المقالات
السياسة
الشمولية والإستبداد أصلا الأيديولوجية الثيوقراطية
الشمولية والإستبداد أصلا الأيديولوجية الثيوقراطية
02-17-2015 12:17 PM

في أمسية الثلاثاء 27/1/2015م، إستضاف الصحفي عبد الباقي الظافر، في برنامجه الذي أسماه "الميدان الشرقي"، ويقدمه في قناة أمدرمان الفضائية، لصاحبها حسين خوجلي، كلٌ مِنْ: أبو بكر عبد الرازق القيادي في المؤتمر الشعبي، والطيب مصطفي، رئيس ما يعرف بمنبر السلام العادل. وكان مدار الحوار، حول مما يعرف بحوار - الوثبة، و مواقف كل من حزبي ضيفي البرنامج منه: المؤتمر الشعبي الذي يصِّر على التمسك بالحوار، ومنبر السلام الذي يقدّم نحوه قدماً، ويؤخر أخرى، وحول أسانيدهما و حججهما الداعمة لكل من الموقفين.
و في سياق الحوار، ذكر الطيب مصطفى، بأن حزب المؤتمر الشعبي، قد أصبح حزباً طائفياً يدار على أسس الطاعة المطلقة لزعيمه، الذي لا يقبل من تابعيه، إلا كامل التبعية والإنقياد الأعمى له، كتبعية الحواري لشيخه، التي يكون الأول بموجبها، بين يدي الثاني، كالميت بين يدي غاسله. ورد القيادي في المؤتمر الشعبي، على قول رئيس منبر السلام، بقوله بأن البلد لا يحكمه المؤتمر الوطني، بل يحكمه، في واقع الأمر، شخص واحد. فرد عليه الطيب مصطفى بجملة في معنى "أسكت ما تودينا في داهية" قبل أن يستدرك ليتمتم، بعبارة مفادها، أن ثمة إعتبارات خاصة تمنعه من قول كل ما يريد إبداء الرأي فيه في هذ الشأن. ولعله قصد بالإعتبارات الخاصة المانعه تلك، قرابته بالمشار إليه في عبارة ممثل المؤتمر الشعبي أبوبكر عبد الرازق. وهو رئيس المؤتمر الوطني، و رئيس نظامه الواحد الفرد المتحكم بإرادته المطلقة في البلاد و أهلها.
و لا تدري سبب استغراب الضيفين المتحاورين إذ شبَّ كلاهما و شابا – ومعهما بالطبع رئيس المؤتمر الوطني و رئيس دولته - في كنف زعيم المؤتمر الشعبي الحالي، على أيديولوجية الإخوان المسلمين، و أساسها الإعتقاد بجاهلية مجتمعات القرن العشرين "الإسلامية"، و الحكم بكفرها و خروجها عن الملة والشرع ، و الإيمان تأسيساً على ذلك، بضرورة نبذها و محاربتها جهاداً لردها بالسيف إلي صحيح دين (البنا/المودودي/سيد قطب). ويقوم دين هذا الثالوث على تأويل نصوص مقدسة في القرآن والسنة، لتفسّر على أن جميع مسلمي عصرنا، في جهالة جهلاء و جاهلية عمياء، وألا فرق البتةَ بينهم و بين مشركي مكة، قبل نزول الوحي (بجامع الجاهلية في كلٍ). فهل ينتظر ممن يحمل مثل هذا التفكير، أن ينتهي إلي شئ، خلاف إحتقار مبادئ الديمقراطية و الإزراء بالرأي المغاير وإعتباره رجساً من عمل الشيطان.
ولا أدري إن كان خافياً، على المذكورين أعلاه، أن مبادئ و أفكار الإخوان المسلمين، تنص فيما تنص بوجوب الإلتزام الصارم، بتطبيق قواعدها التنظيمية، كما وضعها الشيخ حسن البنا، و تأتي في مقدمتها، تبعية القاعدة للقيادة، تبعية كاملة ومطلقة، و إنصياعها لقراراتها، إنصياعاً تاماً، و إنقيادها لأوامرها إنقياداً أعمي. وقد شخَّصت، أدبيات الإخوان المصريين، التي متحَّت من حصيلة كدحها، ذهنيات قيادات الإخوان السودانيين، القاصرة الطفيلية الخاملة، و العاطلة وقتها – و إلي الآن - من الإبداع الفكري، و شبَّهت هذه العلاقة بين "الشيخ" في القيادة، و "حوارييه" في القاعدة، وماثلتها حرفياً بهمود وسكون الجثة بين يدي غاسلها. وهو وصف نجده، قد تجاوز ببلاغته ودلالاته، المعني المعلوم للخضوع والإنصياع، بما ينطوي عليه اللفظان من إشارات أفعال الإرادة، التي تنتفي تماماً في المفعول به، في توصيف مدلولات في الأدبيات الإخوانية. (فالحواري/ العضو) في لغة قواعد التنظيم الآمرة، ليس عديم الإرادة سليبها فحسب، بل هو عديم سليب و الروح و الوعي "العقل"، مناط التكليف شرعاً، وأساس إكتساب أهلية المكلَّف. فما مصدر الغرابة و الدهشة، إذن، في أمر خضوع قاعدة المؤتمرين الوطني والشعبي، و إذعانها التام لاستبداد الفرد و دكتاتوريته المطلقة، سواء كان الفرد على رأس الحزب أم رأس السلطة؟. و سواء كان رئيس المؤتمر الوطني أم "القائد الملهم" رئيس الإتحاد الإشتراكي المقبور؟ فما الجديد و وجه الغرابة، في ذلك؟ إذا كان المثل السائر، هو: "من شِبّ على شئٍ شاب عليه".
و من فرط الإنتهاك الفظ لحقوقهم في ديمقراطية المشاركة، في إدارة الحزب وإتخاذ قراراته، بسبب مركزة السلطات في يد "شيخ التنظيم"، و قصرها عل يكاد القارئ لتاريخ حركة الإسلامويين السودانيين، لا سيما، بعد إنفلات أمر تدوينه، من إحتكار قلمي الدكتورين حسن الترابي و حسن مكي، يكاد لا يرى سوى وقوف الإسلامويين طويلاً، على أطلال حرية الراي، والبكاء على دمن الديمقراطية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى يكاد لا يسمع سوى أصداء، عويل قاعدتها بلا إستثناء، من إستبداد فردها القيادي وإستبداده بالرأي. و كأنما تاريخهم هم دون غيرهم، هو ماعناه الشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم في "بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنتِ"، بخاطرته الشعرية: "تواريخ البكاء و أجيال العبودية".
و يلحظ أن كل من تصدى، لقيادة العمل إلي جانب، (شيخ التنظيم، سواء كان بقفطان أو بزة عسكرية)، في تنظيمات الإسلامويين المتغيرة الألوان، المتعددة الأسماء وز الأوصاف، إخوان مسلمين، جبهة الميثاق، الجبهة القومية الإسلامية، قد شكى مر الشكوى من سطوة الزعيم التاريخي للتنظيم، وإنفراده بالراي فيه، وتحكمه فيه بإرادته المنفردة، دون مشاركة من أحد، كَبُرْ أو صَغُرْ. ونلفت نظر القارئ العزيز، إلي أننا لا نتحدث هنا، عن إستبداد "الشيخ" بالراي، في مواجهة قاعدة تنظيمه فحسب، بل في مواجهة قياداته أيضاً، و من بينهم أقرانه. و تضيف كتابات الإسلامويين أنفسهم، أن الأمر في تجربة إخوان السودان، لم يقتصر على أقران "الشيخ" و مجايليه فحسب، بل تجاوزه إلي من سبقوه فيه من جيل الآباء المؤسسين.
و كدليل عملي واضح، على غربة مفاهيم الحرية والديمقراطية، عن أعراف و تقاليد الإسلامويين و إعتياد ذهنيتهم الإستسلام، للقمع الفكري و التنظيمي، وقابلية كافة أعضاء تنظيمهم - ودون أدنى إستثناء - للخضوع و الإذعان الكامل لاستبداد القيادة و إنفرادها بالرأي، لم نر طوال أربع عقود، منذ تاريخ تأسيس حركتهم في نهايات أربعينيات القرن الماضي، و حتى إستيلائهم على السلطة بالتآمر وقوة السلاح، أي صراع في مواجهة طغيان و إستبداد القيادة، و لو على محض المستوى النظري، ناهيك عن ثورة فردية أو جماعية، لتحرير إرادة قاعدة الجماعة من طغيان قيادتها بل طغيان "شيخها الفرد". ولكننا بدلاً من ذلك، رأينا بعد حوالي عقد، من خروجهم على إجماع إرادة الشعب، والإطاحة بحكومته الشرعية المنتخبة ديموقراطياً غدراً، نقول رأينا كيف إندلع الصراع ضارياً و شرساً، على محض كرسي السلطة، بين شيخ الحركة، و قائد إنقلابها العسكري. و رأينا كيف إنقلب الأخير على شيخه، بمؤازرة تابعي الأول و تلامذته وحوارييه السابقين. كما شاهدنا كيف جازى الحواري شيخه "جزاء سنمار" وإستولي على الدولة والتنظيم معاً، باستخدام سلطاته في قمة هرم الدولة، و بتوظيف كل أجهزة قمعها، لتجريد غريمه من أية سلطة او نفوذ، والقذف به بعيداً عن تنظيمه الذي سلخ سنوات عمره لبنائه، و عن الحكم الذي خطط و تآمر ونفذ، إنقلاب الوصول إليه. و قد حق عليه بالفعل، المثل الذي إستخلصه الوعيَّ الجمعي لشعبنا من متراكم خبراته وتجاربه و معارفه، و كبسله في حكمة بليغة تقول: "التسوي كريت في القرض تلقاه في جلدها".
و بعد مفاصلة 1999م الشهيرة، رأينا كيف إنحاز التنظيم، بغالبية عضويته الإنتهازية "وسهلة القياد"، إلي معسكر صاحب "قصر الرئاسة" وتركوا شيخهم مخذولا، يعاني صقيع العزلة، ومرارات سيوف الخيانة والغدر. ( و في هذه المرة دارت الدوائر على الشيخ الترابي، فسقته من نفس الكأس التي سقى منها الشيخين صادق عبد الله والحبر يوسف، حين تركهم وقلة من أفراد الإخوان المسلمين، وصالح شمولية ودكتاتورية مايو، دون شرط ودخل إتحادها الإشتركي المقبور. و حقاً إن التاريخ في الحالات النادرة التي يعيد فيها نفسه، يعيدها في شكل ملهاة). وهكذا آلت قيادة التنظيم، إلي من بيده الحكم والسلطة، وأدواتهما القامعة الباطشة. فاستحال التنظيم إلي محض لافتة لإسم لا وجود له في الواقع المعاش، ومع ذلك يحكم بإسمه فرد مطلق الصلاحيات و السلطات، حل بمفرده محل الحركة وتشكيلاتها (كما يقول د. طيب زين العابدين و د. الأفندي و د. التجاني وغيرهم الإسلامويين السابقين). وتجدر الإشارة هنا ، إلي أنَّ كل ما تمخَّض عن المفاصلة، التي جرت بين صاحب " قصر الرئاسة"، و صاحب "قصر المنشية" هو الإنتقال السلس من الخضوع والتبعية المطلقة، لشيخ التنظيم، إلي ذات الخضوع والتبعية المطلقة، "لقائد إنقلابه العسكري". و بمجرَّد أيلولة السلطة المطلقة، لهذا الأخير، فرأى الناس، كيف لم يتوانْ لحظة في إستخدام كل جهاز الدولة، لإخضاع كل من يخالف رأيه، من قيادات و أعضاء الجماعة، وكان آخرهم الدكتور غازي العتباني، و لن يكون بالقطع الأخير. ففي ظل الحصار من الخارج، والتمرد والخروج على الطاعة من الداخل، فلن يكف قادة المؤتمر الوطني، أبداً من ترديد، التهديد و الوعيد مثل "اليرفع يده حنقطعها ليهو، واليرفع نخرتوا حندوسو واليرفع عينه حنقدها ليهو". وهم بالطبع لا يدركون أن مثل هذا التهديد والوعيد ليس جديداً على المعارضة، وهي لا تكترث له، بل محصنة تماماً ضده. و إذا أردتم الدليل فأسألوا عضو مجلس إنقلاب مايو، الذي حاول التطاول على الشعب بعد إنتفاضة مارس/إبريل الشعبية المجيدة. فرد عليه في ندوة جماهيرية، القائد المناضل الراحل نقد، قائلاً: أنه ليس سوى مدع و لا يستطيع أن يفعل أي مما يقوله. ثم قال له دليلنا هو " أن نميري ربطك و حلاك و ربطك و حلاك لمن إتحلجت". قادة المؤتمر الوطني و دولته، يعرفون طبعاً من "ربطهم وحلاهم" حتى "حلجهم" كما تعرفونه أنتم أيضاً.
فأي حظٍ تعيسٍ و مصيرٍ بائسٍ وسوء منقلبٍ، مآل هؤلاء الذين يتقلبون طوعا و إختياراً، في القيد والحجر فلا يكون لهم ثمة خيار آخر، سوى الخروج من سيطرة وهيمنة وطغيان وإستبداد "هامان"، للدخول أو بالأحرى الوقوع في طغيان "فرعون". و تصل مأساة القوم ذروتها حين يكون حتى هذا الخيار بيد "عمر" لا بيدهم.
و يبدو من حديث رئيس منبر السلام العادل، أن موقفه من قضية الديمقراطية، لا يتسم بأية درجة من المبدئية، و أنه لا ينظر إلي أمرها، إلا من خلال سعيه، لتصفية حساباته في الصراع، مع خصومه الأبعدين والأقربين أيضاً كالـ "الشعبيين إخوة الأمس".لذا فلا عجب أن نرى تناقضا جلياً، في رأيه فيستنكر الدكتاتورية والإستبداد بالراي في الحزب، بينما "يمتلئ فمه بماء" إعتباراته الخاصة "القرابة" فتمنعه من إستنكارهما في الدولة. و بحسب قاعدة دفع الضرر الأكبر، بالضرر الأصغر، أو خيار أهون الشرين، فإن الأولى بالرفض والأدعى للشجب والإستنكار، والأحق بالتغيير حتى و لو باللسان كأضعف درجات الإيمان، وفقاً لنص الحديث الشريف، هي إدارة الدولة، بالدكتاتورية والإستبداد والبطش، لأنه أمرٌ يتعلق بالصالح العام، و ينتشر و يمتد تأثيره إلي كامل المجتمع. أما إدارة الحزب، فهي شأن خاص، و لا يجاوز أثره المباشر، عضوية المنتظمة فيه.
و تجدر الإشارة هنا، إلي أن ما أكَده أبو بكر عبد الرازق، وايَّده عليه ضمناً، وعلى إستحياء، الطيب مصطفى، هو عين ما ظللنا و سنظل نكرره ونعيده، دون كلل أو ملل، بأن "فزِّاعة الطير" أي "الهامبول"، أو بعبارة أخرى "بندق الطين" المسمى بالمؤتمر الوطني، صورة كربونية (طبق الأصل)، من سئ الذكر الإتحاد الإشتراكي المقبور، و أنه لا يجوز مجرّد الظن بأنه يحكم السودان اليوم، اللهم إلا إذا كان جائزاً القول بأن المقبور كان يحكم السودان بالأمس، حينما (قرر شعبٌ فرداً فرد - و صمم يهزم حكم الفرد). و لأنه (لا يفهم المكتوب – البقرأ بالقلبة) فقد أعاد الذين لا يفهمون المكتوب، إنتاج تجربة الحزب السلطوي ، الإتحاد الإشتراكي المقبور، كتنظيم لا يملك من أمره شيئاً، ومع ذلك يتخذ كواجهة كرتونية، تغطي سوءة حكم الفرد المطلق. وها نحن اليوم، نرى المؤتمر الوطني كمحض غطاء للحكم الشمولي إرادة الفرد و مشيئته المطلقة.
فإذا كان ما تقدَّم، وكان هناك إجماع قوى المعارضة، بشقيها المدني والعسكري، بما في ذلك المؤتمر الشعبي (فيما يعلن)، بأن أزمة الحكم في السودان، تكمن ( في نظر من يتوهمون " إن وجدوا" وجود حزب حاكم) ، في إنفراد هذا الحزب، بالسلطة والمناصب العامة والثروة والموارد، وكان ( جوهرها في نظرنا) يكمن في خضوع الشعب قهراً و كرهاً، لحكم الفرد المطلق وإرادته الشمولية. و إذا كان ذلك وكان الحل، في رأي القوى المشاركة، في حوار - الوثبة، يكمن في إنهاء إنفراد "المؤتمر الوطني" في الحكم والثروة والموارد والمناصب العامة، بضمان كفالة حق المشاركة إدارة شئون البلاد لكل مكونات الشعب السياسية والإجتاعية والفكرية، دون فرز أو إقصاء. وإذا كان ذلك، وكانت قناعة أبوبكر القيادي في المؤتمر الشعبي، هي أن البلد تحكمها إرادة الفرد المطلق ففيما إذن الحوار مع المؤتمر الوطني، الذي لا يحكم.
فهل يتوهم واهم أو ساذج، من "المندلقين" على الحوار، والمهرولين إليه هرولةً، بعد كل ما ذكرنا، أن المنفرد بالحكم و المستبد بسلطته، سيجود عليه بما بخل به على حزبه، الذي صعد على أكتافه ليصل قمة الحكم وعزه و نعيمه وطيبات أمواله وموارده وأراضيه وقصوره.
و غني عن القول بالطبع، أن إنفراد رئيس المؤتمر الوطني بالحكم، دون حزبه نفسه، كما قال القيادي بالشعبي و وافقه عليه وعلى إستحياء رئيس منبر السلام، ليس أمراً مستجداً أو إكتشافاً حديثاً، بل هو أمر ظلت المعارضة، وأقسام واسعة في النظام نفسه، تلفت النظر إليه و تتحدث عنه، كظاهرة تكاد تقرع بأجراسها الآذان.
و هنا يهمنا أيضاً التأكيد، على أنه ليس ثمة علاقة مطلقاً، بين ما نتحدث عنه، في هذا المقال، من حكم الفرد المطلق و دولته البوليسية الباطشة القائمة اليوم، و التعديلات التي أدخلها مؤخراً، المؤتمر الوطني منفرداً، على دستور 2005م الإنتقالي، الذي صاغه و أجازه، دون مشاركة القوى الساسية المعارضة اليوم. فالسلطات والصلاحيات التي إستحدثتها التعديلات الدستورية، كانت محل ممارسة فعلية من رئيس الجمهورية وجهاز أمنه، دونما أدنى إعتبار، لما في تلك الممارسات من إنتهاكات فظة للدستور. وقد أشار إلي ذلك الكثيرون من قادة المعارضة، والرأي والفكر، نورد أدناه مقتطفات بعضهم، مثالاً دون حصر:
" التعديلات لم تأت بجديد وقننت وضع موجود. وتعتبر مؤشراً لاستمرار الوطني في الحكم والإنفراد به وتحوّله من نظام الحزب الواحد إلي نظام الفرد و الطغيان" د. جمال إدريس رئيس الحزب الناصري (الجريدة 14/1/2015م).
"مهما يكن من أمر، حين نذكر أن نظام المؤتمر الوطني، نفسه لم يكفْ يوماً، عن إنتهاك الدستور، و أن كثيراً من هذه التعديلات التي أدخلت مؤخراً، كانت في الواقع، موضوع ممارسة فعلية، رغم أنف الدستور، كما في حالة تجاوز إنتخاب الولاة، وتجاوز جهاز الأمن صلاحياته بموجب المادة (151) من الدستور الإنتقالي، و أن الأوضاع الدستورية عموماً، لم تكن في أي وقت على ما يرام"، فإن هذه التعديلات تضحى مجرَّد تحصيل حاصل، مجرَّد إضافة مسحة "شمولية" على الدستور، أو "دسترة" الشمولية أو "شمللة" الدستور. الناشط الحقوقي والكاتب، الأستاذ كمال الجزولي / المحامي (موقع سودانايل).
"فالمعارضة تريد حريات – عدم إعتقالات – الحكم بالقانون ودستور متفق عليه، تنفذ فيه وثيقة الحقوق، والرئيس لا يريد ذلك حتى داخل المؤتمر الوطني ..... إلخ. فكل ما في القصة أن الحكومة، و في الحكومة الرئيس تحديداً، لا يريد حريات بهذا الحجم". ( أستاذ العلوم السيساية والكاتب و المحلل السياسي الدكتور الطيب زين العابدين - الأيام/سودانايل 16/2/2015م).
و يعكس كل ذكرناه آنفاً، أن أنظمة أيديولوجيا الثيوقراطية، كنظم الحرس الثوري الإيراني، وطالبان الأفغانستاني، وداعش الشام/عراقي، والإسلاموي السوداني، لا يعترفون بأي دستور أو قانون، بل لا يأبهون لمتراكم الإرث التشريعي الإنساني، الذي يرسخ قيم الديمقراطية والعدالة والمساواة، ويؤسس لدولة المؤسسات و مبدأ حاكمية الستور و مبدأ الفصل بين السلطات، وسيادة حكم القانون و إستقلال القضاء. أي أن جوهر دعوتهم، هو التمييز الأيديولوجي و أساسه الأبارثايد الديني،وهو الذي يميز بين الناس، على أساس الدين والمعتقد، ومن ثم لا يقبل مطلقاً دولة المساواة بين المواطنين و لا يقبل المواطنة كأساس لاكتساب الحقوق، بصرف النظر عن العرق واللون والدين والجنس و اللغة ... إلخ.
نحن لا ننكر أننا، إنما نصارع حكم الفرد المطلق، سواء تزيأ بالزي العسكري، أم جبة رجال الدين، كما لا ننكر مصارعتنا للذهنية القابلة للخضوع للشمولية، سواء كانت إسلاموية أم علمانية. كما لا ننكر سعينا ، مع غيرنا من المعارضين، لفضح و تعرية نظام حكم الفرد المطلق، و كشف طغيانه وإستبداده و فساده. توطئة لاسقاطه بالحراك الجماهيري الواعي و المنظم. و لكننا نضيف إلي ذلك أن المساهمة في تعرية و فضح شمولية النظام، و كشف طبيعته الإستبدادية الغاشمة، ليست وقفأً على خصومه الفكريين و السياسيين وحدهم، بل شاركهم في ذلك، نفرٌ من أبرز قادة الحركة التاريخيين السابقين الأعلام، بل من أميّز أهل العلم و الفكر و الرأي بينهم وبين السودانيين كافة أيضاً. نذكر منهم مثالاً دون حصر، دكتور الطيب زين العابدين، دكتور عبد الوهاب الأفندي، دكتور التجاني عبد القادر، و الأستاذ المحبوب عبد السلام، وغيرهم من الذين قنطوا من إصلاح حال المؤتمر الوطني، كما يئسوا من كبح جماح الطغيان والإستبداد بالسلطة فيه، فآثروا الفرار بجلودهم، من جحيم تنظيمهم، الذي بذلوا في بنائه أنضر سنوات أعمارهم. ونكتفي للإستدلال على ما ذكرناه، بمقتطف من مقال للدكتور التجاني التجاني عبد القادر، يقول فيه:
" أما في حالة النظام السلطوي، فيتحول الإسلام "والإسلاميون"، إلي وسيلة يستحوذ من خلالها "حاكم فرد"، على السلطة السياسية، فيجعلها غاية في حد ذاتها، ويجعل إحتكارها و التشبث بها، واجباً دينياً، فيسبب بذلك ضرراً، للمجتمع و الدين، والحركة الإسلامية التي تقف وراءه. و هذه هي اللوثة التي أصابت، نظام الإنقاذ، وهي اللوثة التي حاولنا كشفها و انتقادها .....إلخ". د. التجاني عبد القادر – الجبهة الوطنية للتغيير، لماذا؟. "سودانايل 23/1/2014م".
فإذا كان حديثنا، فيما تَقَدِّم وما نعيده و نكرره دائماً، دون مللٍ أو كللٍ من قول، عن عوار و خطل، شمولية حكم الفرد المطلق، و خطره الماحق على البلاد و العباد، بما يمثله من حجب و مصادرة الحريات العامة و الإنتقاص من الحقوق الديمقراطية الأساسية، فإن مقتطف الدكتور التجاني، قد أشار إلي ما هو أجل خطراً، و أفدح و آثاراً ، و أسوأ عواقباً و مردوداً، كـ "تحول الإسلام والإسلاميين، إلي وسيلة يستحوذ خلالها (حاكم فرد) على السلطة السياسية فيجعلها غايةً في حد ذاتها، ويجعل إحتكارها والتشبث بها، و اجباً دينياً".
يشير الدكتور التجاني، بإستحواذ (حاكم فرد) على السلطة، وجعل إحتكارها والتشبث بها، واجباً دينياً، إلي واقع سلطة رئيس المؤتمر الوطني، وما يسعى إليه بكل ما أوتي من قوة وعتاد، لتوطيد أركان حكمه واستدامته، بالقوة والقهر والقمع. أنظر قولهم أنهم يمارسون الحكم عبادة لله، وطلبهم من الناخبين ان يصوتوا لمن يخاف الله. وقول آخر أن مجرَّد الإنتماء للحزب لهو دلالة على الورع ومخافة الله، و أن التقوى هي معيار الترقي فيه..... إلخ. وهذا ضرب معلوم، من ضروب الإستثمار في الدين و التكذب و التكسب به، أثبتت تجربة ربع قرن من حكم إسلامويي السودان، أن المتاجرين المتكذبين بهذه الشعارات الدينية، هم أبعد الناس، من التقيُّد بإخلاق الإسلام وقيمه الفاضلة.
و نحن نكتفي ببعض أسئلة نوجهها إلي القارئ فحسب. فهل من تقوى الله والورع، الكذب و الغش " إذهب رئيساً وسأذهب حبيسا". وهل من مخافة الله والتقوى تعذيب المعارضين والتنكيل بهم وقتلهم، وهل من ذلك إعدام الناس "مجدي و جرجس وأركانجلو" في حيازة عملات، حتى بفرض ثبوت صحة إدعاء الحيازة. وهل من عبادة الله قتل الآلاف في دارفور، وجنوب كرفان و النيل الأزرق، والعيلفون و بورتسودان وكجبار، وأمري و الحامداب والمناصير، و إطلاق الرصاص على المتظاهرين السلميين في الخرطوم "شهداء سبتمبر 2013م" وإصابتهم عمدا في صدور و رؤوس الشباب والطلاب. و أخيراً هل من التقوى و مخافة الله، الفساد والإفساد، بأنواعه و أشكاله المختلفة، وسرقة المال العام. و هل نحن في حاجة، إلي القول بأن، نسبة تصرفات و أفعال الحاكم الفرد إلي إرادة الله زورا وبهتانا، و وصفها بالعبادة وتقوى الله، ليست جديدة، فقد إغتال معاوية بن أبي السفيان الإمام الحسن بن علي "رضي الله عنهما" بدس السم له في العسل. ولما قضى مسموماً، قال:" ولله جنودٌ منهم العسل".
و نخلص من كل ذلك، إلي أن نظام حكم الفرد المطلق، هو النقيض المطلق، لنظام الحكم الديمقراطي، المستمد شرعيته من إرادة جموع الشعب، و لذلك فإنه لا يقوم ويبقى، إلآ بالسعي المستحيل للنفي المطلق لتلك الإرادة الجماعية. وهذا بالضبط ما يحاول، فعله حكم الفرد المطلق، في نسخته الإسلاموية في بلادنا اليوم. و هي محاولة يائسة و بائسة، لأنها تجهل أو تتجاهل، دروس التاريخ وعبره، والتي تقرر أن إرادة الشعوب، لا راد لها، و تستعصي على النفي، و أن النصر معقود بلوائها دائماً و أبداً. أما الذين إختاروا بطوعهم و بمحض حرياتهم، أن يجعلوا دروس التاريخ وعبره، دُبر آذانهم واستغشوا و استكبروا إستكبارا، فلا غرو بالطبع، أن ينتهي مشروعهم الحضاري، إلي لا شئ سوى إعادة إنتاج، نموذج شمولية، إمامهم و ولي نعمتهم نميري، و أن يعيدوا تجربة حكمه المطلق البغيض، في نسخته الأكثر أصولية و راديكالية، و الأبشع طغياناً و إستبداداً و دموية. و مما لا ريب فيه، أن مصير شمولية الإسلامويين، القائمة اليوم على حكم الفرد المطلق، هو ذات مصير إمامهم المخلوع، الذي ثار عليه شعب السودان و أطاح به في إنتفاضة مارس إبريل 1985من، و ألقى به في موضعه اللائق به، في أسفل سافلِ مكب قمامة التاريخ.

أمين محمَّد إبراهيم
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 843

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أمين محمَّد إبراهيم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة