المقالات
السياسة
الرق المنزلي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في شمال السودان
الرق المنزلي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في شمال السودان
02-13-2015 09:22 AM



Domestic slavery in the nineteenth – and early twentieth -century northern Sudan
هيزر شاركي Heather Sharkey

مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء في الفصل الثالث عشر والأخير (الخلاصة) لأطروحة قدمتها الباحثة الأمريكية هيزر شاركي لجامعة درام البريطانية لنيل درجة الماجستير في عام 1992م ، وذلك بعنوان: "الرق المنزلي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في شمال السودان ". والأطروحة مبذولة لمن يرغب على موقع تلك الجامعة تحت عنوان "Durham E-Theses".
وتعمل الدكتورة هيزر شاركي الآن أستاذة مشاركة في قسم التاريخ بجامعة بنسلفانيا حيث تقوم بتدريس تاريخ ولغات وحضارات الشرق الأوسط والأدنى. وللكاتبة عدة كتب ومقالات عن السودان ومصر منها كتاب "العيش مع الاستعمار: الوطنية والثقافة في السودان الإنجليزي المصري"، وكتاب "الإنجيليون الأمريكيون في مصر" و"الهوية والمجتمع في الشرق الأوسط المعاصر" و"تاريخ الصحافة العربية في السودان". وكنت قد عرضت لعدد من كتابات الدكتورة شاركي في مقالات سابقة.
المترجم
******* ************** ***********

لقد حظي أمر الرق وتجارة الرقيق ومحاولات منعه في شمال السودان بكثير من الدراسات السابقة. غير أن تجربة الرق نفسها لم تحظ بأي قدر من الاهتمام البحثي. وربما كان مرد ذلك هو طبيعة المصادر المتاحة. وقد استقيت معظم مصادري في هذا البحث مِمَّا خطته أقلام الإداريين في عهد الحكم الثنائي، ومن رسائل خاصة، إضافة لما سجله الرحالة في مذكراتهم، والتي بنى عليها المؤرخون سردهم عن تجارة الرقيق، وحملات اصطياد الرقيق، ومنع التجارة فيه. وهنالك أيضا القليل من المصادر الأولية، وهي قصص رواها ملاك المسترقين، أو (وهذا هو الأهم) رواها المسترقون أنفسهم.
ولعل تلك "الفجوة المعلوماتية" الضخمة في معرفة آراء وأفكار وملاحظات المسترقين أنفسهم عن "تجربة الرق" هو ما جعل المؤرخين (العقلاء) يحجمون عن الكتابة في شأن تلك التجربة. إلا أنه يجب القول بأن تجربة آلاف الرجال والنساء والأطفال الذين سيقوا سوقا من مناطقهم إلى أسواق شمال السودان تمثل القاعدة والأساس في شأن كل دراسة صدرت عن تجارة الرقيق أو تثبيطيها.
والدراسة الحالية هي محاولة غير مباشرة لاقتحام سور فهم تجربة الرق، أردت فيها تجميع ملاحظات من شهدوا وخبروا مشهد الرق من علماء الآثار والسواح والمستشارين العسكريين أو المسئولين الإقليميين، ودعمت تلك المعلومات التي تحصلت عليها بفرضيات (hypotheses) منتقاة بعناية. وختمت بحثي بتقديم تصور محتمل لنوعية تفكير المسترق وشعوره، وكيف أدى وظيفته في بيئته.
ويدرك كل من حاول أو يحاول الكتابة عن السودان مدى غنى المصادر التاريخية الثانوية فيه، والتي تشمل (ولا تقتصر على) المسوحات العامة والدراسات الإقليمية المحددة. ولقد انتفعت في هذه الدراسة بكثير من المصادر والأدبيات التي تبعث على التفكير، وتلقي بكثير من الضوء على تاريخ السودان بكل تعقيداته وتنوعه. وعلى رأس تلك الكتابات وقعت على كتابات من نوع مختلف، وجدتها ذات فائدة عظيمة، ألا وهي النظريات المقارنة لدراسات الرق، والتي تمثل حقلا واعدا ومزدهرا لعلماء الأنثروبولوجيا والاجتماع والتاريخ. وهي نظريات تدرس الصفات والخواص التي تعرف "الرقيق"، وتقارن تجاربهم في مختلف بقاع العالم، وفي مختلف العصور. ومثل تلك الدراسات لها ثلاث فوائد، فهي تضخ بعدا نظريا مهما في ثنايا المعلومات التاريخية الجافة الصماء، وتوفر إطارا مفاهميا (conceptual framework) لبناء فرضيات حيث تركت المصادر الأولية والثانوية بعض الفجوات، وفوق هذا وذاك تقوم أيضا بوضع الرق في السودان الشمالي في سياقة العالمي الأوسع.
إن الرق في السودان موضوع كبير ومتشعب وله تاريخ طويل جدا يعود لآلاف السنين. وفي هذه الدراسة تعرضنا لشريحة رقيقة واحدة فحسب من ذلك التاريخ الطويل. وتمتد فترة هذه الدراسة من الأيام الأخيرة لسلطنة الفونج في بداية القرن التاسع عشر، إلى بدايات عقود الحكم الثنائي في القرن العشرين، حين بدأ المسئولون البريطانيون في تفكيك وإزالة الرق في المنطقة. ويبقى تركيز هذه الدراسة على أولئك الرقيق والذين رحلوا قسرا لأسواق الرقيق بشمال السودان، وليس أولئك الرقيق الذين صدروا عبر شمال البلاد إلى الأسواق الخارجية. ولمزيد من التركيز قمت بحصر الدراسة في "الرق المنزلي"، وحاولت إيجاد تعريف يوضح هذا النوع من الرق، والذي لم تتطرق له إلا القليل جدا من المصادر. والمقصود بـ "الرق المنزلي" هم الأرقاء الذين يلحقون بخدمة عائلة المالك. وهو بهذا التوصيف يختلف عن الرقيق العسكري، والرقيق الإداري الصفوي administrative elite slavery (والوظيفة هي "عبودية القرن العشرين" في رأي عباس محمود العقاد، والقذافي أيضا! المترجم).
إن "تجربة الرق" في شال السودان تستعصي على التنميط stereotyping. ومهما يكن من أمرها فهي لم تكن بالقطع تجربة رومانسية، ولا حميدة تماما. فالصور النمطية للمحظية (أو السُّرِّيَّةُ) الشهوانية sultry، والمتكئة على الأرائك المحشوة بِالخَمْلِ في خدر الحريم ليست واردة هنا. وحتى الصورة النمطية لـ "خادمة" البيت السعيد، والمحبوبة من الجميع، والتي تقوم بالأعمال المنزلية الخفيفة من قبيل تنفيض الأتربة من على الأثاث، وتقدم المشروبات المثلجة للضيوف لا مكان لها هنا. فالحقيقة تبقى بالطبع أكثر تعقيدا.
وكان "ملاك" المسترقين بشمال السودان في القرن التاسع عشر يفرضون عليهم / عليهن القيام بالعديد من الأعمال والمهن المتنوعة. ويأتي ذلك التنوع في الأعمال والمهن تبعا للاختلافات الكبيرة في ثروة ومهن الملاك المتزايدي العدد، وموقعهم الجغرافي. فبينما قد تجد هنالك بعض الصبيان المسترقين في أزياء أنيقة يطوفون على ضيوف الباشا في داره الوسيعة الفخمة بالخرطوم، تجد كذلك صبية مسترقين آخرين يقودون ثيران الساقية في مزرعة بمروي تحت شواظ لهيب نهار قائظ. وقد تجد مسترقات أجبرن على البغاء في كسلا، وأخريات يطحن الذرة في الأبيض، أو يصلحن أسوار بيوت سادتهن في دار مساليت.
وكان ملاك المسترقات يتخذون من بعضهن محظيات (سريات)، وكانت "المحظوظة" منهن (في ملكة تقلي مثلا) والتي تحبل من سيدها تحظى بمكانة عالية. وكان الرقيق في خارج مدينة سواكن يعملون جنودا في الشرطة المحلية، بينما كان بعض الرقيق في منقرة (Munqara) يعملون في بناء المراكب، وعمل الآخرون في الزراعة والحصاد في مناطق البلاد المختلفة. وكان بعض أولئك الرقيق يكدون ويجهدون أنفسهم للحد الأقصى، بينا كان البعض لا يعمل إلا قليلا. غير أن نصيب النساء المسترقات من الشقاء والكدح والنَّصَب كان يفوق عادة ما يلقاه الرجال من المسترقين، إذ كن يقمن بأعمال يومية مضنية مثل جلب المياه من مناطق بعيدة لسنين عددا.
وكان ملاك الرقيق يقدرون ويثمنون امتلاك الرقيق، ليس بالضرورة من أجل انتاجيتهم / انتاجيتهن أو خدماتهم / خدماتهن، بل لما يكسبه امتلاك الرقيق للمرء من مكانة عالية في أوساط الناس، ومظهر اجتماعي يشير (بالحق أو الباطل) إلى القوة والسلطة والمكانة الرفيعة. ويبين أيضا امتلاك الرجل للرقيق للناس أن "المالك" لا يقوم بأي عمل يدوي من أجل كسب عيشه، ولا يجهد نفسه في "الوضيع" من الأعمال اليومية المعتادة، فهو "سيد" يقوم على خدمته عبيد وإماء، ويقضي جل وقته في الممتع من النشاط الاجتماعي في وسط أهله وأصحابه. وينطبق ذات الشيء على "السيدات" اللواتي لا يقربن أي عمل يدوي في المنزل، بل يقضين جل وقتهن في عمليات التزيين وتصفيف الشعر والاستلقاء على العناقريب. وكانت تلك الممارسات عند "السادة" و"السيدات" في شمال السودان تعد من الأعمال التي تستحوذ على إعجاب (وغبطة) الآخرين، وقد تعد من "نبيل" الأعمال. ولعل تلك القيم الثقافية هي ما شجعت ما يمكن تسميته بـ "أخلاقيات الكسل/ التبطل" leisure/ idleness ethics وليس "أخلاقيات العمل" عندهم. وكان الرجال من غير المسترقين ("الأحرار") والرقيق المحررين أيضا يتوقون لاكتساب مثل تلك الأخلاقيات الكسولة. ولم تكن تلك الأخلاقيات ذات فائدة بالطبع للدولة بعد ما شهدته البلاد بعد عام 1898م من نقص حاد في الأيدي العاملة.
وتطرقت هذه الدراسة أيضا لمدى القساوة أو الرفق في الرق المنزلي بشمال السودان. فبينما كان كثير من المنادين بمنع تجارة الرقيق في أوروبا لا ينفكون عن ترديد مساوئ الرق وشروره، كان بعض هؤلاء المنادين أنفسهم – وللغرابة- يشيدون بالرق المنزلي في الشرق (أي العالم الإسلامي) باعتباره أمرا حميدا لا عنف فيه ولا أَذِيَّة. وحاولت في هذه الدراسة وبقدر الامكان تحاشي تلك المصادر المتحيزة والمتضاربة والمثيرة للجدل. وهنالك أيضا من جانب المسلمين من يحاج بأن القوانين الاسلامية قد أفلحت بالفعل في تنظيم الرق في شمال السودان. غير أنه عند التحقق والاستقصاء، نجد أن "وجود" قوانين إسلامية لا يعني بالضرورة "تطبيق" قوانين إسلامية. فالايدلوجية هنا تختلف عن الممارسة. فهنالك في القرآن آية تحرم بغاء المسترقات، لا تكاد تجد لها تطبيقا في ممارسات الرق السوداني الشمالي. وليس في القرآن ما يدل على وجوب معاملة الرقيق باللين والرفق (يجب هنا القول بأن في القرآن والسنة من النصوص الكثيرة ما يدعوا لتحرير الرقيق وعتقهم، ومعاملتهم بالعدل والإحسان والرحمة. المترجم).
ولقد لقي كثير من المسترقين (المحظوظين) بالفعل معاملة عادلة وحانية وعطوفة من جانب ملاكهم. بل كان بعضهم يلقى من مالكه معاملة لا تكاد تختلف عن معاملة أي فرد من الأسرة. غير أن هنالك أيضا من كان يلقى معاملة حادة وقاسية من قبل مالكه. وشهد الكثيرون بأن أكثر ملاك الرقيق قسوة عليهم كانوا من الأوربيين. ويمكن القول هنا بأن معاملة المسترق كانت أمرا اعتباطيا يخضع للحظ والنصيب (arbitrary)، إذ أن مصير ومعاملة المسترق كانت تعتمد بالكامل على أخلاق ونزوات ورغبات مالكه.
ولا يجب أن ننسى عند الحديث عن الاسترقاق، أنه مهما كانت درجة الرفق واللين فيه، أن نضعه في سياقه ومنظوره الصحيحين، وأن نتذكر دوما خلفيته البائسة الكئيبة والتي تشمل حملات اصطياد الرقيق، والغارات العسكرية التي كانت تشن فيها، مع كل ما يصاحبها من ترويع وعنف وتدمير. وليس بوسع أحد أن يبالغ في وصف فظائع تلك الحملات، ففيها من النهب والسلب والحرق والتدمير وحالات الاغتصاب ما فيها. ويتعرض من يؤسر ويسترق إلى التجويع والتعطيش والإرهاق المفرط، وأحيانا إلى الإصابة بالأمراض (نتيجة لتعرض الجلد لجروح تنتج عن الاحتكاك المباشر بالأصفاد والقيود والأنيار التي تطوق الأعناق) خلال المسيرة الطويلة للمختطفين من الأسرى. وتمثل أعداد الرجال والنساء والأطفال الذين وصلوا بالفعل لأسواق الرقيق في شمال السودان نسبة ضئيلة مقارنة مع من قضوا خلال تلك المسيرات. وبهذا فقد جلب الرق (لبعض) سكان شمال السودان الرفاه والراحة والدعة، غير أن ذلك تزامن مع شلل ودمار كامل لمجتمعات بأكملها في بعض المجموعات العرقية في جنوب السودان، وبمناطق تقع الآن في إثيوبيا وزائير وتشاد وأفريقيا الوسطى، وفي بعض مناطق الغرب أيضا.
ويعجب المرء من كيفية نجاة الأسير المسترق من دائرة العنف وسفك الدماء تلك، والتي تقتلعه من داره وتأسره بضاعة، وترحله قسرا – تحت ظروف بالغة القسوة والعنف - إلى ديار بعيدة غريبة عنه. ولكن، وكما هو معلوم، فإن بعض هؤلاء الأسرى المسترقين قد نجوا من الموت ووصلوا بالفعل للأسواق. وقمت في هذه الدراسة بتقديم بعض الفرضيات والتخمينات (speculations) عن الطرق التي بها نجح المسترقون في التعامل مع واقعهم الجديد والتأقلم عليه. وتعددت استجابات المسترقين للرق، واختلفت كذلك الوسائل التي بها أعطوا لحياتهم معنى. فأتخذ بعضهم سلاح الوقاحة (عوضا عن الإذعان) في تحد صارخ للمجتمع الذي تحداهم في المبتدأ. واعتنق بعضهم الاسلام (ديانة ملاكهم)، وحسن تدينهم، بل وفاقوا ملاكهم أحيانا في شدة التدين. واحتفظ بعضهم بذكرياته عن حياته القديمة في موطنه الأصلي، وبأغانيه وطقوس دياناته القديمة وهكذا. ومما قد يراه البعض صادما الآن هو قيام المسترقين أنفسهم بتكرار ما وقع عليهم، واسترقاقهم لغيرهم كذلك.
وكما تأقلم المسترقون على مجتمعهم الجديد، تأقلم كذلك المجتمع الجديد عليهم. فوفر مجتمع شمال السودان لهؤلاء المسترقين وسائل عديدة للترقي في السلم الاجتماعي (social mobility) وذلك عن طريق العتق، والاندماج في المجتمع الجديد والعيش فيه أحرارا. غير أن ذلك السبيل لم يكن دوما ممهدا أوسالكا. فهنالك دوما الدعوات المضادة لاستيعاب المحررين الجدد، وهنالك المعدلات العالية للوفاة في أوساط الرقيق، والبيع المتكرر لبعضهم، والنظرة الدونية للمسترق، والتي تساويه بالسوائم. وكل ذلك من شأنه أن يحبط كل محاولة تهدف لخلق علاقات أسرية بين الرقيق وملاكهم.
وكانت فرص النساء المسترقات في العتق من أسر العبودية والاندماج في أوساط المجتمع الحر أكبر من تلك المتوفرة للرجال. فللنساء عادة قدرة أكبر على الاندماج، رغم ضعفهن في مجال الحركة، إذ أن حركتهن (كنساء محررات أو مسترقات) مقيدة دوما بوجود ولي أمر (محرم) قد يكون هو الزوج أو المالك. لذا فإن عتق المرأة المسترقة نادرا ما يغير من أسلوب حياتها إلا بقدر طفيف جدا. ولا تكاد تلمس له أثرا فيما قد يناله أطفالها من تركة بعد وفاتها. وهنالك قاعدة في الإسلام تفيد بأن الرق مانع للإرث، لأن الرقيق ليس له الحق في التملك، فهو يعد من ممتلكات مالكه، ولا يرث ولا يورث. وهنالك قاعدة أخرى تتحدث عن "أم الولد"، وهي المحظية التي تحبل من مالكها فتصير بذلك حرة، ويكون لها بذلك الحق في الورثة. وما تنجبه المحظية من سيدها ("الحر") يولد حرا. غير أن أمثال هؤلاء الأبناء، وعلى الرغم أنهم يعدون أحرارا من الناحية الشرعية والقانونية، إلا أنهم قد يصادفون من بعض أفراد المجتمع بقايا وصمة الرق. ومن حسن الحظ أن تلك الوصمة ظلت تتناقص مع تعاقب الأجيال.
ويواجه الرقيق الذكور مصاعبا من نوع مختلف. فالرجل منهم يتزوج، غالبا بأمر من "السيد"، بعد وقت قليل من شرائه، ويكون أطفاله بالضرورة الجيل الثاني من ممتلكات ذات "السيد".
ويرتبط هؤلاء الرقيق ومن يأتي من أصلابهم (حتى وإن تحرروا) بطريقة ما بسادتهم القدامى، وقد يرضون بالعمل تحتهم / عندهم (وإن كانوا غير ملزمين بذلك). ويظل أحفاد الرقيق يواجهون وصمة أنهم من حفدة الرقيق حتى بعد مرور سنوات طويلة على تحريرهم. غير أنه يصعب تحديد وقياس مدى وتأثير مثل تلك "الوصمة".
وكان إعطاء الرقيق من الرجال والنساء اسماء متميزة (وشاذة في كثير من الحالات) إحدى وسائل التفرقة بين الرقيق و"سادتهم". وكثيرا ما يشي اسم الفرد بوضعه الاجتماعي (إن كان "حرا" أو مسترقا). وظلت الوظائف العليا والمناصب السياسية والرتب العليا في كثير من المرافق الحكومية والأهلية، وفي سنوات القرن العشرين (وربما حتى بعدها)، ممنوعة على من أتى من أصول مسترقة. وكانت التفرقة في المعاملة تضطر شباب المسترقين للهجرة من القرى والمدن إلى المدن الكبيرة أملا في الحصول على مستقبل أفضل لا تعكر صفاه ظلال تلك "الوصمة الاجتماعية".
وعلى الرغم من كل الصعاب الوعرة والعقبات الكؤود في طريق القبول الاجتماعي والتكامل فقد أفلح أحفاد المسترقين من الرجال والنساء في الاندماج في مجتمعات شمال السودان، وتحول هؤلاء من وضع "الغرباء" الذي كان عليه جدودهم وجداتهم ممن كانوا قد أتي بهم قسرا من بلاد بعيدة، وغدوا أعضاءً كاملي الأهلية في مجتمع شمال السودان المسلم (قد يلاحظ القارئ شيئا من التناقض في ما أتت به الكاتبة في الفقرات الثلاث السابقة. المترجم).
ويقوم اليوم هؤلاء الأحفاد بالنظر إلى الأراضي التي قد يكون جدودهم قد جلبوا للشمال منها... أرض الشلك والدينكا والبرتا والبونقو... ولا يرون فيمن يسكنها غير "هم" وليس "نحن". (ربما كان من الأجدر أن تستخدم الكاتبة هنا كلمات من قبيل "جل" أو "معظم" أو "بعض" عند الحديث عن هؤلاء الأحفاد، عوضا عن تعميمها الكاسح، فهم ليسوا كتلة واحدة على قلب رجل واحد. المترجم)
وختاما... غطت هذه الدراسة "الرق المنزلي" في فترة زمنية امتدت من عهد السلطنة الزرقاء (الفونج) حتى سنوات الحكم الثنائي الباكرة. وهي تعد فترة من أخصب سنوات تاريخ السودان، وأشدها تعقيدا. ومر الرق في تلك السنوات، مثله مثل المؤسسات الاجتماعية الأخرى، بتغيرات هائلة. ففي تلك السنوات تحول الرق من بضاعة ثمينة ونادرة لا يقدر على شرائها إلا صفوة الأثرياء، إلى بضاعة رخيصة في متناول يد العامة. ثم أتى عهد حرمت التجارة فيها واختفى الرق من الحياة السودانية بحكم القانون، غير أن بعضا من عقابيل آثاره على الأجيال اللاحقة ما يزال يراوح مكانه.
لقد حاولت في هذا الفصل رسم صورة لتجربة الرق، بكل تنويعاتها وتفاصيلها متعددة الألوان، على خلفية تغيرات اجتماعية هائلة وسريعة.

[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2742

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1207776 [صبري الشريف]
5.00/5 (1 صوت)

02-14-2015 05:08 AM
شكرا دكتور بدر الدين اتابع ترجماتك دائما وفعلا عالم الادوية المترجم الماهر
وموضوع الرق موضوع عجيب
وبعد ان حرر الاجنبي الرق بعد ان قننه رفض سادة الطائفية تحرير الرق وتجد هذا في كتاب نقد عليه الرحمة
والي الان يظل الرق في مخيلة العقل المسلم وان تامر علي مجتمعنا اصحاب الفهم وفقا للنصوص لعاد الرق وملك اليمين وكافة افعال الشريعة التي لا تتماشي مع القرن الحالي
لك المحبه

[صبري الشريف]

#1207702 [جمال علي]
0.00/5 (0 صوت)

02-13-2015 09:35 PM
مجرد وجهة نظر:
بعد أن تم تحرير الرقيق في عام 1924م و بقرار من الحكومة الإستعمارية, تشتت بعض الرقيق الذين رفضوا البقاء مع أسيادهم و تشتتوا في الأنحاء و صاروا مصدراً للجريمة.أما الذين رضوا البقاء مع أسيادهم فكانوا أسعد حالاً, إذ أصبحوا من الأهل. قيل وقته المثل المشهور ( عباً بس سيدو و لا حراً مجهجه).

[جمال علي]

#1207598 [بيرم]
0.00/5 (0 صوت)

02-13-2015 06:11 PM
اتحفنا بالمزيد والمزيد استاذ بدرالدين. ولك الشكر..

[بيرم]

#1207563 [منصور]
5.00/5 (1 صوت)

02-13-2015 05:06 PM
للاسف الشديد يا اخ بدرالدين هناك حقائق تطمس وتغير وتزيف بالنسبة لتاريخ قبائل شمال السودان من المعروف ان النوبة او النوبيين في شمال السودان قد تعرضو ﻻبشع صور الاسترقاق في العصور الماضية وحتى الان للاسف الشديد مازال جزء ليس ببسيط يعانى من تلك الاستعباد ولم يستطيعو الفكاك منها رغم منعها من قبل الانجليز في القرن الماضى ،، ان اكثر ما آلمنى هو ما شاهدته في احدى القنوات الفضائية حيث اناس ذوو بشرة سوداء حفاة عراة ﻻ يستر عوراتهم اﻻ قطعة من قماش المتاهلك ولقد جئ بهم وعليهم سلاسل مربوطة في اعناقهم وارجلهم غبش وغبر هالكهم الجوع في ظروف ماساوية تحت حر وسموم الشمس الصحراوية ثم يامرون بحمل الطين في رؤسهم مناولة في مشهد عظيم وكانو عظام البنية كانهم جلبو من ادغال افريقية ويعملون قرابة اليوم باكمله وﻻ يسمح لهم بالجلوس اﻻ في حالة مرض الموت ومن يابى منهم ان يعمل كان يوضعوه في قفص اما ان يرجع الى العمل او يموت جوعا والله يا جماعة ذرفت الدموع عند مشاهدتى لذلك الفيلم وكانت تلك الارض حسب الخريطة المنشورة في الفيلم تقع من شمال الخرطوم الى منطقة اسوان المصرية واليوم نشاهد انسلاخ وتغيير وتزيبف في التاريخ ومحاولة تغيير الاحداث رغم انها وقعت وان كان اغلب شعوب افريقيا عانت من ويلات العبودية اﻻ القليل منهم وقد قاوموهو بكل قوتهم حتى نالو حريتهم بدعم من الامبراطورية البريطانية والمفروض تكون هذه الاحداث موثقة ومصدر فخر لكل افريقي اﻻ انهم جردو انفسهم وتنكرو للتاريخ وادعو انهم عربا هاجرو من الجزيرة العربية وهنا اصطدمو بواقع مرير بسواد بشرتهم ووجوههم وقلوبهم وخابت آمالهم للانتماء الى قريش وآل البيت ولم يستيئسو من المحاولة فذهبو الى الحلبيين للتزاوج بهم وتغيير نسلهم وتفاجئو ايضا بان العرق دساس فاذا ولد مولود ابيض البشرة ﻻمه يولد عشرة اولاد سود البشرة وهنا ايضا خابت آمالهم ولكن للآمانه هناك الكثير من اخواننا الدناقلة والمحس والحلفاويين يفتخرون باصولهم ويرفضون ويقاومون استعرابهم بالقوة القهرية وانا شخصيا اعرف الكثير منهم لهم منا التحايا الحارة ونبشرهم بان النصر حليف السودانيين وان مشروع الاستعراب هذا لن يكتب له النجاح بحول الله تعالى وﻻنه سبب الشتات الذي يعانى منه اغلب السودانيين بما فيهم الشوايقة والجعليين ايضا والمتابع للاوضاع السودانية لن يسره الحال ﻻن بعد العز فقر وجهل وبعد الشبع جوع وعوز وبعد الغنى شحططة وشحته في دول الخليج هنا نقول لهم كفاية ،،،،،،،

[منصور]

ردود على منصور
[د. احمد حسن] 02-14-2015 11:57 PM
كان ممكن تعكس وجهة نظرك بصورة احسن
اظهرت حقد على العرب لا حدود له
ليه ياخي وانت تكتب بالعربية

[على] 02-13-2015 10:55 PM
ياخى انت رجل حاقد ومريض نفسيا محل ما نمشى فى الراكوبه دى نلقاك طارش سمك دا انت الشايقيه والجعليه ديل عملوا ليك شنو انا منهم بالمناسبه لكن لا اؤيد ابدا الراى القائل اننا عرب لكن ياخى هب انهم قالوا هم عرب مالك عليهم ياخى هم شايفين نفسهم عرب والعرب بذلوهم ويقولوا ليهم انتو زنوج وهم راضين انت مالك بعدين جوع شنو ورماد شنو البتتكلم عنو ماهو البلد ما شبعت واتقدمت وبقى ليها صوت الا لمن كانوا الشايقيه والجعليه وكل الشماليين هم الممشنها وما خربت الا يوم غزيتو عودكم فى الحكومه ولا نسيتو خلاص التسعينات ماهو ناس دارفور المكنوا للكيزان ديل وناس دارفور والنيل الازرق وغيرم هم الحرقوا بلدهم بى يدهم وادوا الحكومه زريعه تحرقم زياده وافقروا كل باقى البلد بس عشان اتنين تلاته صعاليق يعيشوا فى اوروبا ويعملوا مناضلين ارجع لى ربك وعقلك يا ولدنا نحن يانا زيكم واحد مننا الكوز المتسلط المرطب بالحرام واغلبنا ياهو لسؤ حظنا لمانا معاكم سودان الجن دا نشهق ما نلحق زيكم فما تكرهونا حتى اننا نكون من الغلابه مستكترنها علينا وعايزين تفرزوا لينا عيشه برانا كمان اللهم طولك يا روح


بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة