المقالات
السياسة
مذكرات جندي سوداني (علي أفندي جفون) - 3
مذكرات جندي سوداني (علي أفندي جفون) - 3
02-04-2015 05:27 PM

مذكرات جندي سوداني (علي أفندي جفون) - 3
Memoirs of a Soudanese Soldier (Ali Effendi Giffon) - 3
النقيب بيرسي ماشيل Captain Percy Machell


مقدمة: هذه ترجمة مختصرة للجزء الثالث لما جاء في مذكرات لجندي سوداني هو علي أفندي جفون، كان قد أملاها باللغة العربية على النقيب بيرسي ماشيل (قائد الفرقة 12 السودانية) والذي ترجمها للإنجليزية ونشرها في المجلة الأميركية Cornhill Magazine The في عام 1896م. ولعلي أفندي جفون تاريخ مثير وحافل بالأحداث والمغامرات والمعارك العسكرية. فقد ولد شلكاويا في منطقة حول فشودة، وقبض عليه بعض البقارة العرب وهو في مرحلة الصبا، وسلموه للحكومة المصرية – التركية كجزء من الضرائب السنوية المفروضة عليهم. وقامت الحكومة بإرساله لمصر للعمل بالجيش لأربعين عاما متصلة. وشارك الرجل مع الأورطة السودانية في المكسيك، وفي الحبشة، وعمل بكثير من مناطق السودان المختلفة.
المترجم
******** *********** ********** ********

عين غردون باشا حاكما عاما على السودان في 1877م، وكانت تلك وظيفة مستحيلة التنفيذ. ولا غرو، إذ أن الضباط والمسئولين المصريين الذين كانوا تحت إمرته كانوا من "المغضوب عليهم" في بلادهم، ولم يبعثوا للسودان إلا على سبيل التأديب والعقاب. فكان مبلغ همهم هو صرف كل وقتهم في السودان من أجل الإثراء بكل الطرق، وفي أقل وقت ممكن، ومن ثَمَّ الفرار من البلاد التي كانوا لا يكنون لها غير البغض.
وكان الجنرال غردون يرغب – منفردا فيما يبدو- في إعادة بناء وتشكيل السودان. وصادف في سبيل تحقيق ذلك من المصاعب والعوائق ما من شأنه أن يثبط من عزيمة أي رجل آخر، إلا أن غردون لم يكن من النوع الذي يستسلم بسهولة أمام الصعاب. فقام الجنرال في سنتي حكمه باجتثاث الكثير من جذور الشر والفساد في البلاد، وحد من تجاوزات المدراء في معاملتهم مع الأهالي، ومنع – بقدر ما يستطيع – تجارة الرقيق. ولو لم يتم إنهاء مهمته بعد عامين فقط لما قامت الثورة المهدية أصلا. فبعد مغادرته للبلاد عاد المدراء وكبار الموظفين لما كانوا عليه من فساد واستبداد وظلم للعباد، وعادت قبائل الغرب العربية للتجارة في السود. ورأى الناس بأم أعينهم ممارسات الأفندية "لابسي الطرابيش"، والذين كانوا قبل مجيء غردون يمارسون أبشع أنواع الاستبداد على الأهالي، وينزلون بهم أشد أنواع العقاب على أقل أنواع المخالفات الصغيرة خطورة، ثم عادوا بعد مغادرة غردون للحكم يسدرون في غيهم. لذا فقد قابل رؤوف باشا عند تعيينه حكمدارا على السودان أحوالا كانت فوق طاقته. وكان ذلك الحكمدار يسعى لتقليل نفقات الحكومة فحل كثيرا من أفواج الجيش التي كان يعمل بها الجنود السودانيون منذ سنين طويلة، ولم يكونوا يعرفون لهم مهنة غير الجندية. ولم يكن هؤلاء الجند يحتاجون إلا لقائد يوجههم، ولم يكن يطيقون البقاء بلا عمل لفترات طويلة. وفي غضون تلك الأوضاع التي وهنت فيها سلطة الحكومة، وتضعضعت هيبة الدولة، وعاد عرب الغرب للتوسع في تجارة الرقيق، وسرح الآلاف من الجنود وصاروا عواطل يبحثون عن عمل، كانت الأحوال العامة بالبلاد مهيأة لاضطرابات وكوارث جمة. فسمعنا ونحن في أمديب وكسلا عن ظهور "مهدي" هو محمد أحمد بن سيد عبد الله في جزيرة أبا، يدعو لطرد جامعي الضرائب الترك ورميهم في البحر، وللقضاء على المسيحيين والمرتدين الذين أثروا على حساب عباد الله المؤمنين، ولتجديد الدين واعادته لنقائه الأصلي.
ووصلتنا في البدء شائعات متباينة عن ذلك الرجل. فسمعنا أنه رجل من دنقلا عرف منذ صغره بصفات مميزة منها التدين والفصاحة، وأنه كان شيخا مبجلا يعلم الناس أمور دينهم. وكان الرجل يرى أن ما يلقاه الناس من عذاب في الدنيا إنما هو عقاب من خالقهم على حصائد هفواتهم وخطاياهم، وأنه هو المهدي الذي سيقودهم في طريق الخير لمصلحتهم في الدنيا والآخرة.
وبلغ من شدة تأثير فصاحة وقوة بيان دعوة المهدي أن أيده كل فكي سمع بدعوته. وتقاطر عليه المريدون أفواجا وهم موقنون بأن محمد أحمد هو بالفعل "المهدي" الذي سيخلصهم من عسف حكامهم وجورهم.
ولم تلق محاولة الحكومة الأولى للقبض على المهدي وإرساله للخرطوم إلا الفشل الذريع. وأفلح الرجل في التخفي عن الحكومة حتى يمكنه جمع عدد كبير من الأنصار. ونجح بالفعل في تجميع عدد كبير من رجال البقارة الأٌقوياء، والذي كانوا ينقمون على الحكومة مضايقتها لهم في تجارتهم في الرقيق – خاصة إِبَّانَ عهد غردون- ويتوقون للانتقام منها.
وفي بداية عام 1882م أستدعي رؤوف باشا لمصر (وقد كان حاكما ضعيف الشخصية غير مهاب) وحل محله مؤقتا جيقلر باشا كنائب للحكمدار (هو كارل كريستيان جيقلر، والذي حرر المؤرخ ريتشارد هيل في عام 1984م كتابا عنه صدر بعنوان: The Sudan memoirs of Carl Christian Geigler Pasha, 1873 – 1883. المترجم). ثم عين محمد عبد القادر باشا حكمدارا، وحاول ذلك الرجل في أن يصلح ما أفسده رؤوف باشا، ولكن دون جدوى، فقد كان أوان الإصلاح قد فات.
ولم يمر وقت طويل على ظهور المهدي في أبا حتى كان أثر دعوته قد وصلنا في منطقة كسلا. فقد كان جمع الضرائب من عرب تلك المنطقة أمرا عسيرا، ولكنه أصبح الآن – بعد إعلان المهدي لدعوته- شبه مستحيل. إذ رفض هؤلاء الناس علنا دفع ما عليهم من ضرائب بحجة أن المهدي أمرهم بالتوقف عن دفعها. فمثلا قام الأهالي في قرية صغيرة قرب أمديب اسمها تاكيت؟ Takiteh بالامتناع عن دفع ما عليهم من ضرائب مما دعانا للقبض على شيخهم وإرساله للسجن في كسلا. غير أننا تفاجئنا بهجوم مباغت من أهالي تلك القرية، وكان يساعدهم في ذلك الهجوم عدد من رجال الجعليين المسلحين بالبنادق. وبعسر شديد أفلحنا في صدهم ومطاردتهم حتى مشارف قرية كوفيت Kofeet. وبعد ذلك قاطعنا العرب مقاطعة تامة، فلم نعد نحصل منهم على شيء، وبدأ مخزون حاميتنا من المؤن في التناقص السريع، فقررنا أن نعالج ذلك النقص بشن غارات على الأهالي. فقمت بأمر من النقيب في كسلا، وبعون من مرشد عربي محلي من معارفي هو توتو ود حلفاي، بغارة على منطقة اسمها "جبل المرفعين" سمعنا أن بها مُؤَنا كثيرة. وأخذنا معنا مائة من الإبل عدنا بها محملة بالزاد والمؤن. وقام أفراد من حاميتنا بغارات مماثلة أمنوا بها إطعام رجال الحامية.
وسمعنا بأن المهدي (والذي كان يلقبه أتباعه بـ "أبو سيف خشب") قد أمر كافة المسلمين في السودان بالامتناع التام عن دفع الضرائب، وبقتل كل جنود الحكومة، وأشاع أن رصاص الحكومة لا يصيبه، ولا يصيب من آمن بدعوته وجاهد معه. وجاءتنا أخبار الهزائم التي ألحقها الرجل بجيش الحكومة في كردفان ودارفور، وسمعنا بأن الحكومة كانت قد استدعت غردون ليحكم السودان مجددا، وأنه بالفعل قد وصل إلى الخرطوم.
وأنضم عثمان دقنة للمهدي بعد أن كان قد غادر سواكن مغاضبا قبل عامين لما أوقعته الحكومة من حظر على تجارته في الرقيق، وعاد للشرق مجددا وهو يحمل خطابا من محمد أحمد (المهدي) فيه إعلان تعيينه أميرا على كافة مناطق الشرق. وأتخذ عثمان دقنة من أركويت مركزا له، ومنها انطلق وأنصاره ضد مراكز الحكومة في سواكن وقطع طرق الإمداد لها، وقام بحصار طوكر وسنكات. وفشلت كل الحملات العسكرية التي شنتها الحكومة ضده، إلى أن وصلت قوات بيكر باشا للمنطقة (هو الضابط الإنجليزي فالنتين بيكر 1827 – 1887م، والشقيق الأصغر لصمويل بيكر حاكم الاستوائية ومكتشف منابع النيل الأبيض. وكان ذلك الضابط قد أتهم وأدين باغتصاب سيدة بريطانية في مركبة إحدى القطارات في 1875م، وألفت حول تلك الحادثة رواية إباحية. المترجم). وأشاعت قوات بيكر باشا الثقة في حامية سواكن، وتقدمت نحو ترينكتات Trinkitat وبدأت في العمل على فك الحصار عن طوكر. غير أن العرب (أنصار عثمان دقنة) هاجموهم (في يوم 4/2/1884م) قبل أن يصلوا للتب El Teb وساد الارتباك والهرج بين جنود بيكر باشا فنجح العرب في القضاء على ثلثي رجال الجيش المصري - التركي، ولم يفلح إلا عدد قليل من أولئك الجند في الوصول لترينكتات. وغنم العرب كميات ضخمة من البنادق والذخائر من جنود بيكر باشا، مما عزز الانطباع بأن المهدي وجنوده لا يهزمون. وبعث عثمان دقنة بمصطفى هدل لمحاصرة كسلا، بينما بعث مديرنا بمدد عسكري مكون من سريتين من سنهيت (لعلها تسمى الآن كرن. المترجم) وبأربع سرايا من أمديب. وذهبت إلى كسلا عند بدء حصار جنود المهدية لها في نهايات نوفمبر 1883م. وظل العرب يقصفون المدينة كل ليلة بوابل مستمر من الرصاص، ويطلقون بالنهار زخات متقطعة من الرصاص في أوقات مختلفة، مما أثار الهلع بين السكان. وقرر المدير أخيرا أن يرسل للمهاجمين (والذين كان يعسكرون في منطقة اسمها جمام) ثمان سرايا من كسلا وأمديب وسنهيت وجنود من الحلنقة والباشبوزق والشايقية وآخرين. وعند وصولنا بالقرب من جمام أمرنا قائدنا البمباشي راشد أفندي أخذ مواقعنا على شكل مربع، وأمر رجال المدفعية بتصويب قذائفهم نحو الأشجار حتى يتبين إن كان جنود المهدية يختبئون فيها أو خلفها. وفشلت الخطة، ولذا أمر البمباشي رجال سلاح الفرنسان بالتقدم واستكشاف موقع العدو. وما هي إلا دقائق حتى كان فرساننا يسابقون الريح عدوا طلبا للنجاة من مئات من جنود العدو الذين باغتوهم من بين الشجيرات الصغيرة التي كانت تملأ المكان، وكان يلاحقونهم. وبذا تفرقت تشكيلات سلاح الفرسان. وما هي إلا دقائق قليلة من الاضطراب والارتباك حتى سمعنا أصوات جنود المهدي يصيحون " يا شيخ عبد القادر" وفجأة ظهروا في وسط مجموعتنا، وهم يعملون سيوفهم وحرابهم في أجساد جنودنا. وقام جنود المهدية بإبادة رجال مدفعيتنا عن بكرة أبيهم، وقتلوا مئات من الجنود القادمين من كسلا وسنهيت. غير أننا في نهاية المطاف تداركنا الأمر وجمعنا من بقي من قواتنا وانسحبنا عائدين إلى كسلا ونحن على أسوأ حال.
وبعد تلك النكسة ساء حالنا بأكثر مما كان عليه، ولم يعد بإمكاننا الإغارة على جنود المهدية الذين كانوا يطبقون علينا حصارا خانقا، وشحت المؤن التي كانت تأتينا من خارج المدينة. وفر الكثير من جنودنا من الخدمة العسكرية، وبدا أن الوضع يسير بالنسبة لنا نحو الأسوأ. غير أنه من حسن حظنا أن كان هنالك مخزون ضخم من المواد الغذائية في مخازن الحكومة، ولعب أب سن شيخ الشكرية دورا كبيرا في صمودنا، إذ ظل مخلصا للحكومة حتى النهاية.
وبدأنا نرى العرب وهم يرتدون الزي الذي صار الآن معروفا لنا، وبدأنا نتحدث عنهم ونطلق عليهم لفظة "فقرا" أو "دراويش". وعلمنا أن مجموعة من أولئك الدراويش قد استقرت في خور سادنا Khor Saddena فأرسلنا إليهم 400 من المشاة وبعض الفرسان والباشبوزق لطردهم من المكان. إلا أنهم صمدوا أمام قواتنا، بل وطاردونا حتى انسحبنا إلى منطقة الختمية، حيث أرسل لنجدتنا مدد عسكري من كسلا. فعاودنا الكرة عليهم وهزمناهم هذه المرة وغنمنا منهم ما وجدناه في معسكرهم. ومن ضمن تلك الغنائم حقيبة كبيرة مملوءة بالدولارات كان وجدها أحد عرفاء (أمباشية) قواتنا فأخذها وحاول الهرب بها. إلا أن الملازم مرتضي أفندي حاول اقتلاعها منه، فعرض عليه العريف أن يتقاسم معه تلك الغنيمة، ولكن الضابط رفض العرض وأصر على أخذ الحقيبة بكل ما فيها لنفسه. ولما أصر العريف على عناده، أخرج الضابط مسدسه وأصابه في مقتل. وسمع شقيق العريف بما حدث فقتل الضابط وثأر لأخيه. وكان الملازم أول عبد الله أفندي فلفل يحمل سجادة صلاة قيمة عندما ظهر فجأة أحد الدراويش وقذف بحربته في ظهره. وأتذكر جيدا منظر الضابط وهو يعدو نحو معسكرنا والحربة ملتصقة بظهره، وكان علينا جذبها بقوة لإخراجها من جسده.
وذات يوم كنت واحدا من رجال أربع سرايا من قواتنا تقوم بقطع الحطب والعشب تحت قيادة عبد القادر أفندي هديب عندما هاجمتنا قوات الدراويش وقتلت أربع رجال من قواتنا، ولم ننج منهم إلا بعد أن أتانا مدد من جند الحكومة قام بطردهم. وتجمع الدراويش مرة ثانية في منطقة أبريت Abrait، فسيرنا لمواجهتهم كل ما كان لدينا من جند. وأثناء مسيرتنا أتى إلينا السيد محمد عثمان والسيد بكري الميرغني (والد السيد الحسن الميرغني والسيد جعفر الميرغني. المترجم) وتضرع إلى المدير كي يوقف تلك المسيرة، غير أن المدير رفض ذلك الرجاء وأصر على السير وقتال الدراويش وطردهم. ولذا واصلنا المسير في أنْهُرٌ صيفية مستعرة الحرارة حتى لاحت لنا من بعيد سحب من الغبار الكثيف في ناحية جبل القرون Gebel el Kuroon . وذهب بعض رجال سلاح الفرسان ليتحققوا من الأمر فلم يجدوا شيئا، فواصلنا سيرنا حتى منطقة قلوصي Golosi والتي وصلناها عند العصر. ولم نكن نعلم بأن الدراويش كانوا مختبئين يترقبون وصولنا. وكنا في حالة مزرية من النصب والإعياء فلم نستطع صدهم، وقضينا باقي الليل في محاولة الانسحاب من تلك المجزرة المؤكدة. وكنت من بين من انسحبوا في اتجاه أوديه Odeh وعن طريق سبدرات Sebderat حتى بلغنا كسلا قبيل الفجر. وكانت خسائرنا في ذلك اليوم مروعة، فقد قتل ست ضباط و100 جندي من كتيبة أمديب وحدها. وكان مديرنا غاضبا جدا، خاصة من فرج بيه قزازي وقال ساخرا إنه مما من مهمة عسكرية بعثه فيها إلا وكان مصيرها الفشل. وأمر بعض جنودنا في الغد بالرجوع إلى موقع المعركة لجلب جثث قتلانا. وطلب مني مرافقة شيخ أحمد حجاج وشيخ محمد عثمان الميرغني من كسلا لأمديب حيث خاطب الأخير جنود الحامية وحثهم على الصمود إلى حين وصول المدد إليهم.
وكان الفكي عيسى هو الأمير المهدوي المكلف بقيادة الحصار على أمديب، بينما كان الصاغ عبد الله أفندي سالم هو قائد حاميتنا في المدينة. وكنا في الحامية في حالة بائسة، فقد اضطررنا لأكل لحوم غالب الحمير التي كانت بحوزتنا، وبدأنا نأكل الصمغ والجلود. ونصحنا الميرغني بالفرار إلى الحبشة إن ساءت أمورنا بأكثر مما هي عليه. وقمنا من جانبنا بعدد من الغارات الليلية على ما حولنا من القرى للحصول على المواد الغذائية، غير أننا لم نحصل إلا على كميات قليلة من المؤن.
وانقطعت الاتصالات بكسلا، فقرر الميرغني مغادرة أمديب والتوجه لسنهيت. وذهبت أنا أيضا لذات المدينة مع خمسين من الجنود على ظهور الخيل وبعض الباشبوزق وذلك للحصول على بعض المواد الغذائية. وكنا نسير بالليل ونختبئ بالنهار.
وفي تلك الأيام بدا واضحا أن الدراويش يزدادون قوة وعددا، وهم تحت القيادة العامة لعثمان دقنة، بينما تولى مصطفى هدل أمر كسلا وقيرا والقلابات والقضارف، وتولى الفكي عيسى مناطق سبدرات وقادين وبني عامر وأمديب وسنهيت ومصوع. وحاول ذلك الفكي إخضاع قادين إلا أنه فشل في ذلك وقتل في نهاية المطاف على يد أحمد حجاج.
................................................
...............................................
وبينما نحن تحت الحصار المشدد ونعاني من نقص المواد الغذائية بلغنا نبأ وفاة المهدي. وكان تأثير وفاته على مهاجمينا فوريا، فنشبت بين جماعاتهم المتصارعة معارك صغيرة ساهمت في تخفيف الحصار علينا. إلا أن عدم وجود أي شيء يؤكل في كسلا أجبر المدير ومن معه على التفكير في طلب هدنة مع الجيش المهدوي المحاصر. وأستغل بعض رجالنا حالة التراخي في الحصار فهربوا إلى مصوع.
ووصلت أنا في النهاية إلى مصر في عام 1885م، وبقيت فيها لعدة شهور أبحث عن عمل. ووفقت أخيرا في الالتحاق بالكتيبة السودانية العاشرة التي كانت قد كونت حديثا، وكان أغلب رجالها من الجنود السودانيين الذين هربوا من حاميات شرق السودان.
وبعد انضمامي للجيش الجديد كانت أولى واجباتنا هي الهجوم على عثمان دقنة في هندوب. وكنت على رأس مفرزة من الجنود السودانيين الذين استبقوا حيث هم عندما عبرت الكتيبة السودانية العاشرة الصحراء إلى النيل بعد إصابتي في ساقي خلال المعارك. ولم أكن أن أعود للعمل في سلك الجندية لولا عون البمباشي مك ميردو، والذي كان مصابا أيضا، ولكنه تحامل على نفسه وحملني حملا على ظهر حصانه حتى نجونا من منطقة الخطر.
وعند وصول الكتيبة 12 إلى سواكن في نهاية 1888م تمت ترقيتي إلى رتبة النقيب (يوزباشي) وعينت على رأس سرية، وما زلت قائدها حتى الآن.
وكان قائدنا الأول هو بيزانط بيه، وهو من قادنا في معركة طوكر في 1891م بالاشتراك مع أفراد الكتيبة الرابعة والكتيبة 11 بقيادة هولد اسمث باشا، والتي انتصرنا فيها على عثمان دقنة وقتلنا عددا من أمرائه. ثم قضينا بقية الأيام في حالة تدريب مستمر استعدادا للمعركة الفاصلة، والتي أعلم أننا عندما نلاقي فيها أعدائنا القدامى فسوف نحصدهم حصدا، تماما كما يحصد المزارع زرعه الناضج بالمنجل، ونحشهم حشا كما يحش الكلأ.
إن الأمور اليوم تختلف عما كانت عليها في بدايات عملنا. فلدينا الآن ضباط على درجة عالية من الكفاءة، وجنود شجعان، وأسلحة ممتازة. والعلاقة بين تلك العناصر الثلاث علاقة تفاهم تام. إنني رجل عجوز الآن، غير أن السردار أمر بترقيتي لرتبة الصاغ في فرقة بحلفا كنت مسئولا فيها عن العروض العسكرية. وفي أعوام حياتي الطويلة في هذه الدنيا طوّفت بكثير من أقطار العالم، وعانيت ما عانيت في خلال سنوات عملي العسكري، وأحمد الله كثيرا أن عشت حتى أسمع صوت المناداة للتقدم (the “advance sound”).
ستكون فشودة الآن مختلفة عما أتذكره عنها وأنا صبي صغير في أيام ميج نادوك ود يور، ولا أطمع في رؤيتها الآن. غير أني أقسم على أن أخدم هذه الحكومة طالما كان بمقدور جوادي أن يحملني. وإن قدر لي أن أعيش حتى أرى السرية الثانية في الكتيبة السودانية 12 تقوم بواجبها كما أتمنى لها عندما يأتي اليوم الأكثر أهمية بالنسبة لنا كلنا...يوم معركة أمدرمان. ساعتها سأكون مستعدا لمغادرة هذه الدنيا، ولن تكون حياة علي جفون قد ضاعت سدى.
فليعش أفندينا للأبد!

[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1960

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1201873 [ابزرد]
0.00/5 (0 صوت)

02-04-2015 11:22 PM
سرد جميل جدا فقط اعيب عليك عدم التنويه اذا كانت هناك ثمة حلقات اخري ام لا في نفس الموضوع

[ابزرد]

ردود على ابزرد
United States [بدر الدين حامد الهاشمي] 02-05-2015 03:34 AM
ما ترجمته في 3 حلقات هو مختارات من هذه المذكرات العديدة الصفحات.
علمت مؤخرا أن أحد الإخوان (لعله في قطر) أكمل نرجمة كامل المذكرات وينوي نشرها في شكل كتاب


#1201841 [Saeed]
0.00/5 (0 صوت)

02-04-2015 09:27 PM
السيد محمد عثمان الميرغني المذكور في المذكرات ، ابن السيد الحسن بن السيد محمد عثمان الختم مؤسس. الطريقة الختمية ، ويكني بمحمد عثمان الأقرب تمييزا له عن جده محمد عثمان الختم

وهو والد السيد علي وجد السيد محمد عثمان الحالي ، وهاجر الي مصر لمعارضته المهدية. ، ومات هناك ودفن في مقابر باب الوزير .، بينما لم يتمكن اخوه من جهة الأب السيد احمد من الهجره

وحددت إقامته في امدرمان طوال فترة الخليفة عبدالله ، وهو والد السيد الحسن والسيد محمد عثمان ( شمبات ) لإقامته. في شمبات وهو جد السيد إبراهيم الميرغني الناطق باسم الحزب

الاتحادي الأصل .

[Saeed]

#1201825 [بدر الدين حامد الهاشمي]
1.00/5 (1 صوت)

02-04-2015 08:40 PM
في أنْهُر صيفية

[بدر الدين حامد الهاشمي]

#1201745 [واقعي]
4.00/5 (1 صوت)

02-04-2015 06:32 PM
ممتع جدا...نرجو المزيد

[واقعي]

بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة