المنضبط حتى بعض الخريجين من أخلص رفاقه فتركوه. ولملأ فراغ المذهبية كتب في 1952 "قل هذه سبيلي؟" البيان البرنامجي الذي تطرق إلى مسائل الاقتصاد والدولة والمرأة وغيرها من زاوية الوطنية الإسلامية.

ولعل أميز ما جاء به الكتاب في هذه الناحية هو رأي طه في التعليم. فما يزال الناس يذكرون لمؤتمر الخريجين فضل التوسع في التعليم الذي ضيّق الإنجليز أبوابه بمبادرته بفتح المدارس الأهلية على نطاق واسع. وكان رأي طه أن الكم ينبغي أن يقترن بالكيف. فمن رأيه أن ترك المؤتمر العناية بنوع التعليم "خطأ موبق لا يدانيه إلا ترك التعليم نفسه". كما أخذ علي الخريجين صمتهم عن ثنائية التعليم الاستعمارية. ومن رأيه وجوب تفكيك تلك الثنائية حاملاً على التعليم التقليدي الذي تجسد في المعهد العلمي. وقد وصف قيامه عام 1910 بأنه "انتقال من سودان منفتح إلى انغلاق فكري".

ومن جهة التكتيك إعتقد طه في مصادمة، "استقتال"، الإنجليز حين اختار الآخرون عرض حالهم عليهم في مذكرات مشهورة. واعتقد أيضاً في تلك المواجهة بدلاً عن الاستقواء بمصر على الاستعمار أو ملاطفته. فقد اعترض على صيغة مؤتمر الخريجين الأثيرة عن قيام حكومة حرة في اتحاد مع مصر وتحالف مع بيريطانيا. وتساءل: لماذ ندفع ثمن الحرية مقيدين باتحاد وتحالف.

وما أعجز المؤتمر من المواجهة التي دعا لها في نظره سوى أنه لم يبن قاعدة شعبية خاصة به. وكان إنضواء صفوته في أحزاب الجماعات الصوفية لاحقاً بمثابة حاجة إلى جمهور لا فضل لهم في بنائه من الجذور. ولهذا رتب طه ليكون حزبه الجمهوري منبراً للتحشيد الشعبي. ففتحه ليلج أبوابه كل مجاهد ضد الاستعمار في حين اقتصرت عضوية المؤتمر على خريجي كلية غردون. وكان شرطه للعودة للمؤتمر أن يتخلص من صفويته. ولتجسير المسافة إلى الشعب كان طاقم حزبه يخاطب الشعب بالمنشور مباشرة. بل كان كادره يخطب في المقاهي ويستنفر جمهورها لمظاهرات ضد الاستعمار. ومن أسطع آيات استقتاله الاستعمار "ثورة رفاعة" (1946). ورفاعة هي مدينة طه خاصة. فكان على رأس ثورتها على الإنجليز لمقاومة إجراءات استعمارية وقحة لمنع الخفاض الفرعوني. وهي الثورة التي ما تزال تثير جدلاً حول مشروعيتها لاعتقاد البعض أن موضوعها من "التخلف" بما لا يمكن الدفاع عنه.

كان طه أمة لوحده بين خريجي غردون ومؤتمرهم. فلم يرهن نفسه لبلوتيكا "الحكم الثنائي" التي تمحورت حولها الحركة الوطنية السودانية. فقد انقسمت تلك الحركة منذ نشأتها في تاشرات القرن العشرين إلى شيعتين تحلقت كل منهما حول قطب من القوى المزدوجة التي كانت لها السيادة على السودان: مصر وبريطانيا. وكانت منها شيعة مع مصر عُرفت بالاتحاديين رهنت استقلال السودان بعلاقة دستورية ما مع مصر، وشيعة أخرى استقلالية أكثر دافعها لذلك استدبار مصر مع استبطان مودة بدرجات ما مع الإنجليز. وكان طه اتحادياً استقلالياً يدعو لنضال مصر والسودان معاً ضد الإنجليز ثم يذهب كل حال سبيله. فهو لم ير تلك الجوامع الأزلية التي يعرضها الوحدويون لقيام دولة وادي النيل في نفس الوقت الذي لم ير سوى الاستقتال خطة مع الإنجليز.

[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1051

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1201925 [شاهد اثبات]
0.00/5 (0 صوت)

02-05-2015 03:40 AM
محاضرتك القيمة دي كان تقدما في اي فضائية حتى ولو فضائية الحرة كان خدمت السودان جد ونزلت لينا مصر وهيكل والقرضاوي الفاشلين ده من راسنا
وانتو يا لسودانيين كان عجزتو عن فضائيات سودانية حرة 100% اقلعو برنامج سودانية في الحرةفي البي بي سي في فرانس 24 في dwtv

[شاهد اثبات]

#1201886 [عكر]
0.00/5 (0 صوت)

02-05-2015 12:25 AM
موضوع الخفاض الفرعوني ... قراءات عن انه ..ثار ضد الانجليز حينها لتدخله في شان خاص جدا و يمس كرامة المجتمع و النساء حينها .. فالحديث في مثل هذه الاشياء لم يكن مقبول حتي بين افراد الاسرة الواحدة ...ناهيك عن تجدث الرجال او اجنبي عنها..و ارجو من يظهر لنا رايه (المفكر محمود محمد طه) من هو اكثر التصاقا بجماعتهم و فكرهم ... عن هذه الكارثة التي لم يتخلص منها المجتمع بعد ...(الخفــــــاض).

[عكر]

#1201594 [abshakir]
0.00/5 (0 صوت)

02-04-2015 01:56 PM
تحية لك استاذ الموضوع غاية الاهمية وارجو ان تكون تجمهرت كما يرجى لك وللسودانيين جميعا

[abshakir]

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة