المقالات
السياسة
مدينة سواكن
مدينة سواكن
02-05-2015 02:43 PM


أصدرت مجلة «العربي» عددها لشهر يناير 2015 وتضمن عددا من التقارير لمدن متعددة ومختلفة من قارات العالم اضافة الى مقالات ولقاءات وتحقيقات خاصة.
وشدد رئيس تحرير مجلة «العربي» د.عادل العبدالجادر في حديثه الشهري على أن التخلف الفكري ليس جهلا وإنما جهالة لمتخلف فكري قد يكون محدودا أو محيد التفكير أو ضالا، مبينا انها 3 آفات يجب أن نقاومها إذا أردنا غرسا طيبا في أرضنا الطيبة.
وتضمن الكثير من الموضوعات منها تقرير عن مدينة «سواكن» الواقعة في شرق السودان بقلم عصمت معتصم بانقا والصور بعدسة إبراهيم إسحاق لتسجل رحلة في عمق مدينة «أساطير الجن» كما تستعيد الذاكرة رحلة أخرى يقوم بها محمد العوضي الى مدينة «بوزنان» مهد پولندا والتي شكلت مقرا لتفاعل الحضارات وصدامها.
وقدم العدد تقريرا عن الفن التشكيلي المعاصر في كوريا عبر أحد أبرز أعلامه حيث أجرى أشرف أبواليزيد حوارا مع الفنان التشكيلي لي جونغ سانغ الذي يحتفظ برسومه 50 مليون كوري وهو عضو في الأكاديمية الوطنية للفنون ومؤرخ وتحمل عملتين ورقيتين من بنكنوت جمهورية كوريا رسومه وتوقيعه.

نقلاً عن مجلة العربي الكويتية عدد يناير 2015
سواكن.. تاريخ محفور في عمق الأسطورة..
بقلم:- عصمت معتصم البشير بانقا
تصوير:- ابراهيم اسحق
المدن كما الكائن الحي تماماً.. وربما الآدمي تحديداً.. فهي تُولَدْ وتنمو.. تصبو و تشيب.. تكتهل وتشيخ .. وهي تتنفس.. تنوم وتستيقظ .. تحبو وتسير فتتقدم وتتأخر.. تطعِم وتُطَعّمْ.. كما أنها تتزين.. تفرح وتحزن.. تبتسم وتتجهم.. تعاند وتترفق.. .. وهذا ماصوره أبوتمام:-
إذا نظرت إلي البلاد رأيتها تشقي كما تشقي العباد وتسعد
والمدن أيضاً تتأثر وتؤثر.. فهي ذات إرادة ومزاج وذاكرة.. وقد تكون في حالة غربة.. أوغضب، أو مغضوب عليها.. فلها أعداء كما لها أصدقاء.. ولها أسرار مثلما لديها حبال سرية.. وحتماً فيها أرواح - أياً كانت- خيرة أو شريرة أو الإثنين معاً.
بيد أن المدن تختلف عن الكائن الآدمي في كون الأخير إن مات و غادر الدنيا فإلي غير رجعة، أما هي فإن ماتت لربما عادت إليها الروح ودبت فيها الحياة من جديد، بل لربما عادت أكثر شباباً ونضرة، ولو حدث هذا العارض عدة مرات..
ولا شك في إن مدينة سواكن التاريخية هي واحدة من المدن التي تجسد هذه المقدمة قولاً ومعني.. ولاسيما أنها ظلت تتأرجح ما بين حال وحال حسب مجريات كل عصر، وما يخطه الزمن علي وجهها.. هذا غير أنها قد ماتت وعادت إلي الحياة أكثر من مرة عبر العصور، فالمتتبع لتاريخها يلحظ أنها مرت بكل التغيرات التي يمكن أن تحدث للآدمي سواء كانت فسيولوجية، أو سيكولوجية، أو فكرية/عقائدية أواجتماعية أو ثقافية أو خلافه... أما الزائر لأرضها فلا يتسني له أن يراها بعينين فقط، وإنما بعينين وذاكرة، وبقية حواسه، إذ لا تقوي عينه أن تهرب من آثار حضارتها، ولا يستطيع الفكاك من التأمل في ماضي سنيها وما دهاها، ورحلة الجن التي صاحبتها منذ نشأتها..
رحلة الصبر والهواجس:-
في مطلع عام 1990 راودتني فكرة زيارة مدينة سواكن التاريخية لمعرفة شئ عن حاضرها وقتذاك، بعد أن عرفت ماضيها من خلال الكتب والمجلات ومختلف القراءات، وأفواه بعض أبنائها وزوارها، وأيضاً للوقوف بين أطلالها الأثرية ومعرفة الأساطير التي تدور حولها، والقطط التي يتحدث الناس عنها ككائنات خرافية تحوم في أرجائها.
وبعد ان تحصلت علي تصديق من الجهات المعنية للتصوير عقدت العزم وبدأت الرحلة من "سوق ديم سواكن" ببورتسودان التي تقع شمالها بنحو (40) ميلاً تقريباً علي ظهر أحد البصات القديمة.. حجزت مكاني في البص منذ السابعة صباحاً، ولم يمتلئ جوفه إلا بعد ساعات..
لم تكن الرحلة سهلة خالية من الرهق وما يزحم النفس.. فالهواجس والأسئلة والصبر كانت سمتها الأساسية منذ بداية التحرك، كالذاهب إلي مكان مجهول في عالم لم يكتشف بعد.. وعندما حازت المركبة المدينة انحرفت عن الطريق العام (بورتسودان- الخرطوم) نحو الشرق متخذة شارعاً فرعياً يؤدي إلي داخل سواكن بطول يبلغ نحو ثلاثة كيلومترات تقريباً عليه ما يبين أنه كان مرصوفاً قبل سنين خلت، ووقتها لم أشأ علي الصبر أكثر مما صبرت.. فسألت من كان علي جواري، (خلاص وصلنا سواكن؟).. فرد عليّ بدارجية مكسرة :- (أيوه ديك أوسوك).. وهو يعني - نعم تلك سواكن- ثم عاجلني بسؤال.. (حا تسافر طوالي واللا حا تقعد شوية).. فأجبته:- (سأرجع بعد العصر).. فقال الرجل:- ( ما أظن تجد مواصلات).. ثم أردف يقول:- ( الناس تسافر من – أوسوك- في الصباح لقضاء أغراضهم في بورتسودان ثم يعودون بعد العصر، وأنا راجع هسع - الآن- لأنني مريض قادم من مستشفي بورتسودان، وما تنسي أن اليوم جمعة) ..
وحديث الرجل له ما قبله وما بعده، وألقي علي النفس مخاوف فوق مخاوفها، خاصة إذا عرفنا أن أهل شرق السودان عامة والبجا بصفة خاصة يمتازون بالذكاء، السخرية، وحدة النظر، والنظر بعمق إلي ما بعد، وهم قوم لا يتحدثون إلا إذا حادثتهم، فيهم وداعة لا تخلو من غلظة في حالة التجني، وفيهم كرم إذا أرادوا لك ذلك، كما عُرِفوا بالشجاعة والكبرياء وحب الجبنة وحمل السيف..
وظللنا نتحادث أسأله وهو يجيب، فعرفت أن مدينته تفتقر إلي كثير من مقومات الحياة، وهي تعاني كما يعاني إنسانها بشكل مرير.. ولما وصلنا نقطة النهاية عند بوابة سواكن، كان موعد صلاة الجمعة قد قرُب، فأومأ الرجل بيده إلي مكان الجامع إن كنت أرغب في أداء الصلاة، فتحركت رهن إشارته من عند البوابة مخترقاً سوق المدينة الذي لا شئ فيه سوي مركز الشرطة وعدد من أماكن بيع اللحوم والخضار وبعض المقاهي والمطاعم التقليدية الحزينة.. وعلي شارع فرعي ناحية اليمين يوجد قليل من الباعة الذين يفترشون بضائعهم علي الأرض من عطور وساعات وأقمشة يقال أنها تأتي عن طريق التهريب.. وإلي جانبهم من يعرض أشياء محلية مثل الكوانين ومعدات الجبنة والجرادل، وآخرين يروجون لبيع منتجات البحر من صدف وكوكيان وغيرهما.. كان ذلك عنوان المدينة.. خطوطه ملولوة (غير مستقيمة)، باهتة، شاحبة، متفرق الأحرف.. مجرد النظر إليه للوهلة الأولي دون قراءته يفضي إلي التساؤل إلي أين يفضي بنا.. وحتي الصور التي إلتقطتها كاميرتي لم تخف ذلك الشحوب والحزن المرتسم علي وجه الكل.
سواكن بين ابن بطوطة وحاضرها الجديد:-
وبعدما وصلت الجامع قاطعاً عشرات الأمتار، بدأت في البحث عن ماء للوضوء، ولحظتئذٍ كان قول الرحالة ابن بطوطة الذي نزل في سواكن عام 1324للميلاد حاضراً ( وصلنا إلي جزيرة سواكن وهي لا ماء بها، و لا زرع و لا شجر، والماء يجلب إليها في القوارب من القيف، و فيها صهاريج ماء يجتمع فيها ماء المطر).. لكن أما زال قول الطنجي سارياً حتي بعد مئات السنين؟.. وبعد جهد تحصلت علي ماء تخالطه ملوحة بائنة، ثم دخلت الجامع، ولم تمض دقائق حتي قدِم إمام الجمعة وكأنه قادم من عصور سحيقة، صعد علي منبر أثري قديم، ربما قِدم الجامع نفسه.. صعد الإمام بشق الأنفس وببطء شديد، ثم وقف منادياً – السلام عليكم- وأدخل يده اليمني في جيبه وأخرج كتاباً مصفر الأوراق بفعل تقادم الزمن، وبتمهل يؤكد عدم جاهزيته أخذ يقلب صفحات الكتاب، كأنه يستدعي ذاكرته أي الخطب لم يقرأها مؤخراً.. حتي وجد ما يبتغيه، ثم بدأ في قراءة خطبة الجمعة.. أخذ يقرأ في حديث خارج سياق العصر، فيما يعرف بــ (خطب الكتب الصفراء)،
ثم نزل من علي المنبر للصلاة في زمن لا يقل عن زمن صعوده، وبعد ذلك عرفت بأنه جامع تاج السر، وأن الخطيب من الأرتيقة، وأن الحاكم الذي يُدعي له بطول العمرهو الحاكم التركي، وأن مثل تلك الخطب ثابتة دائرية (مكررة)، تمت كتابتها ونشرها في العهد التركي، ولا زالت تردد...
وبعدها طفقت أجوس بين آثار المدينة وأطلالها داخل الجزيرة مشياً علي أديم الماضي، فالحاضر ليس له موطئ قدم، بنايات مكومة، أجهل بناتها في سالف الأزمان، وإن لم تكن مجهولة الهوية، فكل كومة تنبئ عن أثر لأمم مختلفة المشارب.. والبحث بين ركامها من غير هادٍ أو مرشد لا طائل منه سوي الغبار والتمتع بالنظر من خلف ثقوب الماضي.. وكنت أنظر بعينين زائغتين وصبر شحيح مخل وأحاسيس متنازعة مبعثرة تؤكد أنني قدمت للمدينة المكنوزة في الزمن الخطأ، فالزمن لن يسمح بأكثر مما سمح به، والخروج المبكر لا مناص منه، وإلا....
كان الخروج من المدينة أشبه بالخروج من مغارة.. وبعد مسافة سير تربو عن كيلومتر لاحت خيوط ضوء في الفضاء، ثم تلاها بدقائق صوت سيارة قادمة لسواكن، وعندما صارت في محازاتي توقف قائدها، وسألني عن وجهتي، فأجبته، وطلب مني الركوب بجانبه في البوكس لكي يلحقني بالطريق العام، ورغم أنني لا أعرفه إن كان من الإنس أو الجن فقد أحسست بشئ من الطمأنينة، وحدّثتُ نفسي بأن ما سيلاقيني ليس أسوأ مما أنا فيه.. تلكأت برهة - بسملت وحوقلت-، وبعد إلحاح منه ركبت بجواره، فقال لي:- (أنت ذاهب بورتسودان؟).. نعم.. فأردف يقول:- ( يا أخي في مثل هذا الوقت لن تجد مواصلات.. هذا وقت لا يمكن أن يخرج فيه شخص من سواكن إلا إذا دهته الدواهي).. فقاطعته.. هل لأن المدينة مسكونة بالجن كما يقولون، أم لأن المدينة مهجورة؟ .. ضحك وقال:- (بالنسبة لحكاية الجن نسمع بها منذ أن وُلِدنا.. لم أر ولم أصادف من رأي جنية تحوم في أطراف المدينة، وأي شخص يقول مثل هذا الكلام كضاب أي "كذاب".. المشكلة تكمن في أن المدينة صغيرة، لا يتجاوز تعداد سكانها الخمسة آلاف، وغالبيتهم من الشباب والطلاب، وهؤلاء مقيمون ببورتسودان للعمل والدراسة. فهم يغادرون سواكن عقب صلاة الجمعة مباشرة، ثم يعودون إليها مساء كل خميس، وبعودتهم تتحرك المدينة وتنتعش نوعاً ما.. وبعدما يغادرونها تختفي الحركة وتذبل المدينة أما غيرهم من الذين تمسكوا بالبقاء بسواكن معظمهم من كبار السن والفتيات والأطفال فحياتهم بسيطة، ينامون بعد صلاة العشاء ويستيقظون عند الفجر، فلا شئ يجعلهم يتحركون خارجها).. ثم سألته عن الإنارة في المدينة فقال:- (كما ذكرت لك عن حياة الناس، حقيقة هي سهلة ومعظم مساكنهم من الخشب والبروش وبيوت الطين فليس لديهم حاجة بالكهرباء ـ ولاهي من أولوياتهم والمولد الكبير الوحيد الذي يمد بعض أجزاء المدينة بالنور خاص باللاجيئين الارتريين، وهو يعمل من السادسة مساءاً حتي الحادية عشر ليلاً.. لكن معدل توقفه أكبر من عمله)..
وكان الشاب يتحدث بلسان فصيح ولغة سليمة ووعي ينبئ عن تعليم متقدم حتي وصلنا الطريق العام، فنزلت وتركني أواجه بقلب مطمئن مصيراً جديداً، وبعد انتظار دام لأكثر من ساعة ونصف الساعة جاءت ناقلة بضائع متجهة إلي الميناء فأقلتني إلي بورتسودان التي وصلناها بعد منتصف الليل.
لم يكن السرد السابق مجرد خواطر أو ذكريات، وأنما وقائع يوم لواقع عاشته مدينة سواكن في مطلع التسعينات وما قبلها لعقود خلت.. ورؤية العين تؤكد للقاصي والداني أنها كانت مهملة في شتي مناحيها، تفتقر لمقومات الحياة، منهكة حزينة، بائسة الحضور، بل هي وإنسانها والبؤس توأمان.
خازن الرتاين:-
رغم معاناة الرحلة الأولي ورهقها، إلا أنها لم تكن الأخيرة لسواكن فمكنوزاتها الثرة، وأسرارها العميقة، والرغبة الأكيدة في إستجلاء حقيقة أمرها، ودك حصون الخوف والهواجس فتحت شهية المغامرة والذهاب إليها عدة مرات.. لكن بوسيلة نقل خاصة، فبعد أشهر قلائل من العام نفسه.. شاءت الأقدار وروح المغامرة أن أقوم برحلة ثانية إلي سواكن، ومن حسن حظي أن تكون في معية عمدتها الحالي محمود الامين الاميرمحمود بك أرتيقة..
سألت حفيد الأمير عن الظلام الذي يلف ليل المدينة ويحيلها إلي سواد، وكيفية احتمال قضاءه في أرض محاطة بالأطلال والهواجس والظنون، وعن المزاعم التي تروج وتصور بأن الجن يمشي بين سكانها في هيئة قطط سمان.. وكيفية تعايش أهلها مع ذلك الواقع فقال:- (سواكن لا يعرف سرها إلا من عاش فيها فترة كبيرة من الزمن، والظلام الذي يغطي ليلها ذلك هو قدرها.. لقد كان الناس يستخدمون الرتاين لإنارة المدينة، بنظام دقيق ومرتب حتي أواخر الستينات، وتلك حقيقة لا يعرفها الكثيرون، ولا ينكرها من عاش فيها في تلك الفترة، و- حسب ما ذكره الأجداد- أن الأتراك هم الذين جاءوا بالرتاين إلي سواكن في القرنين الثامن والتاسع عشر، وكان الأرتيقة الذين يشاركونهم إدارة سواكن هم المسؤولون عن نظام تشغيلها، إذ كان يوجد فيها مخزن ملئ بالرتاين Lantern ومعينات تشغيلها من سيبيرتو وكروسين وقطع غيار. والمخزن لديه شخص مسؤول "مخزنجي" يسمي خازن الرتاين يتم تعيينه بأمر مكتوب من أمير أو عمدة سواكن، مهمته أن يقوم مساء كل يوم بتجهيز الرتاين وتوزيعها علي المرافق الهامة في المدينة مثل السوق، الشفخانة، مكتب البريد، دور البوليس "الشرطة حالياً"، استراحة وزارة الأشغال، واستراحة وقاية النباتات واستراحة المحافظة داخل الجزيرة وغيرها من الأماكن التي تتطلب توفر الإنارة فيها وحراسة الخفراء.

وفي زيارتنا الأخيرة لسواكن برفقة المصور إبراهيم اسحق.. لم يكن الوصول إليها شاقاً مثلما كان قبل عقدين ونيف من الزمان.. وليس هناك ما يستدعي الملل، فقد أصبح الطريق مسفلتاً ميسراً، ووسائل النقل متعددة ومتاحة وأكثر راحة، ففي رأس كل خمس دقائق أو أقل توجد وسيلة نقل عامة للركاب من مدينة بورتسودان ميممة وجهها شطر سواكن، بجانب الحافلات والسيارات الخاصة التي تقل جموع العاملين بميناء عثمان دقنة سواء كانوا من الموانئ، الجمارك، التخليص، أو شرطة الجوازات أوغيرهم. كما أن الوصول إليها لم يعد يستغرق أكثر من 40 دقيقة بعد أن كان يستغرق ساعات طوال، وبصبر يجل عن صبر انتظار مولود جديد..
بدأنا التحرك باكراً من موقف التاكسي ببورتسودان، ولم تمض دقيقة حتي إنطلقت بنا العربة جنوباً في الطريق العام الذي كثرت علي جانبيه مباني الشركات الخاصة والعامة ومينائي تصدير البترول (بشائر2،1) والمنطقة الحرة بمساحات كبيرة، وبعد حوالي نصف الساعة أطلت من خلال نافذة العربة آثار سواكن في شكل اشبه بالقمر في احدبه المتناقص، مما يؤكد أن المدينة تمددت بصورة جعلت جزيرة الآثار علي النحو الذي رأيناه، وأصبحت المباني فيها علي مقربة من جانبي الطريق العام..
وبعد دقائق معدودات نزلنا بأرضها، فلم يعد الدخول إليها من - بوابة سواكن- كما كان في السابق، فقد أصبح المدخل الرئيس للمدينة يبدأ من ملتقي الطريق الفرعي بالطريق العام، والذي غدي يمثل نقطة عبور كبيرة أو محطة رئيسة لتجمع البصات السفرية والشاحنات الكبيرة القادمة أو المغادرة لمدينتي المينائين، مما شكل حراكاً واسعاً ومكثفاً في المنطقة، وأوجد فرصاً كثيرة للعمل سواء لأصحاب الكناتين والباعة الجائلين وبائعي وبائعات الأطعمة والمشروبات، والسريحة "بائعو الصحف والمجلات الجائلين"، أو لأصحاب الحرف كالحدادين، والبرادين، والميكانيكيين، وأصحاب المركبات التجارية المحلية وغيرهم، مما أدي إلي حراك تجاري ومالي كبير بين الناس الذين يمتهنون هذه المهن رغم ان أغلبهم ليسوا من أبناء المنطقة، ولكنهم سودانيون..

الأسطورة السواكنية:-
بعد ثلاث دقائق وصلنا داخل المدينة ووجدناها أكثر شباباً ونضارة، شامخة بهية ساحرة مستأنسة ضاجة لم تنم، ولم يعترها نعاس.. فاتحة أحضانها للناس تستقبلهم بمزاجٍ عالٍ وإرادة طموحة، فرحة بعودة الروح إليها، والزمان الذي أقبل نحوها مبتسماً بعد أن أدار ظهره لها وأدبر قبل قرن من الزمان مما أتاح لنا مجدداً فرصة التأمل بين أطلالها بتؤودة، ومعرفة كثير من التفاصيل حول مكنوناتها الأثرية بعمق وروية..
ولعل أول ما يستوقف الزائر حقيقة أن سواكن التي شهِدتُ أواخر أيامها مقبورة، وعاصرتُ عودة الحياة إليها، وشبابها الحالي، فمهما تأثرت بمرور الزمن وتقدمت بتطور أساليب الحياة فيها يظل واقعها التاريخاني هو ذات الواقع الذي ألفه الناس منذ آماد بعيدة، من حيث التكوين والأبنية التي طُمِرت، وتلك التي ناء الدهر بكلاكله عليها وأضحت آثاراً يؤمها الباحثون والمهتمون وغيرهم، فضلاً عن القطط ذات الحجم غير المألوف، والتي تتصرف كما يتصرف الإنسان في وداعتها وطرق تناولها للطعام حتي أصبحت مضرباً للأمثال وضرباً من ضروب الحكي بين الزائرين، وكذلك الجنية " تهاشّوا" التي تظهر في الظلام بغرض القتل والإنتقام – كما يروي- .
كل هذا يجده الزائر في أفواه وذاكرة الكثيرين، ولا زال الناس يجترون تلك الروايات ويربطون حاضر المدينة الزاهر بماضيها "الخرافي" التليد، وتلك الأسطورة " الخرافة" الشائعة وراسخة في الأذهان كما حدثنا المؤرخ- محمد صالح ضرار- في مؤلفه سواكن والبحر الاحمر بأن:
(أحد ملوك الحبشة أهدي سبعين جارية إلي نبي الله سليمان بن داؤود – عليه السلام- وأرسلهن إليه في بيت المقدس "أورشليم" فأبحرت بهن سفن شراعية من مصوع "باضع" حتي ألقت مرساها في سواكن.. واستطابت الإقامة فيها.. فواطأ السواكنيون " أو الجن كما يزعمون" أؤلئك الجواري لما هبطن إلي ساحل الجزيرة البري، ثم أقلعت بهن السفن إلي ميناء العقبة، وهبطن منها، وسرنّ إلي القدس، ثم ظهرت عليهن آثار الحمل، وبعد التحقيق مع رؤساء السفن أقروا بأن أقامتهم بسواكن كانت طويلة جداً وكل الذي حدث كان من السواكنيين.. فأمرهم سيدنا سليمان-عليه السلام- بردهن إلي سواكن حيث يجب أن تكون أقامتهن بها نهائيا.. فإندمجن وذريتهن في أهل الجزيرة، وأمر بأن تتخذ جزيرة سواكن سجناً للمجرمين. لكن بعض المؤرخين يدّعِي أن قصة الجواري والجن كانت مع خسرو ملك العجم).
من جوف تلك الرواية "الاسطورة" برزت سواكن للعلن وعرفها الناس.. ورسخت أساطيرها في الوعي الإنساني رغم مرور أكثر من ثلاثين قرناً، تغذيها أفكار وأخيلة الذين تعاقبوا عليها والاحداث التي مرت بها.. وما إنفك الناس يؤسطرون (MYTHOLOGIZE ) كثير من الأشياء المبهمة فيها، ويجيدون الحكي عن مشاهداتهم، وينسجون حولها المثير كل بما يجود عليه خياله.. وما يؤكد مذهبنا أن قططها المهيبة ما زالت تتحرك في أرجائها، وتسعي بين الناس في هدوء شديد ورزانة وغرابة مما يجعل كل من يشاهدها يظن أنها من بقايا جنيات سيدنا سليمان.
وقد صارت الأسطورة السواكنية تجري مجري الدم في أوصال المدينة.. وذهب العديد من الباحثين والأدباء مذاهب شتي في هذا الأمر، كما إستلهم المبدعون من أهل الثقافة والأدب والمغنيين أدباً رفيعاً، وغناءاً رصيناً.. ولا ينسي السودانيون الأغنية الشهيرة للشاعر والمطرب إدريس الأمير:-
صب دمعي وأنا قلبي ساكن
حار فراقك نار يا سواكن
**
هناك بعض الشعراء الذين غمسوا يراعاتهم وريشات إبداعهم ونثروا حروفهم في أساطير المدينة وأطلالها.. يقول الشاعر اليوناني – أندرية فورياديس- في قصيدتة المترجمة من اليونانية:-
أري بلقيس تطوف في حبات الرمل
هل يا تري سألت نفسها عن سليمان؟
أم الجن وعرائسه تمنعها ذلك؟..
لقد نسيت ذاك السؤال..
ويقول الشاعر السوداني عالم عباس - رئيس إتحاد الكتاب السودانيين السابق- في قصيدته " سواكن تتداعي حجراً بعد حجر" :-
الجزيرة
وهي تستلقي علي الأصداف والكوكيان
والشط والعقيق
هذه اللألاءة الوهج وفي كنٍ حريز
يوم أن أوحي سليمان إلي سبع من الجن
فشاءوها وشادوها هنا..
كما كتب الشاعر السوداني المعروف مبارك المغربي والذي عمل لفترة ضابطاً بسجن سواكن العتيد في قصيدته الخالدة بعنوان "ذكرى سواكن":-
إني وقفت علي البلي أرثي الذري المتداعية
وأطوف بالماضي السحيق وبالمغاني الثاوية
أرثي لعـز زائـل وربـوع حسـن خالية
وإذا بقلبي فجـأة تسطـو عليه غانية
خرجت تتيه بحسنها في مشية متهادية
تلتف في ثوب السواد نضيرة متباهية
ناديتــها .. لكنها لم تستجـب لندائيـه
ومضت تشيح بوجهها عني وعن إعجابيـــه
أما الشاعر السوداني أبوقرون عبد الله أبو قرون فقد جاءت قصيدته- أسطورة الأمير والحورية الحسناء- تقول في بعض أبياتها:-
كانت حصينة الأسوار بيضاء المساكن
قد قيل في الزمان أنها سواكن..
و قيل أنها سواجن..
و قيل أنها سباجن..
وقال قوم آخرون..
ذاك الكلام باطل..
وذاك شائك من الظنون..
مدينة البوابات والقلاع:-
وكما كانت سواكن مدينة موحية ولا زال تاريخها محفور في عمق تلك الأسطورة فهي أيضاً كانت مسرحاً "تراجيكوميكياً " دراماتيكياً عريضاً لصراع زماني ومكاني "زمكاني" محير، ذلك فضلاً عن الصراع الحضاري، الثقافي والاجتماعي، والتجاري القديم الذي نالت به شهرة عالمية واسعة.. ولكي نقف علي ذلك المسرح لاستقصاء حقائق التاريخ القديم ونتعرّف علي أصول وجذور وتاريخ هذه المدينة وصراعاتها المختلفة.. بدأنا من حيث توقف بنا التاكسي عند بوابة سواكن المعروفة بـ (بوابة شرق السودان) والتي أصبحت في قلب المدينة، وقد عُرِف بها شرق السودان حتي صارت "رمزاً أو شعاراً" لولاية البحر الأحمر.. وكان قد أنشأها البريطاني اللورد كتشنر باشا عام 1886م في وسط سور سواكن بجانب أربعة بوابات أخري هي (بوابة الأنصاري)، (بوابة الاندارة أو بوابة الأمير محمود بك أرتيقة)، (بوابة إسفنكس الإنجليزي)، والخامسة هي (بوابة السجن الحربي أو بوابة المحلج ).. وكلها أنشئت لمراقبة الخارجين والداخلين من وإلي المدينة خوفاً من هجمات خصمه السوداني الثائر الأمير عثمان دقنة أحد قواد الثورة المهدية.. وعلي بوابة سواكن لوحة رخامية مساحتها متراً مربعاً يحيطها إطار في الحائط كُتِب عليها ( باب شرق السودان من دخله كان آمناً ومن خرج منه كان سالماً).. أما الحصن أو السور فيبدأ من منطقة النُزل شمالاً وينتهي عند السجن، وكان يبلغ طوله ثلاثة كيلومترات وارتفاعه خمسة أمتار وسمكه أكثر من متر.. وبجانب البوابات الخمس توجد (بوابة غردون باشا) عند مدخل جزيرة سواكن "سواكن القديمة" وقد أنشئت لنفس الغرض.. كما شيدت ثماني قلاع أخري علي بعد ميلين من مدخل المدينة لصد أي هجوم يلحقها من ثوار المهدية.. وكل هذه أضحت آثارأً يؤمها الناس للبحث في ثنايا تاريخها.

الموقع الأزمـــة:-
ومن بوابة شرق السودان اتجهنا شرقاً راجلين مروراً بقسم الشرطة ومبني المحلية مخترقين سوق المدينة الذي تبدلت ملامحه نحو الأحسن كثيراً عما كان عليه في السابق، بما فيه من حيوية، حركة، ضجيج، تنظيم، معروضات وأماكن عرض حتي وصلنا الجانب الشرقي للسوق "القيف" حيث يوجد جامع تاج السر الميرغني الذي شُيد عام 1890م، والجامع المجيدي الذي تم بناؤه علي القيف بأمر السلطان العثماني عام 1863م ثم جامع الشاذلي )الطريقة الشاذلية) بجانب قباب بعض الطرق الصوفية التي لها وجود وأثر في المدينة. وعلي قرب منها مبني مدرسة سواكن الأميرية الوسطي (سابقاً) التي كان لها أثر كبير في نشر التعليم في شرق السودان، وتخرج منها قائد أول حكومة انقلاب عسكري في السودان الفريق إبراهيم عبود ( نوفمبر 1958- أكتوبر 1964)، وتوقفنا أمامها قبالة الساحل الجنوبي الغربي للجزيرة لنشاهد عمليات الردم والحفر التي تجري لتشييد كورنيش سواكن الجديد، وبعد ذلك توجهنا نحو الشمال، وعلي جانب الطريق يوجد مركز بمواصفات جيدة لبيع الأسماك، وأماكن راقية ومنظمة لإعداد السمك وتقديمه وجبات للراغبين.. وفي هذه الناحية أيضاً وعلي مقربة من القيف وجدنا جامع الشناوي الذي شُيد عام 1873م وبجواره قصر الشناوي الذي وقفنا علي أطلاله بتأمل عميق وأسي بالغ لما آل إليه حاله.. ويقال أنه من أجمل وأروع مباني سواكن بناه التاجر محمد بك الشناوي في مساحة تقارب العشرة آلاف متر مربع، ويتكون من ثلاثة طوابق بها ثلاثمائة وست وخمسون غرفة بـ )عدد أيام السنة الهجرية(، فكان الطابق العلوي للنوم في الصيف والثاني لاستقبال الضيوف، أما الطابق الأسفل فهو مخصص لتخزين البضائع، ويقال أن الشناوي كان ينام كل يوم في غرفة، وللقصر شبابيك مرصعة بالزجاج الملون والزخارف وله مصابيح تتلألأ أنوارها ليلاً علي صفحة مياه البحر مضيفاً لجماله جمالاً آخر.. وكانت ساحاته تستخدم للمزاد وعرض البضائع، حيث يُعرض فيها السمسم والذرة وسن الفيل والصمغ وسائر محصولات السودان، وكان يُسمي " وكالة الشناوي أو بورصة سواكن".. ثم توجهنا بعد ذلك نحو جزيرة سواكن التي تُعرف بـ " سواكن القديمة"، عبر جسر يبلغ طوله حوالي 50 مترأ وعرضه نحو 10 أمتار قام ببنائه غردون باشا 1877 ما بين القيف " الساحل" والجزيرة لتسهيل الحركة ونقل البضائع من وإلي الميناء بدلاً عن المراكب. وقد أصبح حالياً قيمة تاريخية، وذو أهمية بالغة لا تقل عن تلك التي أنشئ من أجلها، إذ بات يمثل العروة الوثقي ما بين حاضر المدينة وماضيها السحيق، وهو الذي يعبر بالمرء أزمان وأزمان لاستجلاء خبايا وتاريخ سواكن القديمة..
ولأجل ذلك عبرنا الجسر ودخلنا الجزيرة مكمن الحكايات والأساطير من خلال بوابة غردون باشا وبدأنا نطوف حولها لنعرف تفاصيلها فوجدناها جزيرة صغيرة من المرجان بيضاوية الشكل تقبع علي الساحل الغربي للبحر الأحمر أو)بحر القِلزم) كما كان يُسمي قديماً.. تبعد عن ميناء السويس المصري في الشمال بنحو720 ميلاً ويقابلها في الطرف الشرقي للبحر الأحمر ميناء جدة السعودي بمسافة تقدر بــ 200 ميلاً، ولعل موقعها في هذه المنطقة هو الذي جلب لها الجن وكثير من المتاعب والشقاء، وسبب لها أزمات كبيرة.. كالحسناء التي تتآذي من جمالها.. فإستراتيجية موقعها جعلها محط أنظار واهتمام الكثيرين، وقوقعة للاساطيل الحربية، وعرضة لضربات كثيرة موجعة من الغزاة والطامعين، وما أفاقت من ضربة حتي عوجلت بأخري..
فهي الجزيرة التي سبقت شهرتها اسمها من رحمها خرجت قرية سواكن إلي (القيف) ثم تطورت إلي مدينة تضم الجزيرة، وأحياء القيف، كاس الدور، الملكية ،المشيل، الاندارا، والليلي إبان فترة حكم الفونج للسودان1505) 1820-م( الذين ادخلوا فيها المساكن المبنية من الطين والقش، بدلاً عن المصنوعة من القش والحصير.. وكانت المدينة الجديدة بمثابة الوليد الشرعي للجزيرة القديمة.. يليها في كل حين ما يلي أمها، من رخاء وبؤس ونعيم وشقاء وأفراح وأتراح وانتصارات وأنكسارات حتي جاء عام 2005م الذي جعل إنشاء وحدات الحكم المحلي "المحليات" شاناً ولائياً وبموجب قانون الحكم المحلي أصبحت سواكن " المدينة والجزيرة" محلية من محليات ولاية البحر الأحمر، لها قري وأرياف..
سواها.. جن وأوسوك:-
لقد حاولنا ونحن نتجول داخل الجزيرة معرفة أصل وتاريخ سواكن في العصور الخالية فلم نصل إلي حقيقة سوي تلك الأسطورة القديمة، بأنها جزيرة موغلة في القِدم ضاربة الجذور، مثلها مثل جزر البحر الأحمر خالية من السكان، ليس فيها غير الجن.. وهناك بعض المؤرخين يقولون بأن )سواكن كانت آهلة بالسكان منذ أن إستوطن باديتها أبناء كوش بن كنعان الذي تناسلت منه قبائل البجا الأصلية قبل إختلاطها بالعرب)
أما اسمها فقد أختلف أيضاً المؤرخون حوله فيقال أنه" سواجين" لأن سيدنا سليمان - عليه السلام- اتخذها في القرن العاشر قبل الميلاد سجناً للمجرمين، ويقال أن أصل الاسم كان " سواها.. جن" أي فعلها الجن لأن المدينة نفسها كان يقطنها الجن، ثم حُرِف الاسم فيما بعد إلي اسمها الحالي.. أما المؤرخ المصري الشاطر بوصيلي فيقول أن سواكن وردت في التوراة، وهي كلمة هندية تعني المدينة البيضاء أو مدينة الأمان، فهي بر السلامة لأنها أول مدينة تصل إليها السفن في ذلك التاريخ عند قدومها من الشرق الأوسط .. وهناك من يقول أن أصل الاسم مصري وهو شواخن باعتبارها قرب الحبشة.. ونلحظ أن هذا الاسم له رابط باسم الجِنية " تهاشوا "بحروف )شوا) وهي تكوِن اسم " سلطنة شوا " أقدم مملكة إسلامية علي القرن الإفريقي.. أما قبائل البجا فيطلقون عليها بلغتهم اسم – أوسوك - وتعني في العربية " السوق" وهذا الاسم- كما ذكر البعض- مشتق من كلمة " سواكم" ، لأنها كانت تمثل لهم المدينة التجارية الوحيدة، بل كانت المنفذ الوحيد للسودان.
ونحن في تطوافنا للبحث وسؤالنا عن أصل تسميتها فلم نصل إلي حقيقة فكل بروايته، والثابت عند أهل المنطقة أن أصل التسمية هو "أوسوك "، وهو الاسم الذي يتداوله أبناء البجا والسكان الأصليين حتي الآن. واسم سواكن عرفه الناس لأول مرة خلال القرن الثامن الميلادى ويطلقونه الذين من خارجها، أما ماورد من أسماء غير هذين الاسمين فلا تُذكَر و لا تُعرَف إلا من خلال الكتب وعند الباحثين..
وبجوار بوابة غردون وجدت هذه المرة الحاج - محمود حسن بوداي- حارس الجزيرة- الذي قال لنا:- (إن سواكن بلد متقلبة في كل مرة تقوم وتقع)..
بهذه العبارة البسيطة الذكية إختزل الرجل تاريخ المدينة الممتد لعدة عصور، والشائع عند أهل العلم والثقافة "سواكن سادت ثم بادت"..
القتل غيلة:-
وفي أثناء طوافنا أدركنا أن مدينة الصبر علي المآسي وتصاريف الزمان غامضة.. سرها في بطنها، وتنماز عن غيرها بالذكاء والعبقرية فهي قادرة علي اجتذاب الناس إليها في حالات البؤس والرخاء، وعند الشدة والضعف، كما أنها قادرة علي أن تنهض متي ما أصابها الهزال، أو الدمار والموات كأنها تقول " البطل لا يموت"، فقد مرت المدينة بعصور وحقب زمنية متعددة، تختلف كلها باختلاف معاصريها، بداية بعصر الفراعنة كما يحدثنا المؤرخ ضرار صالح ضرار.. فعندما تولي رعمسيس الثاني )سيزوستريس( حكم مصر مابين (1415- 1339) قبل الميلاد حكم مصر أخضعها لسلطانه، واتخذها قاعدة بحرية لأسطوله التجاري لتسهيل حركة التجارة بين بلاده وبلاد الشرق الأقصي، وعندما جاء خلفه رعمسيس الثالث في سنة 1198 قبل الميلاد أرسل إليها سفنه التجارية لجلب الأحجار الكريمة والمر والبلسم من السودان، ولما إستولي البطالسة علي حكم مصر(305-30 ق.م) بقيادة فلادلفوس )بطليموس الثاني ( أمر قواته باحتلال سواكن لموقعها الفريد وأسس فيها مركزاً تجارياً ضخماَ وغدت ذات أهمية تجارية قصوي. ولكن عندما جاء خلفهم الرومان وأستولوا علي حكم مصر 30)ق.م- 640م) دارت بينهم وبين ملك قبائل البجا معارك وحروبات انتهت بقتل سواكن غيلة ودمارها، وقيام مدينة عيذاب التي تبعد عنها من ناحية الشمال بنحو أكثر من300 ميلاً فأصبحت الميناء الجديد للحجاج الأفارقة والمغاربة.
من الخراب إلي الصحوة:-
واستمرت سواكن علي ذلك الحال من الخراب وفقدان الحياة حتي قدم إليها أربعة من الصحابة لنشر لواء الإسلام ورفع راياته فيها ومن خلالها باعتبارها المنفذ الوحيد للسودان من ناحية الشرق، ونجح الصحابة فيما هاجروا من أجله، ومن ثمّ اقتفت آثارهم قبائل عربية أخري،.. أبرزها قبيلة الأرتيقة التي قدمت من حضرموت "اليمانية" و استقرت بسواكن سنة883 للميلاد. ولما استولي المماليك علي مقاليد حكم مصر(1250-1517م) سيروا حملة عام 1310 ميلادية بقيادة السلطان الناصر، ووضعوا أيديهم علي سواكن لتأمين حركة التجارة فيما أخذت تضمحل عيذاب التي دمرها الصليبيين. وعندما حكم سلاطين السلطنة الزرقاء "ملوك الفونج" السودان عام (1508- 1820م) امتدت سلطنتهم حتي سواكن وبسطوا حكمهم عليها عينوا الأمير عبد الله بوش أميراً عليها، وكانت هذه أول سلطة للسودانيين علي سواكن بعد أن ظلت في "غربة إدارية" عن السودان قرابة الثلاثة آلاف عام، وفي عهده إستعادت سواكن سمعتها وشهرتها التجارية، وبدأت تزدهر مرة أخري بعدما عادت إلي الحياة، كما أصبحت ميناء الحجيج الأول للسودانيين وغيرهم من المسلمين الأفارقة.
لكن سواكن لم تهنأ بذلك كثيراً إذ احتلها الأسطول البرتغالي عام1516 بقيادة الأميرال (دون جوان دي كاسترو) ولم تنفك من قبضته إلا علي يد الأميرال سنان باشا في عهد التركي السلطان سليم الأول.. وغدت بعدها مستعمرة تابعة للأتراك تقاسموا مع الأرتيقة أمر إدارتها. فيما كان سائر السودان تابع للسلطنة الزرقاء.. إلا أن الاتراك لم يبدوا أدني إهتمام بها بل جعلوها قاعدة حربية لهم يرفرف فوق ساريتها العلم التركي بعد أن ضمها الخديوي إلي أملاكه وجعلها تحت سلطة والي أمارة الحجاز وعين عليها محافظاً تركياً وبذلك عادت سواكن ثانية إلي غربتها (إدارياً) .. حتي زارها في عام 1560م الشيخ عجيب المانجلك كبير وزراء الفونج وهو في طريقه للحجاز، وأقام بها وصاهر أهلها وبعد أن علم بأنها تشكو الظمأ حفر حفيراً سمي (الفولة) وهذا ما جعلها تنتعش إلي حد كبير.

وباستيلاء الخديوي محمد علي باشا علي الحكم في السودان وقضائه علي دولة الفونج عام 1820 م كما حدثنا– محمد صالح ضرار- طلب ضم سواكن إلي سلطانه، لكن تركيا قامت بتأجيرها له مقابل مبلغ يدفعه سنويا لأمارة الحجاز وبشرط أن تعود سواكن بعد وفاته تابعة للحجاز مرة أخري.. ولما توفي محمد علي باشا سنة 1849 عادت سواكن للدولة العثمانية تحت أمارة الحجاز، حتي جاء الخديوي إسماعيل باشا وحكم مصر عام 1863، فإنتدب أحمد ممتاز باشا لإستلام سواكن من المحافظ التركي، وأصدر فرماناً بضمها لأملاك الخديوي في مايو 1866 مقابل إضافة (7000) جنيهاً مصرياً إلي الجزية التي تدفعها مصر لسلطان العثمانيين..

وفي عهده ازدهرت سواكن كما لم تزدهر من قبل، وعادت إلي شبابها مرة أخري، بعد أن تم تعميرها بشكل حضاري متقدم ونشطت فيها الحركة الملاحية خاصة بعد التطور الذي حدث في مجال النقل البحري عالمياً بإحلال البخار محل الأشرعة والمجاديف، والحديد محل الأخشاب في صناعة السفن، هذا فضلاً عن افتتاح قناة السويس عام 1869م مما أحدث أثراً بالغاً في تقدم حركة التجارة والنقل والوعي بصفة عامة في السودان.. ومن ثمّ تكاثرت عليها هجرات المصريين، الحجازيين، اليمنيين، الأتراك، الأفغان، الهنود، الأغاريق، والأرمن، واليونانيين، وغيرهم من الأجناس الاخري التي قدمت مع الجيوش الغازية، فإستقروا فيها ونالوا الجنسية السواكنية بأمر الخديوي.
حدثني الفنان الدكتورعبد الكريم عبد العزيز محمد عبد الكريم الكابلي.. الشهير بعبد الكريم الكابلي، وهو أبرز من صدحوا بالعربية الفصحي في السودان :- (ولِدت في مدينة بورتسودان في ثلاثينات القرن الماضي وفي شهادة الميلاد مثبت أنني سواكني. ذلك لأن جد أبي عبد الكريم الكابلي، قدِم من بلاد الأفغان، ومن هنا جاء إسم الكابلي نسبة إلي- كابول- وأستقر في جزيرة سواكن وبني فيها سرايا، وأسس مكتبة معروفة، واندمج مع سكانها ومن ثمّ تزوج إبنه محمد )جدي لأبي( الذي أنجب والدي من أهلنا هنا في البحر الأحمر.. وإتصلوا بآل البسيوني، وآل صقر، وآل البنوني.. وفي الأربعينات ونحن تلاميذ كنت أذهب إلي سواكن وأقضي أجازاتي في السرايا التي بناها جدنا).
مدينة لا يغشاها الصدأ:-
و أثناء طوافنا بين آثار سواكن لاحظنا أن كل المباني التي عمرّتها وقتذاك كانت مبنية من الصخور المرجانية وأحجار السيف والجير والأخشاب لمقاومة الرطوبة، ورغم تعدد طوابقها فلم يستخدم فيها الخرصانة والسيخ والأسمنت الذي بدأ إنتاجه عام 1870، وهذا ما يؤكد أن مدينة التاريخ لا تعرف الحديد و لا يغشاها الصدأ، وأن المرء قادر علي بلوغ طموحاته بما تيسر له من معاول ومواد، وما تهيأ له من ظروف،.. كما لاحظنا أن عماراتها كلها مطلية من الخارج والداخل باللون الأبيض، كأنما أهلها متفقون عليه.. هذا فضلاً عن أن تصاميمها الهندسية راعت مرور التيارات الهوائية إلي أقصي الداخل.. ويقيني بأن تلك الآثار وأهميتها الحضارية الإنسانية والتراثية دفعت بالمركز الإقليمي العربي للتراث العالمي " البحرين" لترشيحها لتسجل كمحمية ضمن التراث العالمي بالتنسيق والتعاون مع السودان.
كانت حقبة القرنين الثامن والتاسع عشر من أهم الحقب ليس في تاريخ سواكن فحسب بل في تاريخ السودان كله، فالمدينة التي قدِم إليها الناس من بقاع شتي بأفكارهم ومعتقداتهم وثقافاتهم وحضاراتهم وتراثهم، وتمازجوا في جوفها في لوحات أنيقة بديعة، رفدت الداخل بما رُفِدت به فعرف الناس من بعدها في السودان البناء المتعدد الطوابق واستخدام المشربيات والأقواس والفسيفساء في المباني، وعرفوا نظام العمل البورصي، والعمل الدبلوماسي حيث أنشأت فيها بريطانيا عند احتلالها لمصر 1882 قنصلية للإشراف علي البحر الأحمر، والعمل الارصادي فهي أول مدينة سودانية تقام عليها محطة للرصد الجوي عام1890 ، وكذلك النظام المصرفي فكان البنك الأهلي المصري هو من أوائل المصارف في السودان.
وغير ذلك فقد عرفت سواكن مختلف أشكال الثياب والعطور الشرقية والبخور ) الساري الهندي للنساء.. والعراقي والسروال الطويل والصديري) وكله شكَّل حياة الناس فيها وأذواقهم، ثم دفعت بها إلي أسواق السودان..
وفي العقد الأخير أي بحلول عام 2006 بدأ تاريخ جديد لمدينة سواكن القديمة إذ تفجرت حركة تنموية مفاجئة هائلة (يؤرخ لها) تعد الابرز في تاريخها الممتد لأكثر من ثلاثة آلاف سنة أدت إلي نزوح الكثيرين إليها من مدن السودان المختلفة، وأن تكون سوداناً مصغراً، بجانب كونها محطة السفر الأولي والأخيرة للمسافر عبر مينائها إلي داخل السودان أوخارجه.

وبعد مشاهدتنا للميناء تجولنا بين أحياء المدينة الجديدة برفقة - أحمد همد- كنا نشاهد صوراً لم نكن نتوقع أن نشاهدها، وكلها تؤكد أن سواكن ماضية بخطوات حثيثة نحو التطور، خاصة وقد لاحظنا التخطيط الحديث للمدينة، وأن أبنيتها العالية لمرافق جديدة قامت بمواصفات حديثة..

حدثنا - همد- قائلاً:- (لقد تمددت المدينة في دائرة بقطر عشرة كيلومترات، فبجانب أحياءها المعروفة منذ القِدم فقد تم تخطيط المدينة، وقامت أحياء جديدة مثل حي الصفا، المهندسين، الفاروق، القيف الجديدة، دقنة، همشكوريب، وهناك مخطط لحي الدوحة، كما تم التخطيط لمواقع تجارية عدة).

وبعد طوافنا بين أحياء سواكن الممتدة علي الطريق الفرعي حيث المنشآت المختلفة وقفنا جوار القرية السياحية التي تبعد عن بوابة سواكن بحوالي خمسة كيلو مترات والتي شيدها إبن سواكن المعروف محمد نور هداب وهي تحوي متحف يضم آثار المدينة.. وبجوار القرية تقوم شركة المركز الكويتي للأعمال المتقدمة، بمنحة من الصندوق الكويتي لاعمار شرق السودان بتشييد مدرسة صناعية بمساحة (60) ألف متر بتكلفة (3.4) مليون دولار.. تضم في تكوينها مجمعاً للورش ومعامل لعلوم الفيزياء، الكيمياء، الحاسوب، والرسم.. ومنازل وداخليات، وصالات للمؤتمرات والطعام، ومسجد ومخازن.. بالإضافة إلي ساحات وميادين رياضية..

وبعد انتهاء جولتنا في أرجاء المدينة بنفس بارد وخطي وئيدة.. عدنا إلي السوق بعد أن أدينا صلاة المغرب في أحد المساجد الجديدة.. و لم نكن تناولنا وجبة الغداء لا أعرف هل لأننا كنا مشغولين وأكثر شراهة لمعرفة التاريخ، أم لأننا متخمين بما عرفناه،.. في أحد المحال طلب زميلي المصور ابراهيم صحناً من المخبازة وهي اكلة شعبية محببة لاهل الشرق يقال أن أصلها من اليمن وهي تتكون من فطير وموز وطحينة مضافا لهم عسل أوسمن أو زبيب وعادة ما يتناولونها في المساء وتقوم مقام الوجبة الاخيرة.. أما أنا فاكتفيت بما عرفت، وفنجان من الجبنة، وبعد أن أضاءت المدينة مصابيحها غادرناها إلي ضرّتها بورتسودان، وفي النفس بقايا تاريخ لمدينة سادت ثم بادت ثم عادت مرة أخري إلي الحياة.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1740

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عصام الجزولى
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة