المقالات
السياسة
نظام المقايضة
نظام المقايضة
02-11-2015 08:40 AM


بقلم: الدكتور نائِل اليعقوبابي
*(ويل لأمة سائسها ثعلب،
وفيلسوفها مشعوذ، وفنها فن
الترقيع والتقليد!..).
- جبران خليل جبران-
.. مِنْ النكات التي تروى عن المرحوم بريجينيف زعيم الاتحاد السوفييتي السابق، وقد كان مولعاً بالسيارات والولاعات الغالية الثمن والمزارع والقصور الفخمة والنياشين الرفيعة التي يمنحها لنفسه في كل مناسبة ومن دون مناسبة في بعض الأحيان، أن أمه، أي أم بريجينيف، زارته مرة في الكرملين، وكانت عجوزاً تعيش خارج الزمن والأحداث، وتحتفظ في رأسها بأوهام قديمة عن الشيوعيين وما يحملون من أفكار عن الاشتراكية والعدالة. فأخذ الولد البار يستعرض أمام والدته الترف الذي يعيشه. فما كان من الأم الطيبة إلا أن صرخت برعب: ووب عليّ سجم أمك، ترى ماذا سيفعل بك الشيوعيون إذا جاؤوا للحكم؟
طبعاً لم تتحقق مخاوف الأم الطيبة. ولم يأتِ الشيوعيون الذين كانت تتوهمهم إلى السلطة. بل سقط النظام الشيوعي الذي كان الأمل لكل فقراء ومحبي العدالة في العالم.
ومن أجل الحلال والحرام، لم يكن بريجينيف وحده المسؤول. فكل أو معظم الرفاق الزعماء ساهموا قبله بتوصيل الاتحاد السوفييتي إلى القدر المحتوم. وما كان على آخرهم الرفيق غورباتشوف عند وصوله إلى السلطة، سوى إطلاق رصاصة الرحمة. ولم يبخل برصاصة الخلاص ووضع شاهدة رصينة تشبه وقار الأيديولوجيين أثناء التنظير: هنا يرقد الاتحاد السوفييتي، عن عمر ناهز السبعين سنة قضاها بحمل النوايا الطيبة وتصدير أجمل الأحلام إلى كل فقراء العالم.
سقوط المنظومة الاشتراكية سقط الحلم الكبير بعالم يتساوى فيه البشر بلقمة العيش وباقي الضرورات من احتياجات الإنسان. وبالمقابل فقد تفرّد النظام الرأسمالي بالعالم. والولايات المتحدة صاحبة تمثال الحرية المطل على ميناء نيويورك، أصبحت القوة الوحيدة بين الأمم، والوصية بلا منازع على الشعوب. أما صندوق النقد الدولي فقد غدا المتحكم العنيد برقاب البلاد وما يسكن فيها من عباد، سامحك الله يا بريجينيف!
يقال إن عشرين بالمئة من سكان العالم يملكون أكثر من نصف ثروة الكرة الأرضية. وأن الثمانين بالمئة الآخرين يتوزعون أقل من النصف المتبقي، وطبعاً ليس بالتساوي، بل إن شريحة الثمانين بالمئة تلك تتدرج من الطبقة الوسطى إلى الفقر وإلى ما دون خط الفقر، فالحرمان فالجوع. ولعل مجموعة العشرين بالمئة البالغة الثراء تسعى لتقليص عددها، وربما ليصبح ما لا يزيد على خمسة بالمئة تملك أكثر من نصف الثروة العالمية، ولتتضخم إلى خمسة وتسعين بالمئة نسبة المساكين من البشر الذين لن يكونوا سوى مجرد أرقام على سطح الكرة الأرضية التعيسة. ولعل الهزات الاقتصادية هي المؤشر على ذلك. وكثيراً سيفرح النظام الرأسمالي والتروستات التي تتحكم بالأموال. سيفرح هؤلاء بفقراء الأرض الذين لهم ملكوت السموات، وما زال الأنقياء والحالمون والمنظرون يأملون بأيديولوجية تحقق العدالة وتبعد الظلم عن الإنسان.
كيف لهذا الحلم الجميل أن يتحقق إذا كانت العقول المفكرة تجهد للحفاظ على ثروات الأثرياء، وقد أصبح بإمكان الواحد منهم أن يحمل عشرات المليارات من الدولارات في بطاقة صغيرة ذات أرقام سرية وحده يحفظ رموزها ويستطيع حمل هذه البطاقة، أو هذه المليارات في أصغر جيوبه. وحتى إذا ضاعت أو سرقت منه هذه البطاقة فما عليه سوى إخبار البنك لإلغاء مفعولها واستبدال أخرى بها تحفظ له تلك المليارات. كذلك لم يعد هذا الميسور بحاجة إلى شوالات الخيش أو البلاستيك لنقل أمواله من بنك إلى بنك، فالحاسوب الذي أصبح في الهاتف المحمول يتكفل له بذلك في أية لحظة بعيداً عن أعين اللصوص والفضوليين والحاسدين.
ويحكى أن أم الإسكندر المقدوني دعت ربها أن يصبح ابنها ذا ثروة وسلطان يستخدم بهما الأذكياء من البشر، لا أن يكون ذكياً يستخدمه أهل الثروة والسلطان.
ترى إذا عدنا بأذهاننا إلى أقدم نظام اقتصادي اكتشفه الإنسان وهو نظام المقايضة، أي قبل التعامل بالذهب والفضة والأوراق المالية، عندما كان أسلوب الشراء والبيع هو تبادل السلع. ألا يمكن أن يقال إن نظام المقايضة ذاك أكثر عدالة من الأنظمة الاقتصادية الحركية؟ فعلى الأقل هو لا يسمح بتنامي الثروات الباهظة، لأن السلع وهي التي تشكل الثروة تأخذ حجماً، وتحتاج إلى أمكنة وحراس يتقاضون أجورهم، على عكس المال المودع في المصارف والبنوك الذي يتضخم بالفوائد. كما أن نظام المقايضة لا يمكن أن يصنع تلك الفوارق الهائلة بين البشر كما هو الحال عليه في وجود المال.
بعد انهيار الأيديولوجيات الكبيرة في العالم، وإحباط الحالمين بيوتوبيا جميلة، وبانتظار معجزة بشرية تحقق العدالة، قد يكون نظام المقايضة القديم وما يحوي من تخلف، هو أكثر عدالة من النظام الاقتصادي السائد. ولعل التضحية بالتقدم والحضارة والمدنية ليس أكثر خسارة من التضحية بإنسانية الإنسان.
*تم خرق وتهكير الإيميل الخاص بكاتب المقال،
لذا اقتضى التنويه.


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1034

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1206328 [الفكي]
5.00/5 (1 صوت)

02-11-2015 05:29 PM
احييك يا دكتور على هذا المقال الجيد ... ولكن العنوان حاول ان تجعله اكثر جزبا للقراء ...

[الفكي]

#1205870 [شيوعي قديم]
3.63/5 (4 صوت)

02-11-2015 08:56 AM
عيب هذا التهجم على جماعة دفعوا من كل شيئ هل تريد أن تبيض صفحتك على حساب من كانوا رفاقك يا رفيقنا القديم نايل يعقوبابي ولا نسيت سنوات الجامعة يا أحمر.

[شيوعي قديم]

#1205863 [al-tooma]
5.00/5 (1 صوت)

02-11-2015 08:52 AM
نحن نحبك لكن لماذا تسخر من رفاقنا ألم تكن منهم

[al-tooma]

الدكتور نائِل اليعقوبابي
 الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة