المقالات
السياسة
وحشٌ سياسيٌ غريب في السودان!
وحشٌ سياسيٌ غريب في السودان!
02-13-2015 08:45 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

علي مدار العام روّج السفراء السودانيون في العواصم الغربية رسالة مفادها أن تكوين "اّلية الوثبة 7+7 " هو الخطوة الأولي لإنهاء الأزمة والثورة التي تجتاح البلاد، وادعي السفراء أن الرئيس عمرالبشير قد "استمع إلي صوت الشعب", وأنه يبحث عن "حل سلمي" للخروج من هذا المأزق الذي خلقه نظامه.
ولا يمكننا معرفة مدي صحة هذا من عدمه. وكذلك فإن هذا لا يهم, فمن الواضح أن النظام الحالي في السودان لا يُمكن إصلاحه بعد أن سدر فى غيه إلى أبعد مدى, فضلاً عن أنه يفتقر إلي أي اّلية للإصلاح. وحتي إذا توافرت لدي نظام ما أقوي إرادة في العالم, يبقي عاجزا عن تقديم شئ لا يملكه، ففاقد الشئ لا يُعطيه. منذ بدء الأزمة, تم إستخدام عدة مسميات لوصف نظام المؤتمر الوطني, من بينها "دولة الحزب الواحد" و "النظام العسكري" و "الحكم القبلي"، وعلي الرغم من ذلك لا تعكس أي من هذه المسميات الوصف الحقيقي لهذا النظام الذي لا مثيل له.
بالنسبة إلي الدستور, يُعد السودان دولة الحزب الواحد حيث يحتكر حزب المؤتمر الوطني السلطة منذ انقلابه حتي اليوم, رغماً عن أنه في الحقيقة هيكل فارغ. في التسعينات من القرن الماضي قام عمر البشير, بتحطيم عناصر الحركة الإسلامية الجوهرية التي تشبثت بدعوتها للديمقراطية داخل الحزب. و قبل سنتين جاء الدور علي الفرق السياسية في الحزب لمحوها, تاركاً الادعاءات الإسلامية للحزب. وعندما حان دور الإنتهازيين والمرتزقة والميليشيات لتتولي مقاليد السلطة, لم يكن هناك وجود لشئ يدعي حزب المؤتمر الوطني "جبهة الإنقاذ الوطني".
لدي دولة الحزب الواحد آليات للإصلاح, فمن الممكن أن تقوم اللجنة المركزية أو المكتب السياسي أو الجمعية العمومية بعمل انقلاب ضد القيادة التي لم تعد قادرة لسبب ما, علي الاستجابة للتحديات الجديدة. وهذا ما حدث للاتحاد السوفياتي بعد ستالين عندما أطاح خروشوف بالحرس القديم الذي يقوده مالينكوف. وحدث "تغيير من الداخل" مماثل لذلك في الصين عام 1970 عندما قام حزب دينغ تشياو بينغ بإطاحة حزب عصابة الأربعة من الحكم. في الدولة ذات الحزب الواحد التقليدية تأتي شرعية الدولة ونفوذها من هذا الحزب. ولكن الأمر علي النقيض من ذلك تماما في السودان, حيث تأتي الشرعية الواهية والسلطة الضعيفة التي يحظي بها "حزب المؤتمر الوطني" من الدولة. بل إنه من الممكن أن نعتبر حزب الجبهة القومية الإسلامية أحد ضحايا النظام السوداني.
كما أن مسمي "النظام العسكري" لا يليق بالسودان برغم من أن النظام جاء بانقلاب عسكري. ففي ظل النظام العسكري, تسيطر القوات المسلحة- أو علي الأقل جزء منها يتصرف تحت اسم مجمل القوات- علي الدولة. كانت أمريكا اللاتينية تعج بهذه النظم منذ الخمسيات وحتي الثمانيات من القرن الماضي. وعاشت كوريا الجنوبية نفس التجربة إبّان حكم بارك تشونغ هي. وبرزت نفس الاّلية في إندونيسيا إبٍّان حكم سوهارتو. وكان هذا هو شكل النظام الذي يحكم مصر إبّان حكم حسني مبارك, وتونس إبّان حكم زين العابدين بن علي مع وجود اختلافات طفيفة, فعندما يري الجيش أو قيادته علي الأقل أنه لا مفر من حدوث تغيير يتحرك لإحداثه أما عن طريق عمل إنقلاب وأما أن يرفض إخماد الثورة الشعبية. وفي ظل سلسلة من الانقلابات, خضع السودان لنظم عسكرية متشابهة. رغم أنه لا يمكن وصف النظام السوداني الحالي بأنه نظام "عسكري", لأنه من الواضح أنه تم إقصاء القوات المسلحة عن عملية اتخاذ القرار. وقد ظهر الشهر الماضي مؤشر خطير يوحي بأن المؤسسة العسكرية السودانية ربما ليست راضية عن تجميع مليشيات محلية و أجنبية في ما يسمي ب"قوات الدعم السريع" ودمجهم في جهاز الأمن والمخابرات الوطني وإعطاء امتيازات بل أفضل من قوات المسلحة المجاز من برلمان البشير, وتكون هذه القوي بديل للقوات المسلحة, عندما أوكل النظام السوداني مهمة العمليات إلي هذه القوات!!
ويتساءل بعض المراقبين عما إذا كان لا يزال هناك جيش في السودان. إن مهمة الجيش هي حماية أراضي البلاد وحراسة حدودها ضد أي اعتداء فعلي أو متوقع. ولم تكن هذه هي مهمة الجيش السوداني منذ بداية الحكم الإخواني الظلامي. كما أنه لم يتم تنظيمه وتسليحه لهذا الغرض. ومن المثير للاهتمام أن نعرف أن 90% من عمليات شراء الأسلحة السودانية اشتملت علي أسلحة ومعدات تستخدم في القمع الداخلي وليس للدفاع عن البلاد ضد إعتداء أجنبي. ولا تعد القوة العسكرية التي تستخدم للسيطرة الداخلية علي البلاد أو القمع الداخلي جيشاً, إنما تعتبر حرس الحاكم, أو دعوني أستخدم تعبير اليوم, إنها تعد ميليشيا سياسية. ربما يبدو هذا غريباً, ولكن ربما تكون القوات المسلحة السودانية أحد ضحايا الجبهة الإسلامية القومية.. فقد تقلدت الجبهة السلطة علي أنقاض الجيش السوداني!! ولكن ماذا عن المسمي الأخير "الحكم القبلي"؟!
من الصعب تبرير تقلد عمر البشير للسلطة. إن التاريخ العربي والأفريقي ملئ بالأمثلة التي تسيطر فيها قبيلة علي الدولة باستخدام القوة والخرافة والرشوة. إلا أنه ليس هناك قبيلة سودانية ممثلة داخل نظام البشير, ناهيك بالسيطرة عليه, إن الإسلاميين والإنتهازيين من الجلابة النيلية يشكلون قطاعا كبيرا غير متكافئ في المؤسسة العسكرية العليا والوظائف المدنية العليا بالفعل, لكن هؤلاء طائفة مناطقية أو جهوية عنصرية ليست قبيلة. إن ما فعلته نظام البشير علي مدار عقدين ونصف ليس له علاقة تذكر بالإسلاميين كعرقية معينة.
وتعتبر الحركة الإسلامية أيضا أحد ضحايا الكثر لنظام البشير مثل حزب الجبهة الإسلامية القومية والجيش السوداني, لأن نظام البشير قد قام بتدمير كل المؤسسات والقنوات الثقافية والإجتماعية والتأريخية بين الشعب والنظام, ولم يترك أي آلية للتغيير في الدولة, فليس هناك أي قادة قبليين أو نخبة دينية أو فكرية أو حزب سياسي أو شخصيات عسكرية لديها إعتبارية لتكون وسيطاً بين الجماهير الجريحة والنظام المروِّع!! .
النظام السوداني وحش سياسي غريب. وهناك أمثلة قليلة في التاريخ الحديث عندما يتم إقتياد الدولة إلي مثل هذا المأزق المأساوي. علي سبيل المثال, العراق إبّان حكم صدام حسين, وليبيا إبّان حكم معمر القذافي, وكوريا الشمالية إبّان حكم كيم إيل يونغ إيل. ففي كل هذه الحالات يكون اللإصلاح شيئا مستحيلا حتي وإن رغب بعض من في النظام سرا في حديثه.
لقد أخبرني دبلوماسي سوداني سابق بأنه حتى بعض أنصار النظام "يتوقون للإصلاح". ربما يكون هذا صحيحا. رغم أن نظام البشير لا يمكن إصلاحه حتي وإن رغب عمر البشير نفسه في حدوث ذلك. وبمرور الأيام سيتضح جليا أن أفضل حل للسودان هو إسقاط النظام.

احمد قارديا
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 889

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1208466 [الضربة القاضية]
5.00/5 (1 صوت)

02-15-2015 06:13 AM
وحش يا وحش!!!

[الضربة القاضية]

احمد قارديا
احمد قارديا

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة