المقالات
منوعات
الكتابة على صفيح ساخن!
الكتابة على صفيح ساخن!
02-14-2015 09:54 AM

الدكتور نائِل اليعقوبابي
*(إذا علمت فجهلت، بنيت على ما
لا ينهدم، وإذا علمت فرابطت علمك بنيت على
شفا جرف هار فأنهار..).
- النفري-

.. كيف لشخص غليظ الطبع، ضيّق الخلق، متجهّم الوجه، ملبّد الرّوح، عديم التجربة، قليل الخبرة، فقير الموهبة، كريه الذائقة، كاره للناس، أن يكتب رواية أو فيلماً أو مسرحيّة أو قصيدة عن الحب والحياة؟!...
يحدث هذا - للأسف الشديد- حين تُستباح الكتابة وتستسهل فتمسي نسخاً ولصقاً ووراقة وتصبح صنعة أدواتها (لابتوب) ورأسمالها حقد وضغينة؛ أمّا ترويجها فسهل على من يستسهلونها أصلاً.
هل ينبغي التذكير بأنّ الكتابة فعل محبّة وتواصل مع الذات والآخر حتّى وإن كان موضوعها الكراهيّة وما أكثر المبدعين الذين عالجوا القبح بجماليّة أخّاذة، غمّسوا أقلامهم وريشهم في تراب الأشياء فأزهرت ورفعوا رؤوسهم نحو السماء فأمطرت.
هل ينبغي التذكير بأنّ المبدعين هم سدنة معبد الحب وحرّاس الجمال؟ هل ينبغي التذكير بأن لا وقت للغجريّ كي يبني بيتاً فيه كما لا وقت للفنّان الحقيقي كي يكره فيه؟.
إنّ من يتقن الكراهيّة لن يتقن الإبداع أبداً ومن لا يمضي إلى الناس لا يقبل عليه أحد ومن لا يعجب بشخصيات كثيرة منهمكة في زحام الحياة لن يعجب به أحد.
ثمّة من يدّعي (الشعبويّة) من أشباه الكتّاب فيترجّل عن ظهر كرسيّه نحو الشارع ويفتعل الاقتراب من المتعبين والمهمّشين فيربّت على أكتافهم بقفّاز حريري، يفكّ ربطة عنقه، يضعها في جيب سترته ثمّ يدخل مقهى كي يشرب قزازة بيبسي، يتقرّب إلى طاولة فيها نفر من عشّاق الحياة و مهزوميها، يسامرهم بزيف لا يخلو من استعلاء، يمطرهم بأسئلة فاترة كمحقّق مبتدئ، يشرب من (جبنتهمْ)، يبتزّ مشاعرهم كي يمنحوه الأمان والثقة، يشتمهم في سرّه ثمّ يمضي إلى مكتبه كي يكتب رواية عن قاع المدينة...!
وثمّة رهط آخر من الذين جاؤوا الكتابة بغير وجه حق وضلّوا طريقاً نبيلة ونافعة كالتجارة أو الحدادة أو الزراعة أو الرعاية أو السقاية.. وأصرّوا على ارتكاب الكتابة من دون رادع داخليّ أو خارجي، تراهم يمعنون في السخرية من المهن والشرائح الأخرى بدافع التنكّر لبيئتهم الحقيقيّة ورغبة منهم في صنع (بورتريهات) جديدة لذواتهم الحائرة والحاقدة؛ وظنّا منهم أنّ الكتابة امتياز وليست لعنة... كي لا نقول (مسؤوليّة).
الأمر لا يتعلّق بالعُقد النفسيّة التي قد ترافقنا منذ الطفولة ولكنّ معرفة تلك العُقد وتشخيصها وكيفيّة التعامل معها؛ هي التي تجعل منها حميدة بل محفّزة لمزيد من الإبداع والتأّلّق، التاريخ يعجّ بالشواهد - على كلّ حال- من المعرّي في شرقه إلى بورخيس في غربه.
الناس كتّاب لا يكتبون لأنّ منهم من يخاف الكلمة أو يهابها ومنهم من يجهلها أو يتجاهلها ومنهم من يقتلها أو تقتله ومنهم من تحييه أو يحييها أمّا الذين صاروا هم (الكلمة) فقد وصلوا إلى أعلى المراتب وهو شرف يطمح إليه كلّ كاتب حقيقي وهؤلاء القوم هم نخبة في مقام الأولياء والصالحين ضمن قاموس المتصوّفة والحافظين السرّ الأقدس.
في ستّينيات القرن الماضي وعندما كان الشاعر والمسرحي والمناضل النقابي المغاربي (منوّر صمادح) يقبع في مستشفى (الأمراض العقليّة) كتب قصيدة مجنونة وطويلة كأيّامه الشقيّة بعنوان (كلمات)، علّقها على جدار غرفته ثمّ على معطفه بعد خروجه هائماً في الشوارع ثمّ رحل وظلّت القصيدة وهذا مقطع قصير منها:
**(عندما كنت صغيراً كنت أحبو الكلمات* كنت طفلاً ألعب الحرف وألهو الكلمات كنت أصواتاً بلا معنى وراء الكلمات* وتخطّيت سنيناً عثرتها الكلمات؛ أركض الأحلام والأوهام خلف الكلمات* ووراء الزمن الهارب أعدو الكلمات؛ كلّ ما أعرفه أنّي ظلمت الكلمات* وسمعت الناس يصغون لصوت الكلمات فتكلّمت ولكن لم أفدها الكلمات* فصدور الناس قد كانت قبور الكلمات؛ قل لمن همهم في الناس وخاف الكلمات* إنّما أنت شفاه ظمئت للكلمات؛ ونداءٌ حائر في الصوت بحّ الكلمات* ما الذي ترجوه من دنياك لولا الكلمات* أنت إنسان لدى الناس رسول الكلمات؛ فتكلّم وتألّم ولتمت في الكلمات* وإذا ما عشت فيهم فلتكن: الكلمات شاهد أنت عليهم وعليك الكلمات).
[email protected]





تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 721

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1208325 [البريد السريع]
0.00/5 (0 صوت)

02-14-2015 08:49 PM
سويسليكس" تكشف 30 مليار دولار عربية سرية؟؟؟

شملت التسريبات (سويسليكس) المتعلقة بحسابات مصرفية سرية لأكثر من مائة ألف عميل في فرع بنك "أتش أس بي سي" في سويسرا، عددا كبيرا من الحسابات التي يملكها عرب والتي يقدر مجموع الأموال المودعة فيها بنحو ثلاثين مليار دولار، في حين لا تزال تساؤلات أخرى كثيرة عالقة حول مضمون التسريبات.
وكانت صحيفة لوموند الفرنسية قد حصلت على الوثائق التي سرّبها خبير الحاسوب السابق في المصرف هيرفي فالسياني بعدما وصل إلى قاعدة بيانات البنك التي تشمل نحو مائة ألف حساب لعملائه.
ويظهر التحقيق أن مصرف "أتش أس بي سي" البريطاني كان يساعد العملاء الأثرياء على التهرب من دفع ضرائب تقدر بملايين الدولارات، مستفيدا من السرية المصرفية التي تشتهر بها سويسرا.
وللمنطقة العربية نصيب كبير من الحسابات، بلغ مجموع الأموال المودعة فيها نحو 26 مليار يورو (29.6 مليار دولار) وفق تقديرات أولية، وجاءت ضمن حسابات لسياسيين وملوك وأمراء ورجال أعمال من السعودية والمغرب والإمارات ولبنان وعُمان ودول أخرى.
وتشمل الوثائق المسربة الفترة الممتدة من عام 2007 إلى الآن، وتشير إلى تفاصيل عن حسابات مصرفية بقيمة مائة مليار دولار تم إخفاؤها في حسابات أشخاص وكيانات ينتمون إلى قرابة مائتي دولة.
وضمن الفضيحة التي عرفت بفضيحة "سويسليكس"، كشفت وسائل إعلام سويسرية أن مصرفيي "أتش أس بي سي" السويسري زاروا ما لا يقل عن 25 بلدا بشكل سري -وغالبا بشكل غير شرعي- للقاء زبائن يودعون لدى المصرف أموالا غير مصرح بها.
وكان مسرب الوثائق هرفي فالسياني قد حذر من أن ما نشرته وسائل الإعلام ليس سوى جزء بسيط مما تفضحه الوثائق التي سلمها إلى الحكومة الفرنسية.

[البريد السريع]

#1208099 [الصوت]
5.00/5 (2 صوت)

02-14-2015 01:47 PM
ليس بعد كلماتك كِلمة تُجلِّي نعيم الكلمات ....

[الصوت]

#1207971 [زكزوك]
5.00/5 (1 صوت)

02-14-2015 11:11 AM
كاتبنا الكبير نائل يعقوبابي
لكلمات مذاق يوجع ويداوي على حد سواء!
فالكتابة هم. والوقت هم آخر خاصة لمن يجدون لأنفسهم نصف ساعة تقريبا في اليوم وهو خالي الذهن!
شكرا لمقالك الرائع..
اتحفتنا

[زكزوك]

#1207959 [صفية الحضري]
5.00/5 (1 صوت)

02-14-2015 10:56 AM
الرائع جدا د.نائل
جميل ورائع ما قرأته في هذا الموضوع انه حافز مؤثر ومفيد للمبدعين ..حقيقي انه موضوع يستحق القراءة ،ويشير الى قلة المبدعين وكثرة المتشدقين والمحسوبين على الإبداع .
تقبل كل احترام وتقدير

[صفية الحضري]

الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة