المقالات
السياسة
مَن يتحسَّس مُسدسَهُ أمَامَ الثقافة..؟ ..
مَن يتحسَّس مُسدسَهُ أمَامَ الثقافة..؟ ..
02-05-2015 11:40 AM


أقرب إلى القلب:
(1)
كنتُ مشاركاً قبل سنوات قليلة، في لجنة لإعداد منتدى شعري يقام في الخرطوم، حين تطرقنا إلى من نستهدف بتنظيم ذلك المنتدى وهو أشبه بالمهرجان الكبير. تساءل البعض: كيف سيتاح لجمهور العاصمة أن يحضر تلك الفعالية، خاصة وأن هناك عدد من الشعراء قدموا من وراء الحدود..؟ تداولنا في الأمر وقلبنا وجهات النظر. مشاركٌ واحدٌ في لجنتنا تلك بدأ مطمئناً، لا يقلقه ما نحن فيه من تفاكرٍ ومن شفقةٍ، خوف أن يخذلنا الجمهور بحضورٍ ضعيفٍ لا يشرّف. ضحك صاحبنا ملء شدقيه، وقال جملة واحدة:
- دعوا الأمر لي!
لم تطل دهشة لجنتنا، إذ انبرى الرجل يشرح ما سيقوم به من إجراء لجمع جمهور مضمون لحضور فعاليات ذلك المهرجان، وأن "التحشيد" تخصص لا يسبقه إلى أسراره أحد. هو الذي ينطلق إلى داخليات طلاب وطالبات العاصمة، ويقوم باستئجار الحافلات لتقل العدد الذي نرغب في حضوره منهم إلى قاعات المهرجان. تركنا الأمر له مثلما طلب.
يوم الافتتاح حشد الرجل جمهوراً ملأ القاعة حتى لم يجد أكثرنا، ونحن أصحاب الفعالية، مقاعد نجلس إليها، فزادت دهشتنا من مقدرات عبقري "التحشيد" هذا !
(2)
تذكّرت على الفور ما ظلت تتمسك به الأنظمة الشمولية التي عايشنا بعضها عندنا، وعند سوانا في بلدان الجوار العربي، من دعم تتولاه، ومؤازرة تنتهجها لوزارات الإعلام ومؤسساتها. تلك الوزارات هي التي يوكل إليها توجيه الرأي العام بما يناسب أمزجة الحكم السائدة، وحشد الجماهير دعماً لها، وكأن ذلك يشكل الركيزة الأساسية لثبات الحكم وديمومته. غير أن العين الفاحصة لواقع الحال، تدرك أن أجواء "الحرب الباردة" التي سادت منذ أواسط القرن العشرين وحتى سنواته الأخيرة، قد تميزت ببروز أدوارٍ هامة لأجهزة الإعلام في صياغة الرأي العام، وفي السيطرة عليه بما يدعم السياسات الأحادية، وتثبيت دعائم استقرارها والترويج لبقاء النظام الشمولي الحاكم فيها. كانت حكومات العالم الثالث خلال تلك الحقبة "الباردة"، تحرص كل الحرص على إحكام سيطرتها على أجهزة الإعلام والصحافة، فلا يقتصر التحكم على ضبط "الرأي" المؤيد وتحديد مساره و"التحشيد" له، بل يتعداه إلى التحكم في "الخبر" ذاته. ليس للمواطن إلا أن يسمع ما يراد له أن يسمع، ولا يقرأ إلا ما يراد له أن يقرأ، أما حريات إبداء الرأي وحقوق التعبير، فهي خاضعة لترشيد وللرقابة وكسر أقلام..
(3)
لعل أشهر "أنبياء" التحكم في الرأي وخبراء غسل الأدمغة ومخضعيها لإرادة "العقل الحاكم"، هو "جوزيف جوبلز" (1897م-1945م) وزير الدعاية السياسية في ألمانيا الهتلرية. "جوبلز" هو المسيطر الأول على أجهزة الإعلام النازية في المانيا. هو الرجل الذي صارت عباراته الصادمة، راسخة في كتب التاريخ المعاصر مثل عبارة:
"كلما سمعت كلمة ثقافة أتحسّس مسدسي"!
أو عبارة:
" أكذب حتى يصدقك الناس"!
جاء "جوبلز" وكأنه قادم من أجواء محاكم التفتيش التي سادت في القرون الوسطى. لم يكن الرجل عسكرياً بالمهنة بل هو قد تلقى تعليماً جامعياً عالياً، فالمتوقع - بالنظر لقدراته وبحكم تأهيله- أن يكون منحازاً كامل الانحياز للمثقفين وللثقافة عموماً، لا أن يضمر كلّ هذه الروح العدائية الصادمة للثقافة وللمثقفين.
( 4)
سنجد عذراً بلا شك، للمناخ الذي ساد خلال الحرب العالمية الثانية، والذي جعل من مهمة الوزير النازي "جوبلز"، أسهل من حسوة ماء. بعد انطواء سنوات مناخ "الحرب الباردة"، فإن ثورة الاتصالات قد تكون إحدى عوامل تفكيك ذلك المناخ. في مثل هذه الأيام التي نعيش تفاصيلها ونتنفس عبرها بما بسطته الفضائيات من قنوات للحوار الاجتماعي والثقافي والسياسي، وما أتاحته وسائط التواصل الاجتماعي من مساحات لتفاعل بناء بين بني البشر، لن تثبت أية مصداقية لتلك الممارسات التي سيطر بها وعبرها، رجل مثل "جوبلز" على الأدمغة الألمانية، ونجح في غسل أفكارها، ترويجاً للنازية التي أخذت الشعب الألماني بأكمله وكأنهُ قطيع مُغمض العينين، إلى مصائره الكارثية التي انتهى إليها في أخريات أيام الحرب العالمية الثانية، عام 1945م.
في عصر التواصل والاتصال بين مختلف الثقافات والشعوب بما في ذلك بلدان العالم الثالث، فإنّ الجنوح إلى السيطرة على الرأي العام أو حجب الحريات وقمعها، على ذلك النحو الذي اتبعه النازيّ "جوبلز"، يعتبر من الممارسات التي تجاوزها التاريخ، بل ويُعدّ من قبيل المضحكات أن ينغلق شعب على نفسه بمثلما فعل "أنور خوجه" ببلده ألبانيا، الذين يحسدهم أهل الكهف على صبرهم وتحملهم للمحاصرة النفسية وغسل الأدمغة الممنهج، فيما العالم من حولهم يبتدع سبلاً متحضرة لتعاون دولي وشراكات اقتصادية وثقافية كاسحة..
(5 )
لربّما من قبيل التذكير، فإنّنا نجد شرعة حقوق الإنسان المعروفة باسم "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، والتي اعتمدّها ممثلو الشعوب والبلدان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، قد أقرّت جملة من المواد الملزمة لكلّ دولة وقّع ممثلها على هذه الشرعة، والسودان بالطبع من بين الدول التي وقع ممثلوها على تلك الوثيقة بعد نيله الاستقلال في عام 1956. نصّتْ الشرعة في مادتها الثانية على:
أن لكلّ إنسان (( حقّ التمتع بالحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان كافة، كافة دون أيّ تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، دون أي تفرقة بين الرجال والنساء)).
ونصّتْ المادة الثالثة من تلك الشرعة أنه (( لكلِّ فرد الحقّ في الحياة والحرية وسلامة شخصية)).
وفي مادتها التاسعة نصّت على أنه (( لا يجوز القبض على أيّ إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً)).
وفي مادتها التاسعة عشرة، أقرتْ أنّ(( لكلِّ شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعاتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية)).
وفي مادتها العشرون أكدتْ على أن (( (1) لكلّ شخصٍ الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية. (2) لا يجوز إرغام أحد على الانضمام لجمعية ما.))
(6 )
ترى.. وأنا دبلوماسي بالمهنة، هل أبدو واثقاً من كون حكومة بلادي، وهي من بين البلدان الموقعة على هذه الشرعة الدولية، تلتزم بما ورد فيها، أم أننا نعيش في حقبة زمنية موغلة في القدم، أو كأنها جزء من حقبة وزير الدعاية الألماني "جوزيف جوبلز": عصر ما قبل احترام المواثيق. عصر تشهر فيه المسدسات في وجه المثقفين. عصرٌ تكذب فيه حتى يصدقك الناسُ آخر الأمر! لا يليق بنا فيما أرى، أن نسير في ركاب نازيٍّ لفظه التاريخ، كلما سمع كلمة "ثقافة" تحسّس مسدسه وأشهره في وجوه المثقفين..!
هل سمعتم ببندقية قتلت كتاباً، أو رأيتم خنجراً طعن حرفاً في مقتل..؟
إن كان ثمّة دعوة لحوار، فإن حضور الفكر فيه أمرٌ لازم، وإن كان ثمّة مبادرات فإنّ للطرح الثقافي مكان، وإن كان ثمّة رأي فله السماع، وإن كان ثمة كتابة فللقلم احترام..
آمل أن تنظر وزارة الثقافة ومن يقف وراءها، في النظر ملياً في الحيثيات، قبل إنفاذ قرارها بإلغاء تسجيل اتحاد الكتاب السودانيين، إذ ليس من المنطق في شيء أن نرى الذي يرعى مشروعاً لطباعة مائة كتاب كل عام، يخاصم الكتّاب والأدباء والمفكرين...
++++
الخرطوم-5 فبراير 2015 – نقلا عن صحيفة "الرأي العام"
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 932

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




جمَال مُحمّد ابراهـيْم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة