المقالات
السياسة
نمساويان في السودان: نقطة البداية في عمليات تمدين القارة السوداء
نمساويان في السودان: نقطة البداية في عمليات تمدين القارة السوداء
02-17-2015 10:20 AM

نمساويان في السودان: نقطة البداية في عمليات تمدين القارة السوداء
Austrians in the Sudan: the Starting Point for the Civilization of the Dark Continent
بروفيسور فلوريان كروب Florian Krobb
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة قصيرة لمقال طويل نشره البروفيسور فلوريان كروب أستاذ اللغة الألمانية بالجامعة الوطنية الايرلندية في مينوث Maynooth بإيرلندا عن الدور الذي قام به رجلان نمساويان هما أرنست مارنو ورودولف سلاطين في "إدخال المدنية والحضارة إلى القارة السوداء"، وتحديدا في السودان، وذلك في العدد العشرين من مجلة الدراسات النمساوية Austrian Studies ، والصادرة في 2012م.
وتشمل اهتمامات المؤلف البحثية كتابات الرحالة الألمان في أفريقيا، وتاريخ الآداب اليهودية الألمانية، والواقعية الألمانية. وسبق لي أن ترجمت العرض الذي نشره البروفيسور كروب عن كتاب إيرهارد أويسر "إمبراطورية المهدي: قيام وسقوط أول ثيوقراطية إسلامية"
المترجم
******* ************** *************
I
لقد محيت – ومنذ فترة ليست بالقصيرة – تلك الترهة التي تزعم عدم مشاركة النمسا في الجهود الأوربية الاستعمارية. فقد شارك النمساويون في استكشاف مجاهل أفريقيا، وساهموا أيضا في غزو أفريقيا وتوزيع أقطارها على القوى الأوربية. وبما أن إمبراطورية هابيسبيرج (النمساوية) لم تحز فعلا على أي مستعمرات في أفريقيا، فقد صبت كل جهودها الاستكشافية والسياسية والتجارية والتبشيرية في مصلحة قوى أوربية استعمارية أخرى. ولعب كثير من النمساويين "الأفارقة" أدوارا بالغة الأهمية في مختلف مراحل التوسع الاستعماري الأوربي. ونخص بالذكر من هؤلاء أرنست مارنو (المولود بفيينا في 1844م، والمتوفى بالخرطوم في 1883م) ورودولف سلاطين (والمولود بالقرب من فيينا في 1857م، والمتوفى فيينا في 1932م)، واللذان كانا من أبرز النمساويين الذين شاركوا في عمليات استكشاف وفتح السودان، ذلك القطر الأفريقي الذي كان محظ أنظار عدد من الدول الأوربية الاستعمارية، وكادت تحدث في جنوبه (في فشودة) مواجهات عسكرية بين بريطانيا وفرنسا في عام 1898م.
وتوالت في القرن التاسع عشر، وخاصة في نصفه الأخير، غزوات الدول الأوربية الاستعمارية لأفريقيا بمعدلات سرعة متباينة في مختلف المناطق، وذلك بحسب ظروف مختلفة أهمها الطبيعة الجغرافية للمنطقة المراد فتحها، ومدى المقاومة التي يبديها السكان المحليون، ومدى خطورة العمليات العسكرية، وحدة الصراع بين القوى الأوربية المتنافسة، وبين قادتها أيضا، وغير ذلك من العوامل.
أما السودان (المصري)، فقد كان له وضع خاص في التاريخ الاستعماري، وذلك لسببين: أولهما أن ثورة العقيد عرابي، وما تلاها من احتلال بريطاني لمصر، كانت قد أشعلت فيما يبدو من أوار التسابق المحموم على أفريقيا (scramble for Africa)، وثانيهما انتفاضة المهدي، والتي توجت بقيام الدولة المهدية في السودان بين عامي 1881 – 1898م، والتي عدت أعنف صور المقاومة المحلية ضد الهيمنة الأوربية، وأكثرها نجاحا.
وكانت مصر تحت قيادة الخديوي محمد علي باشا، واسماعيل باشا وتوفيق باشا قد شرعت في عمليات تطوير وتحديث على النمط الغربي، كان من ضمن وسائله القيام بغزوات في العمق الأفريقي، وضم المناطق الجنوبية الواسعة (فيما عرف بالسودان). وما كان لبرنامج التطوير والتحديث والتوسع جنوبا والذي عزم عليه حكام مصر (والذين أعلنوا عمليا عن استقلالهم عن الإمبراطورية العثمانية في إسطنبول) ليتم لولا استعانتهم بخبراء اوربيين في مختلف المجالات العسكرية والمدنية. فأتى العون العسكري من بريطانيا، وأقامت فرنسا كونسورتيوم عالمي لإنشاء قناة السويس، وأقام النمساويون والإيطاليون والألمان وأوربيون آخرون بقية المشاريع الصغيرة الأخرى مثل التلغراف والطرق والسكك الحديدية. ولعب النمساويون على وجه خاص، ومنذ عام 1840م، أدوارا بارزة في الغزو المصري للسودان. فقد قامت على سبيل المثال فرق تبشيرية نمساوية بتشييد محطات على النيل الأبيض في عام 1851م، وكانت الحكومة النمساوية أول دولة أجنبية تقيم لها قنصلية في الخرطوم تحت قيادة قسطنطين ريتز، وذلك من أجل حماية مصالح النمسا التجارية من الاحتكار المصري.
وتسارع مد التوسع في السودان تحت قيادة الجنرال غردون (والذي حكم المديرية الاستوائية منذ عام 1874م، ثم كامل السودان منذ عام 1876م)، إذ أن غردون كان قد عين عددا من الأوربيين للقيام بإدارة بعض المناطق الأكثر أهمية. فعين مثلا السويسري فيرنير مونزيقر مديرا لشرق السودان في عام 1873م، والألماني أيزاك ادوارد اشنتزر (عرف بأمين باشا لاحقا) مديرا للاستوائية في عام 1878م، ورودولف سلاطين مديرا لدارا (Dara) في جنوب غرب دارفور في عام 1881م.
وكان مما شجع مصر في عهدها التركي على غزو السودان هو سهولة النفاذ إليه. ففيما عدا وجود عدد من الشلالات على النيل، كان الطريق لكامل البلاد سالكا. وكان السودان (والذي يعد نقطة الالتقاء بين ثلاث دوائر ثقافية: أوربا المسيحية، والشرق المسلم، وأفريقيا الزنجية) مصدر جذب للمستكشفين من كثير من الأقطار الأوربية، والذين تقاطروا على البلاد لاستكشاف منابع النيل، ولدراسة أصل الإنسان، ولمحاولة حل بعض المسائل الجغرافية التي كانت موضع خلاف بين علماء الجغرافيا منذ عقود طويلة، ولاكتشاف أنواع جديدة من النباتات والحيوانات، ولدراسة الأجناس المختلفة ولغاتها وغير ذلك. وكان أيضا قبلة لدعاة التوسع الثقافي الأوربي، وللمنادين بوقف تجارة الرقيق، وللمبشرين، وللمحسنين، وكذلك للساسة من دعاة التوسع الاستعماري، وبعضهم كان قد قدم لأفريقيا بدعوى "حماية الأهالي" من الأطراف الأوربية الأخرى. كذلك جذب السودان اهتمام الصيادين والمغامرين وهواة جمع الحيوانات النادرة، والذين أوفدتهم حدائق الحيوان في مدن أوربا وسيركاتها، وتجار العاج (ناب الفيل) والمواد المحلية الأخرى.
ومع إنشاء محطات على النيل الأبيض وزيادة الملاحة فيه غدت المنطقة جنوب خط العرض 12 درجة منطقة شديدة الجاذبية للمستعمر (والمستثمر) الأوربي. وتبارى الكتاب والصحفيون والمراسلون في المدن الأوربية في نقاشات ومقالات وسجالات حامية حول غزو السودان لفتت انتباه كثير من القراء.
وكانت كتابات (وأفعال) النمساويين مارنو وسلاطين جزءً من تلك الكتابات المثيرة. فقد قدم ماريو للسودان سائحا بين عامي 1869 و1876م، في غضون سنوات حكم الخديوي إسماعيل، صاحب المشاريع التوسعية. وتزامن قدومه مع حملات صمويل بيكر ضد تجارة الرقيق في سبعينيات القرن التاسع عشر الباكرة، عند تولي غردون باشا للحكم.
وكانت رحلات مارنو، والتي سجلها في كتابين، تصب في خانة تعضيد الحكم الاستعماري للسودان، رغم أنه كتب عن جغرافية السكان في السودان ومناخه، وما وجده فيه من نباتات وحيوانات. أما سلاطين فقد كانت مهمته الرئيسة هي تطبيق نظام فعال لجمع الضرائب، وقمع التمرد والمقاومة في مديريته (دارفور)، والتي لم تفلح الحكومة المصرية –التركية في ضمها للسودان إلا في عام 1874م.
أما أهم كتابات سلاطين فكانت عن أيامه وهو في أسر المهدي وخليفته عبد الله (1883 – 1895م). وجاء كتابه تشريحا لجثة (autopsy) ذلك النظام السياسي الوطني المحلي. وعد ذلك الكتاب (رغم وصف البعض له بأنه محشو بالإثارة) أقرب ما نشر عن تلك الفترة صدقا في المعلومات عن نظام لم يقف فقط متحديا التفوق الأوربي، بل تمادى في الاستبداد والظلم والتجارة في الرق. وساهم كتاب سلاطين، ودون ريب، في شحذ همم الأوربيين للقيام بـ "عبء الرجل الأبيض"، وحث البريطانيين على غزو السودان، وحضهم على استخدام القوة العسكرية لهزيمة المقاومة (الوطنية).
II
جمع ما سجله أرنست ماريو في كتابين صدرا بالألمانية، الأول تحت عنوان "رحلات في المناطق بين النيلين الأبيض والأزرق والمناطق الزنجية المجاورة بين عامي 1869 و1873م" و الثاني بعنوان "رحلة في مديرية الاستوائية المصرية وكردفان بين عامي 1874 و1876م). ولم يكن كتابيه هذين في مستوى كتب الرحالة الآخرين من حيث الاكتشافات والمعلومات، ووصف البعض كتاباته بأنها عادية لا تلفت النظر، رغم أن ماريو كان من المغرمين باستكشاف مجاهل أفريقيا باعتبارها الدليل لمعرفة المزيد من تطور وارتقاء البشر. وركز ماريو في كتابه الثاني تحديدا علي وجود أقزام (pygmies) في مناطق نائية في بحر الغزال (مثل ما يوجد بين الأكا Aka في الكنغو والتكي تكي Tiki Tiki في نيوزلندا)، وعدهم من بقايا أجناس بشرية قديمة. وكان ماريو يفسر ما يشاهده من منظور سياسي – اجتماعي أكثر منه من ناحية أنثروبولوجية، وكان مفتونا أيضا بدراسة التركيب العرقي للمجتمعات البشرية المحلية. وبالفعل كان وجود أكثر من ستمائة مجموعة عرقية ولغوية في السودان مصدر إشكالات عديدة أمام الحكم الاستعماري. غير أن المستعمر قام وبشكل عام بتقسيم هذه المجموعات إلى قسمين كبيرين: شعوب مسلمة من أصول عربية ونوبية وسوداء، وشعوب سودانية – نيلية غير مسلمة تسكن في العمق الأفريقي. وكان الأوربيون يولون المجموعة الثانية اهتماما خاصا بدعوى أن حاجة وإمكانية هؤلاء الناس للتطوير والتمدين كانت أكبر، وذلك كان أحد الأسباب المعلنة لتبرير التدخل الأوربي في أفريقيا على كل حال، خاصة وقد كان المستعمرون الأوربيون ينتقدون سكان السودان المسلمين ويتهمونهم بالولوغ في تجارة الرقيق، وكانوا يعدون الشعوب السودانية – النيلية غير المسلمة هي الضحية الأولى تلك التجارة.
وهدفت معظم كتابات ماريو إلى إعطاء معلومات وبيانات وحلول للعوائق الكبيرة التي كانت تواجه الحكم الاستعماري، خاصة في المناطق الجنوبية في السودان، ومن قِبَل تجار الرقيق الشماليين على وجه أخص. وكانت كتاباته تهدف لتقديم معلومات "موثقة" عن التركيبة العرقية المعقدة لشعوب السودان، وعن التداخل الثقافي والعنصري بين تلك الأعراق في غضون عقود من الهجرة والغزو وتغيرات الحدود وديناميكية هياكل السلطة في داخل تلك المجموعات العرقية، وفي ما بينها أيضا.
وكان ماريو مدركا لأهمية الربط بين الأصل العرقي، والتوجه الثقافي، والرتب (التصنيفات) الاجتماعية بالنسبة لإدارة الحكم الاستعماري، والتي كانت تسعى لمعرفة أفضل السبل لتقسيم السلطات المحلية بين الأعراق المختلفة في البلاد المتساكنة مع بعضها في ذات المنطقة، ولتسهيل أمور الإدارات المحلية والحكومية، خاصة فيما يتعلق بجمع الضرائب. وبذا قدم علم الأثنوجرافيا (ذلك العلم الاستعماري المنشأ، والذي يصنف المجموعات السكانية بحسب لغاتها وثقافتها وتنظيمها الاجتماعي) والذي اشتغل به ماريو، جليل الخدمات للحكم الاستعماري من أجل ترسيخ حكم مركزي فعال.
وكان المستعمر يخشى من فرط التنوع في العرقيات في البلاد وذلك لأن التنوع المفرط يجلب الريبة والشك (uncertainty)، والريبة والشك يجلبان بدورهما عدم الاستقرار، ويكونان مصدر قلق دائم للحكام. وكتب ماريو ذات مرة ما نصه: "ترى العديد من العرقيات ممن نسميهم جميعا سودانيين (في منطقة واحدة). غير أن ذلك لا يعني شيئا غير أنهم من سكان المنطقة المحليين". وحذر من تبني "المعايير الأوربية" في الأمور المتعلقة بتقييم السكان المحليين، ومن استخدام إداريين أوربيين لإدارة الشئون المحلية للأهالي. وكان يرى ضرورة تفريق الإدارة الاستعمارية بين المجموعات العرقية المختلفة بحسب مقدار تطورها (بحسب المعايير الأوربية بالطبع). فكان يرى مثلا، ولأسباب عديدة، أن المسلمين أقل رغبة وقدرة على التغيير، وعلى تقبل التوجيهات والارشادات من الأوربيين مقارنة مع المجموعة غير المسلمة في البلاد.
وكان لماريو آراء تختلف عن آراء وسياسيات صمويل بيكر العنيفة تجاه الرق وتجاره. فكان، وبحكم معايشته لواقع الحال، وبحكم أنه "عالم" وليس سياسيا يسعى لكسب إعجاب الآخرين، يعلن عن آراء وتوصيات بشأن قضية الرق تعد خلافية ومثيرة للجدل. فقد جاء في توصياته ما يلي: " لا يمكن لأحد أن يدافع عن تجارة الرقيق، ولا عن الانتهاكات التي يتعرض لها الرقيق. إلا أنه ليس بوسعي التوصية باتخاذ اجراءات صارمة وعنيفة ومفاجئة تغير تماما من أنماط العلاقة بين الأحرار والمسترقين. وأوصي في هذا الشأن بسياسة أقل عنفا وأكثر تقنينا وتدرجا وتنظيما لهذه العلاقة، وذلك قبل الوصول للهدف النهائي وهو منع الرق والتجارة فيه بحكم القانون". وظل ماريو يحذر الإدارة من المواجهة العسكرية العنيفة الحاسمة مع تجار الرقيق لما ذلك من نتائج سلبية على الأطراف المعنية كلها، والتي لن تفلح في محاربة الرق على أرض الواقع، بل ستقوض جهود الحكومة الرامية لمنعه بحكم القانون. وكان يرى أن السكان المحليين لن يرضوا عن منع الأوربيين القسري لتجارة الرقيق وذلك لتأخر تطورهم في المدنية (delayed civilizatory development). وكتب ما نصه: "لقد أتت الحرية التي تنعم بها الشعوب المتحضرة بعد مرور وقت طويل وبصورة متدرجة. وهذه الحرية لا تناسب الزنوج، والذين لا يزالون يحتلون مكانا أقل من مكان الأوربيين قبل ألفين من الأعوام. ولذا فإن من الواجب الاستمرار في الوصاية والتبعية (tutelage and dependency) لهؤلاء الناس حتى تنمو مقدراتهم تدريجيا ويصلوا لمرحلة القدرة على اتخاذ قرار أخلاقي (moral decision) بكامل إرادتهم، ومن بعد ذلك يمكنهم التخلص من الوصاية والتبعية لغيرهم". أي أن ماريو كان يرى ضرورة التدرج والتوسط والاعتدال في شأن التعامل مع ما هو سائد في السودان حتى يتمكن أهله من اللحاق بالمعايير الأوربية في الأمور كلها، خاصة في شأن الرق. غير أنه يجب القول أيضا بأن ماريو كان يقترح التزام الاعتدال والتوسط كإجراء مؤقت فقط، فالهدف النهائي كان هو بالطبع إحكام سيطرة المستعمر على كل المناطق، ومنع تجارة الرقيق بالكلية.
ومثلت مهنة ماريو حلقة وصل بين الاستكشاف العلمي وبين ممارسة السلطة. وتراوح مساره المهني بينهما. وكانت الحكومة تمول بعض رحلاته الاستكشافية. وكان له الفضل في إزالة نباتات السدود على النيل الأبيض، مما سهل الملاحة فيه والوصول لمناطق بعيدة. وفي ختام حياته المهنية قبل بعرض غردون له ليصبح حاكما لمديرية القلابات على الحدود الحبشية.
وبلغت شهرة ماريو في الاكتشافات والمعرفة بالمناطق المدارية مسامع وزير المالية في الحكومة النمساوية ليبولود فون هوفمان (والذي كان من المؤيدين لجهود ملك بلجيكا ليبولود الثاني لتطوير(واستعمار) حوض الكنغو) فعينه رئيسا لحملة استكشافية للدخول في حوض ذلك النهر عبر زنجبار. غير أن ذلك لم يتم لاختلافات بين ماريو والمسئولين عن تلك الحملة المزمعة.
وكان المشاعر المضادة للرق هي ما دفع – جزئيا- الأوربيين لغزو أفريقيا. وعبر عن ذلك الموقف الإنساني ما قام به المستكشفون والرحالة مثل ريتشاردسون وليفنجستون وغيرهم من الداعين لحظر الرق وتجارته. وكان الأوربيون يشعرون بتفوقهم الأخلاقي، والذي كانوا يؤمنون بأنه يعطيهم "حق" التدخل في الشئون الإفريقية.
لقد كان ماريو جزءً من حركة أوربية كانت تؤمن بضرورة إيقاف تمدد منافسيهم من الشماليين المسلمين في أفريقيا الجنوبية. ثم تمت هزيمة غردون بعد قيام الثورة المهدية، وازدادت حدة الصراع والتنافس بين حركة الأوربيين ومسلمي الشمال. وفي واقع الأمر كان قيام الثورة المهدية قد أخر سيطرة الأوربيين والمصريين الكاملة على السودان بنحو عقدين من الزمان. وفي غضون هذين العقدين تغير توجه الأوربيين بالتدريج من مجرد المسح والاستكشاف والتمدد المتدرج إلى مرحلة التدخل العسكري المباشر.
وكان هنالك نمساوي آخر (هو رودولف سلاطين)، لم يكن فقط في وسط الأحداث، بل خدم كعميل للسلطات البريطانية وحثها على التدخل العسكري.
III
كان سلاطين، وفي كثير من الأوجه، نقيضا لماريو. فقد كان شخصية مشهورة عالمية، وذاع صيته في أوربا، خاصة بعد نشره لكتابه الشهير عن سنوات حبسه لدى المهدي والخليفة. فنال الأوسمة والنياشين من الملكة البريطانية فيكتوريا، وفرانس جوزيف إمبراطور النمسا، وعدد آخر من ملوك أوربا وقادتها.
وهنالك سببان لاهتمام الأوربيون بسلاطين، أولهما كونه أهم شاهد عيان أوربي للحركة المهدوية التي نجحت في هزيمة الحكم التركي – المصري للسودان، وثانيهما هو مهنته اللاحقة كأحد أعمدة المجتمع ونجومه، والذي أتى من أصول متواضعة، ثم علا صيته حتى غدا من جلساء الملكات والملوك المفضلين، حتى قامت الحرب العالمية الأولى، فأنهت صيته وشهرته العالمية، وأجبرته على التقاعد.
وذاعت قصة سلاطين، وأسر القوات المهدوية له، ودخوله في الإسلام إنقاذا لنفسه من القتل (مما عده البعض خيانة لتراثه الأوربي). وكان ذلك في مقابل أمين باشا، والذي حوله العزل في أصقاع جنوب السودان لأيقونة للمدنية والحضارة، وتسابقت الحملات الأوربية لإنقاذ حياته.
ونجح سلاطين في الهرب من أمدرمان في 1895م، ونشر كتابه الشهير في العام التالي، ونال من الذيوع ما لم تنله الكثير من كتب الرحالة والمستكشفين والصحافيين الآخرين. فقد وزعت من ذلك الكتاب آلاف النسخ وترجم لعدة لغات أوربية. ولا غرو، إذ جمعت قصة سلاطين بين الإثارة والأصالة (مقرونة بالشرعية "العلمية" لتشريح ذلك النظام). وأثارت رواية سلاطين عاصفة من الغضب الأخلاقي moral outrage ، وجددت وأكدت التخوف من "الآخر" الذي لا يمكن احتوائه، والذي كان يتحدى التفوق الأوربي، ويخرب مهمته الحضارية.
وكان مما زاد من شهرة سلاطين عمله بالقرب من غردون، وحمايته له، وعيشه بالقرب كذلك من الخليفة عبد الله. وكانت مهمته الأولى في دارفور هي خلق نظام عادل وفعال لجمع الضرائب وزيادة دخل الحكومة، وهذا ما جعله أحد "خبراء" شئون أحوال شمال – غرب السودان الاجتماعية والثقافية والسياسية قبل ظهور المهدي. وفي كتابه يصف سلاطين مديرية دارفور بأنها صارت موقعا للصراع بين الشمال والجنوب. وهذا هو ذات ما أشار إليه النمساوي ماريو من قبل.
وصور سلاطين أسباب غزو بريطانيا للسودان وكأنها حرب من أجل نشر المدنية والحضارة وإزالة البربرية، إذ جاء في نهاية كتابه الآتي:
"لقد أنتهى عهد العذاب الذي كابدته، وتم إنقاذي من براثن البرابرة المتعصبين، ووقعت عيني، وبعد طول سنين، وللمرة الأولى، على مستوطنات البشر المتحضرين في دولة يحكمها القانون والعدل".
ومن ناحية قانونية بحتة، فإن ما أورده سلاطين يعد دليلا حيا على عدم شرعية ذلك النظام المهدوي وفظاعة جرائمه، وبهذا ترتفع مذكرات سلاطين الشخصية وقصة مغامراته إلى مستوى السياسة. ومما عزز شهادة سلاطين حول الخليفة ونظامه ما أدلى به الألمانيان اور فالدر وكارل نيو فيلد، والأخير هذا كان قد نشر كتابا عن أيام حبسه في أمدرمان قبل سنوات قليلة من نشر سلاطين لكتابه. وأعتبر الأوربيون شهادات اولئك الرجل الأسرى شهادات رجال محايدين، وصدقوها.
وكان سلاطين في كتابه قد صور شخصية الخليفة كطاغية فاسد متجبر (بالمعايير الأوربية)، يمعن في الظلم والقتل العشوائي والمعاملة المفرطة القسوة لمعارضيه، في مقابل ما يعتقده هو في صفات شخصيات القادة الأوربيين (مثلما جاء بها المحامي والفيلسوف السياسي الفرنسي مونتسيك). وذكر في كتابه أن أحد مظاهر الظلم في عهد الخليفة كان سوء معاملة الرقيق. وكانت سلاطين ينتقد من قبل سلطان دارفور (قبل ضمها للحكم المصري – التركي في 1874م) في استخدامه للرقيق المجلوبين من الجنوب كعملة يسير بها شئون دولته، ويأخذهم عنده كضرائب من السكان. غير أن سلاطين كان يحمل ذات الرأي العملي الذي أعلن عنه ماريو في ضرورة التدريج في تحريم الرق، خشية إحداث نقص مفاجئ في الأيدي العاملة.
وجاء في نهاية مقدمة الأب أور فلدر لكتاب سلاطين نص يحرض على غزو دولة المهدية جاء فيه : " أدعو الله أن يفلح هذا الكتاب في إيقاظ مشاعر الناس تجاه مصير السودان غير السعيد، وأن يساعد المهتمين بأمر ذلك البلد لاتخاذ القرار المناسب والقيام بالخطوات المطلوبة لإعادة المدنية لذلك البلد التعيس، والذي كان في يوم من الأيام بلدا سعيدا ومزدهرا".
لم يقابل ماريو سلاطين كفاحا إلا مرة واحدة، وكان ذلك في سبتمبر من عام 1875م، عند عودة ماريو من جنوب السودان. وكان سلاطين وقتها شابا صغيرا يعمل لدى أمين وغردون، وكان يتأهب للعودة للنمسا لأداء فترة العسكرية الالزامية، قبا أن يعود مجددا للسودان بناء على طلب غردون. ووصف ماريو سلاطين في تلك المقابلة الوحيدة بأنه "رفيق عزيز Einen lieben Landsmann ".
وكان ماريو وسلاطين وهما يعملان في السودان يحييان آمال النمسا في أن تصبح لاعبا استعماريا عن طريق التجارة والمشاريع التبشيرية.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1331

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة