المقالات
السياسة
ما بين وزير الثقافة السوداني وجاك لونغ!
ما بين وزير الثقافة السوداني وجاك لونغ!
02-04-2015 02:09 PM


*(أن تكون على قيد الحياة في فجر
هذه الأحداث، فتلك نعمة، أما أن تكون
شاباً فقد أدركت الفردوس بعينه..)!.
- ويليام ووردزوورث –
شاعر إنجليزي

.. حين التقيت بالمفكر الفرنسي (جاك لونغ)، أحسست منذ المصافحة الأولى أنّني في حضرة سيّد لم تغب شمسه، يتجدّد بعد كلّ مواجهة مع غلاة اليمين وعشّاق التحجّر، هطل الشيب - كما الأفكار- على رأسه مبكّراً، لكنّ قامته ظلّت عصيّة عن الانحناء وقميصه متحرّراً من ربطات العنق.. وصوته واضحاً وصريحاً – وأحياناً هادراً - مثل حركة مايو/أيار 68 التي كان من منظّريها.. والتي أجبرت شارل ديغول على الاستقالة.
ساند جاك لونغ الحركة الطلاّبيّة الفرنسية حين نزلت إلى الشارع في مايو/أيار عام 68 وقالت لزعيم التحرير ومؤسّس الجمهورية الخامسة: (شكراً لنضالك يا سيد الإليزيه، ولكن عليك أن تتنحّى لأنّ فرنسا اعتادت دوماً أن لا تنظر إلى الوراء إلاّ بغضب).
توالت الحكومات بعدها (عبر صناديق الاقتراع طبعاً)، من جورج بومبيدو إلى جسكار ديستان، وصولاً إلى ثعلب الاشتراكيين والروائي الذي ضلّ طريقه فرنسوا ميتران… وصار(جاك) الغاضب وزيراً للثقافة وقد أمسك بالحقيبة التي كان يحملها الأديب (أندريه مالرو) في أيام ديغول .
سألت (جاك لونغ) السؤال الذي ربّما كان ينتظره من شبه مواطن (عالمثالثي) ما زالت حكوماته تعتبر الثقافة أقلّ من الحاجة بقليل وأكثر من الترفيه بقليل:
- هل وصلت فعلاً إلى الرقم الذي كنت تنشده أثناء تولّيك الوزارة، وهو تخصيص2%من ميزانية الدولة إلى وزارة الثقافة؟
- لا ليس تماماً، تجاوزنا الـ 1,5% بقليل… يبقى الأمل موجوداً .
قد يبدو الرقم بسيطاً لمن لا يتقن الحسابات مثلي، ولكن، هل تعلم عزيزي القارئ أن ّ2% من ميزانية فرنسا تعني عشرات المليارات، بل وما يقارب ميزانية دولة نفطيّة بأكملها، عداك عن مصادر التمويل الأخرى كوزارة الخارجية وبعثاتها الثقافية والاتحاد الأوروبي وصناديق التنمية من مختلف مشاربها.
إنهم ببساطة يستثمرون في الإنسان لأنه البئر التي لا ينضب عنها النفط والحقل التي لا يهدّدها الجفاف ولا الجراد… السوق التي لا تتأثّر بالمضاربات… والسحابة التي إن وعدت وفت.
أين نحن من هكذا عقليات؟ نعمل على قفل دور الثقافة والاستنارة، وتشريد المثقفين وأصحاب الرأي، واتحاد الكتّاب لن يكون الأول والأخير، عندما علمت بالقرار رقم واحد لسنة2015 الصادر من وزارة الثقافة السودانية، تبادر لذهني عندما سأل صحافي الدكتاتور الاسباني فرانكو: (ما هي الدكتاتورية؟) فأجبه: أن تجعل المثقفين والمفكرين يصمتون!!
حين تعالت أصوات اليمين المريض تندّد بشغب أبناء المهاجرين في الضواحي الباريسيّة وتطالب بترحيلهم إلى (أوطانهم) الأصلية، أصدر جاك لونغ كتاباً يناقش فيه المتذرّعين بـ(الصدمة الثقافية) والناظرين إلى الواقع بعين حولاء .
قال لهم برأس بارد وقلب ساخن: تمهّلوا، إنّ السياسة الجائرة هي المسؤولة عن شغب أولئك الذين يعانون البطالة والحرمان، لا تسحقوهم يبن مطرقتكم وسندان بلادهم فتجعلوا من غربتهم غربتين، لا تنسوا أنّ هؤلاء هم أحفاد الذين بنوا فرنسا بعد الحرب، بل ومنهم من شارك في تحريرها من الحكم النازي رغم أنّنا كنّا نحتلّ بلاده وننهب ثرواتها، ثمّ لماذا لا تنظروا إلاّ للمارقين والمهمّشين والمتطرّفين، أنظروا إلى العلماء والباحثين والكتّاب والفنّانين منهم… ما قيمة لغة موليير إن لم تكن أمّاً تحضن أعراقاً مختلفة، ألم يساهم هؤلاء عبر الضرائب في هذه الموازنة المرصودة للثقافة.؟
قطع حديثنا خبر عاجل عن أعمال الشغب وحرق السيارات في الضواحي الباريسيّة، خجلت قليلاً ونصحته بأن يفعل ما يفعله صديقي: يضع مصحفاً ومسبحة على طبلون السيارة أمام المقود، فتسلم من الحرق والخلع.. لكنّني استدركت، لقد حاول بعض الفرنسيين أن يحذوا حذو المهاجرين فلم تسلم سياراتهم من هذا الانتقام الأعمى… لا بدّ أن ّ في الأمر سراً؟!..
- أجاب: أنا أتنقّل في الغالب على قدمي.
آخر الكلام:
كتب المأمون إلى عمرو بن مسعدة: يا عمرو عمّر نعمتك
بالعدل فإن الجور يهدمها..
للحديث بقية
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 613

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1202304 [أحمد]
0.00/5 (0 صوت)

02-05-2015 12:50 PM
"*(أن تكون على قيد الحياة في فجر هذه الأحداث، فتلك نعمة، أما أن تكون شاباً فقد أدركت الفردوس بعينه..)!."

" لا تسحقوهم يبن مطرقتكم وسندان بلادهم فتجعلوا من غربتهم غربتين،"

" كتب المأمون إلى عمرو بن مسعدة: يا عمرو عمّر نعمتك بالعدل فإن الجور يهدمها.. "

عندما تتلازم ملكات الفراسة بمفهومها المطلق بالتزامن الفطري للمرء؛ فالمحصلة أما مراة تعكس الاشياء او نور تمشي الناس على هداه بهداة.

هدانا الله و اياكم.

[أحمد]

#1201622 [اب كلابشات]
0.00/5 (0 صوت)

02-04-2015 02:42 PM
دكتور نايل تعجبني كل كتاباتك أرجو ان لا تحرمنا منها لأني أحس أنك زول مثقف شديييييدن وصاحب فرادة ورؤية لم أحسها قبلاً ومقالك دا وكل مقالاتك حاجة جميلة.. أنقل لينا عن حياتك بره سواء في العالم العربي أو الاوربي وأنا قبل كدا قريت ليك في مجلة المشاهد التي تصدر عن البي بي سي/ وعلمت أنك من كوادر هذه الاذاعة الجبارة،لكن للأسف السودان ما قاعد يستفيد من الكفاءات المهاجرة.
السيد نايل بارك الله فيك.

[اب كلابشات]

ردود على اب كلابشات
[أحمد] 02-05-2015 12:58 PM
"*(أن تكون على قيد الحياة في فجر هذه الأحداث، فتلك نعمة، أما أن تكون شاباً فقد أدركت الفردوس بعينه..)!."

" لا تسحقوهم يبن مطرقتكم وسندان بلادهم فتجعلوا من غربتهم غربتين،"

" كتب المأمون إلى عمرو بن مسعدة: يا عمرو عمّر نعمتك بالعدل فإن الجور يهدمها.. "

عندما تتلازم ملكات الفراسة بمفهومها المطلق بالتزامن الفطري للمرء؛ فالمحصلة أما مراة تعكس الاشياء او نور تمشي الناس على هداه بهداة.

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ (الحجر 75)

هدانا الله و اياكم.


الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة