المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
هذا الفقر من حصاد الخصخصة
هذا الفقر من حصاد الخصخصة
03-02-2011 02:03 AM

رشيد خالد إدريس موسي المرسل
هذا الفقر من حصاد الخصخصة
رشيد خالد إدريس موسي


قال الشاعر الأعشي :
كناطح صخرة يوماً ليوهنها × فلم يهنها و أوهي قرنه الوعل
إن عملية الخصخصة التي تمت و تتم حالياً , تشبه حالة الوعل , الذي نطح الصخرة بقرنه, فكسره و لم يصيب الصخرة شئي.
لقد عملت الدول النامية, و منها بلادنا علي تطبيق برنامج التعديل الهيكلي Structural adjustment programme, إستجابة لتوجيهات صندوق النقد الدولي , في بداية الثمانينات الماضية, و توج هذا البرنامج بتطبيق سياسة الخصخصة لمرافق القطاع العام, في عملية أشبه بالتدمير لدولة الرعاية الإجتماعية, و لما تم بناؤه من مؤسسات تطلع بأعباء التنمية الإقتصادية و الإجتماعية. لقد جاءت نتيجة تطبيق هذه السياسة علي العكس مما كان متوقعاً , إذ بدلاً من أن تعالج السياسة المشكلة الأساسية التي تعانيها الدول النامية, و هي الفقر, عملت علي زيادة حدة هذا الفقر, و خلخلت النسيج الإجتماعي للدولة, إذ زادت المشكلات الإجتماعية و الأخلاقية. هذه المرأة الطاعنة في السن, و التي أخرجتها الحاجة من بيتها , إلي السوق العربي, حيث تمد يدها للناس و الألم يعتصر قلبها. و هذه الفتاة الجامعية , التي تمد يدها و تقول لك ( أدينا حق الفطور يا أستاذ) و غيره من مظاهر السلوك التي لم تكن مألوفة في مجتمعنا إلي وقت قريب. ماذا دهانا حتي تسأل الحرائر الآخرين؟ نعم لم تكن هذه الظواهر موجودة في مجتمعنا, اللهم إلا فئة معينة تمتهن التسول , و يعرفها الناس بأساليبها تلك.
لقد بنيت سياسة الخصخصة علي إفتراض خاطئي, و هو أن ترفع الحكومة يدها عن دعم السلع و الخدمات, أي تحرر السوق تحريراً كاملاً, بحيث يتحمل المواطن هذا العبء الذي ينشأ عن تحرير السوق و رفع الدعم, و بحيث توجه الموارد إلي بنود أخري. و لكن كيف لهذا المواطن, أن يتحمل هذا العبء, و راتبه يتقاصر عن تلبية حاجاته الأساسية؟
لقد قدمت الحكومة الحالية معالجة قاسية لمسألة تخصيص الموارد, إذ رفعت يدها بالكامل, عن دعم السلع و الخدمات, و أنجزت بعض مشروعات البنية الأساسية, مقابل هذا. و لكن ماذا كانت النتيجة؟ لقد ترتب علي إلغاء الدعم, مشكلات إجتماعية , تمثلت في :
1/ زيادة رقعة الفقر, و إرتفاع نسبته إلي أكثر من 90% من عدد سكان البلاد, و هذا مؤشر خطير, يدل علي خطل السياسة التي تنتهجها الحكومة.
2/ إنتشار أمراض سوء التغذية, و علي رأسها السل الرئوي, بسبب الفقر, و من ثم إزدياد تكلفة العلاج.
3/ بروز مشكلات إجتماعية و أخلاقية, لم تكن توجد من قبل, و الموجود منها كان ينحصر في نطاق ضيق, لا يثير تساؤلاً. لقد إنتشرت ظاهرة التبضع بالأعراض, و الجنوح الإجتماعي, و المخدرات و غيره من مظاهر القبح.
4/ إنتشار الفساد في جهاز الدولة, بحيث أصبح مشكلة إجتماعية. و سبب نشوء هذا الفساد, هو تقاصر دخول الأفراد عن تلبية حاجاتهم المعيشية, و بالتالي صار البعض ( يقلع) مما في يد الحكومة, أي يدعم نفسه بطريق غير مباشر, قائلاً ( الحكومة بت الكلب). هذا إتجاه خطير, إذا إستفحل , فسيعمل علي هز كيان الدولة, و خاصة إذا علمنا أن دولتنا ذات بنيان هش. و هذا يعني, أن المواطن سيأخذ السلطة بيده, و سيضطر غداً إلي حماية نفسه, و سيلجأ إلي حضن القبيلة لتحميه. و للأسف , فقد بدأ ينشأ شئي من مظاهر هذا السلوك, و هذا ما يلاحظه المرء بين الحين و الآخر. لن يجدي مع هذا الفساد, تكوين جهاز بيروقراطي, في شكل مفوضية أو غيره, ما لم يتم علاج المشكلة من جذورها , و يتم الضرب علي العابثين بالمال العام, بيد من حديد, لن تؤتي المعالجات البيروقراطية أكلها, بل ستزداد تكلفة الجهاز البيروقراطي, و يضيف أعباء أخري إلي الخزينة العامة. إن أردنا معالجة , داء الفساد هذا, فيلزم أن نكون جادين في حديثنا. و هذا يعني :
1/ إعادة النظر في الجهاز الإداري المتضخم و المترهل بغير حاجة, و ذلك بدءاً بالوظائف الصغري, و إنتهاءً بالوظائف السيادية. هذا يعني تقليص هذه الوظائف و إمتيازاتها علي مستوي المركز و الولايات. قد يقول قائل : و ما علاقة الجهاز الإداري بمكافحة الفساد ؟ أقول أن كبر حجم الجهاز الإداري في حد ذاته, هو فساد و أي فساد, ذلك ان المال الذي يصرف مقابل وظائف لا تنتج شيئاً , يعود بالضرر علي الصالح العام.
2/ إعادة تقييم الجهاز الإداري للدولة, لمعرفة ما إذا كان يعمل بكفاءة و فعالية, أم هو مجرد جهاز مترهل لا ينتج عنه عائد ملموس.
3/ إعادة النظر في سياسة الخصخصة, لمعرفة مآلاتها, و هل تم التصرف في مرافق القطاع العام , من أجل رفع كفاءتها, أم كان الهدف , هو الحصول علي عائد نقدي من وراء بيعها.
4/ ضرورة إحترام مؤسسات الدولة, و العمل في ضوء التقارير التي ترفعها إلي الجهات العليا. إن عملية إتخاذ القرار, هي محصلة لهذه التقارير التي ترفع عن الشأن العام. يقف علي رأس هذه المؤسسات, ديوان المراجع العام , و مهمته تتمثل في رقابة المال العام. لكن ما بدأ يرشح من أخبار, لا تبشر بخير. و من ذلك أن بعض الجهات الحكومية , حالت بين المراجع العام و حساباتها. هذا يعني أن ثمة خلل ما قد حدث و يستوجب المعالجة. لا أدري كيف تكون الدولة جسم موازي لجهة سيادية أخري, ممثلة في مفوضية الفساد , و المراجع العام يرفع التقرير تلو التقرير للبرلمان و لا يعمل به ؟ إن الأمر يدعو للتعجب, حين تغض الحكومة طرفها عن حالات الفساد و إهدار المال العام الذي يثبته المراجع العام في تقريره, و في نفس الوقت تصرح بإنشاء مفوضية لمحاربة الفساد!!
5/ ضرورة العمل علي مراجعة السياسة المالية و النقدية, لتواكب المتغيرات التي تحدث من حين لآخر, و ذلك بدلاً من هذا الإسلوب الذي يشبه إسلوب الإدارة بالأزمة. و إسلوب الإدارة بالأزمة, يعني أن ينتظر القائمون علي الأمر, حتي تقع الأزمة, ثم يعملون علي وضع المعالجات التي قد تصيب و قد تخطئي , أي حكاية ( رزق اليوم باليوم From hand to mouth كما يقولون في مجال الإدارة ). و غالباً ما تخطئي, كما هو معاش, بسبب عدم وجود برنامج لإدارة الأزمات. لقد أصبح إسلوب إدارة الأزمات Crises management يقف علي رأس علوم الإدارة في العصر الحالي, نسبة إلي أن مجتمعات اليوم , هي مجتمعات مخاطر Risk societies. لا يكفي أن ننتظر حتي يأتينا فيضان النيل في ( شهر سبعة) و يغرق البلد و يتلف المحصول, فنقوم لصد ( البحر) . و لا يكفي أن ننتظر حتي تقع المجاعة, ثم نتحايل عليها و نسميها فجوة غذائية, نتجت عن السبب الفلاني. و لا يكفي لأن نتعلل لإرتفاع سعر الدولار بالسبب العلاني, بل لابد من معرفة السبب الحقيقي , حتي لا تتفاقم مشكلة العجز في النقد الأجنبي. و من المخاطر التي تعيشها مجتمعات اليوم, أن سعر صرف العملات النقدية يتغير بين يوم و ليلة , و أن سعر برميل النفط يتسم بالحساسية , أمام الأحداث السياسية و الطبيعية التي تقع هنا و هناك. هذه الذبذبات تؤثر في أسعار السلع و الخدمات في السوق العالمي, و تجعل من الأزمات التي تقع هاجساً, يتعين توقعه ووضع المعالجات اللازمة له. هذا يعني أن هناك فرق كبير بين إدارة الأزمة و الإدارة بالأزمة.
إن علاج مشكلة الفساد, لا تعني الإهتمام بسرقة المال العام و حسب, بل هي منظومة متكاملة من المعالجات, يقف علي رأسها , تحقيق العدالة الإجتماعية و توفير الحد الأدني للمواطن ليعيش حياة كريمة ( حد الكفاية), ثم توجيه موارد الدولة و إدارتها بالكفاءة اللازمة. و مراجعة السياسة العامة للدولة , و ضرورة إضفاء البعد الإستيراتيجي عليها.

الرياض / السعودية


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1121

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




رشيد خالد موسي
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة