المقالات
منوعات
من مذكرات كديسة نباتية
من مذكرات كديسة نباتية
02-18-2015 08:39 AM


*(الهمّ يحول الهمس صراخاً.‏.).
- شكسبير-
..هذه الأوراق طيّرَتْها الريح من مسكن القطة التي كانت تسكن هي وأولادها على سطح المنزل المقابل لمنزلنا، ولجهلنا بلغة القطط فقد اعتمدنا على مترجم معترف مختص بلغة النياو نياو لفك شيفرتها...
كتبت القطة التي لا اسم لها، إذ إن قطط الأحياء الفقيرة لا أسماء لها مثلما لأبناء جلدتها في الأحياء المترفة:
ولدتُ هنا من أم ما زالت تلقط رزقها من حاويات الحي المجاور، وكثيراً ما نلتقي مصادفة ونحن في غمرة نبشنا لقمامة حيّهم، حين نفقد الأمل في العثور على ما يقيم أودنا من هذا الحي.. أما الأب فمجهول لأن من عادة (رجالنا) أن يبذروا الأولاد ثم يتركوا شقاء الحمل والولادة والتربية على الأم.
حاولتُ كثيراً الخروج من هذا الحي إلى أحياء أخرى تتوفر فيها شروط أفضل للإقامة والطعام، لكني فشلت، لا بسبب منع أو حواجز شرطة النظام التي تعددت أسمائها وكثرت، لا سمح الله، فنحن القطط يسمح لنا بالتنقل حتى في خطوط التماس، ولا يسأل عن هويتنا أو ديننا أو طائفتنا أحد، لكني كنت أعود كل مرة بسبب الحنين، نعم، الحنين إلى مسقط رأسي، ألم يقل شاعر من بني البشر منذ زمن بعيد:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل
أما زوجي المفترض، أبو أولادي، فقد تركنا منذ زمن ورحل إلى حي الذوات هذا الحي الذي يقطنه الكيزان من أثرياء السلطة ومن محدثي النعمة، وقد سمعت من بعض الذين رأوه مرة أن وبره أصبح نظيفاً وصحته ممتازة، ولديه اسم جميل، وأن الفتيات يدللنه ويطعمنه معلبات شهية ويحمّمنه بأيديهن... لكن قد تستغربون إذا اعترفت بأني ما زلت أخاف عليه من السيارات المسرعة التي تقطع شوارع ذلك الحي، يقودها فتية صغار طائشون، وأتمنى لو استطعت الاطمئنان عليه كل فترة...
تحمَّلنا فقر الحال الناتج عن فقر الناس هنا، فقمامتهم لا تحوي سوى القليل القليل من عظام الفروج، أما عظام الغنم فهي نادرة، بل تكاد تكون معدومة.
تخيّل أنه لا يوجد جزّار في الحي كله، وحتى نشم رائحة اللحم علينا قطع مسافة كيلومترات إلى الأبراج العالية المطلة على الحي لنبحث عن جزّار هناك...
تحملنا شظف العيش وسوء معاملة الكثيرين من أهالي الحي الذين يضيقون ذرعاً بكثرة عددنا، مع أن معظمهم ينجب أكثر منا سيراً على مقولة أسمعهم يرددونها فرحين: (تناسلوا فإني مفاخر بكم الأمم...).
كما سمعت من يردد منهم أن (فراش الفقر مخصب)، ويبدو أنه كذلك فعلاً... فهؤلاء الفقراء والمعدمون تجد بيوتهم الضيقة مكتظة بالأطفال الذين يملؤون بيوتهم والشوارع صخباً وضجيجاً، بينما قصور أولئك الأغنياء تجد فيها لا أكثر من طفلين أو ثلاثة يفرغون ضجرهم في ألعاب الكومبيوتر والنت وتربية الحيوانات الأليفة مثلنا.
لكن مع بدء التضيق على الحريات والاعتقالات العشوائية لرافضي انتخابات الخج التي تهز المدينة كل يوم، زادت احوالنا سوءاً، حاولنا أن نقنع أولادنا بتحمّل الوضع الطارىء ريثما يقوم اهل الحل والربط بالمصالحات وإيقاف هذا الهرج، أوشكوا على الموت جوعاً، بعد أن فرغت قمامة الحي من أي أثر للعظام أو حتى المعلبات، فعرضوا علي مراراً الهجرة الشرعية إلى أحياء ما زال فيها رمق، أو الهجرة غير الشرعية إلى دولة مجاورة حيث الأوضاع مستقرة هناك، لكني بقيت على رفضي مغادرة هذا الحي الذي لا أستطيع فراقه، فتركني الأولاد وتوزعوا في أصقاع الأرض، وبقيت وحدي أبحث في شوارع الحي عمن يجود عليَّ بأي شيء.
اهتديتُ أخيراً إلى عائلة حنونة، كلما سمع أحدهم موائي سارع إلى تقديم ما تيسر من غذاء لا يحوي أثراً للحوم طبعاً، فكانت فضلات الألبان وكسرة الخبز هي ما تجود بها هذه العائلة الكريمة عليّ، لكن يبدو أن أوضاعهم تدهورت أكثر، فصاروا يكتفون بفتافيت الخبز ثم الخضار المطبوخة، وهكذا تحولت شيئاً فشيئاً إلى كائن نباتي، لا أطيق رائحة اللحوم والدهون، ويسيل لعابي على صحن سلطة أو عدس بالزيت والبصل، وحين يضيق بي الحال أسارع إلى بائعي الخضار الذين يرمون كثيراً من ورق الجرجير التالف والخضار المنتهية الصلاحية، فأتلقفها بفرح وأتحسّر على أولادي الذين لم يعيشوا هذا التحوّل الجميل من كائن لاحم إلى نباتي.
لست الوحيدة في هذا التحول البيولوجي، بل يشاركني الكثير من أترابي معشر القطط ممن رفض مغادرة البلاد وبقي متمسكاً بها رغم الحرب والخراب والفقر.
صحيح أننا فقدنا أنيابنا، وتغيرت طباعنا، ونسينا وظيفة مخالبنا أيضاً، فصرنا نضع عليها المناكير بدلاً من استعمالها للدفاع عن أنفسنا وخوض المعارك مع القطط الغازية، لكن الحمدلله أننا بقينا على قيد الحياة، ولا داعي للمزيد من المواء.
(صورة طبق الأصل).
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 928

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1212034 [سوداني جدا]
5.00/5 (2 صوت)

02-19-2015 06:58 PM
ياخي يقال هناك مغترب و جاء الخرطوم و اراد ان يعطي قطة الفريق تونه مستورده فاخطف قريبه علبة التونه من يده وقال له " انت مجنون الكديس ده بياكل باقي طماطم و رغيف لو اعطيته تونه حيلبس عمه و يطلع فوق راس البيت ويأذن الله اكير وينادي لنا باقي كدايس الحله" ..و بينما ابتلع ابن عمه كل ماتبقى في علبة التونه قال لقريبه المغترب " انتم هناك بتاكلو الكدايس تونه زي دي.. فقال له المغترب نعم.. فقال صاحبنا طيب اديني فيزا وانا ابقا كديستك مييياو مياو...ههههه

[سوداني جدا]

#1211491 [ابراهيم بخيت]
5.00/5 (1 صوت)

02-18-2015 08:32 PM
قد لا تصدق ما اقوله ولكنه الحقيقة وهى ان فى بيتنا قط ذكر اهله البيت يأبون ان يجعلوه ذكراًوينادونه بالكديسة ولكنه للعجب لا يبدى اى تزمر مثل ما يفعل بنو البشراولئك الذين نعرفهم.المهم ان كديسنا هذا هاجر اخوته و اخواته ووالدته الى حى الشاطى ولعلمك فإن هذا الحى من الاحياء "الحية" بكل معانيها بالطبع لا ذكر لوالده .هذا "القط" الاليف تربطنى به صداقة حميمة لعله يلتقى معى فى الافكار وحب الاوطان فقد رفض بإصرار شديد رغم رجائى له بان يبحث له عن دار خيرا من دارنا عله يرم عظمه ببعض ما تجود به مكبات سكات حى الشاطى او نفايا الامريكان الذين استأجروا الفلل الرئاسية او حتى يجاور بنايات "كرتى" او"بيت نافع" ولكنه رفض ذلك بكل إباء وشمم و فضل ان يعيش معناعلى "الحلوة والمرّة"آسف الاصح "المرّةوالحلوة" و اشهد الله انه اصبح نباتياً و لكن ليس على الاطلاق . يعنى لم يك محظوظاَ لدرجة ان يجد الكروم اللفت او الارنبيط او او غيرها من الخضروات التى لم تجد طريقها لبيتنا قط . وهكذا وجد نفسه من محبى العجور بالدرجة الاولى و التبش ثانيأ وقد يشمشم الطماطم ويلحسها لحسا و من يشكك فى ما قلته عليه بزيارتنا فى منزلنا الكائن فى برى اللاماب جوار الصينية الاخيرة شارع المعرض الذى يصر البراريون على تسميته إمتداد شارع الجمهورية . و الغيب ان هذا الشارع تنتهى سفلتته و إضاءته المطلوبة عند نهاية "حوش" معرض الخرطوم . و الامر العجيب الاخر فى "قطنا" هذا انه عند ما تأتى "الحلوة" و تزور وجبة السمك بيتنا و عندما يشم رائحته يهيج هيجانا عاصفا و عندما يأكل ما يلقى له " على قدره" يلتهمه إلتهاماً و لن تصدقونى إن قلت لكم أنه بعد ربع ساعة بالتمام و الكمال يصيبه عسر شديد فى الهضم فيضطر صاغراً على إفراغه فى أى ماكن . وكثيرأ ما سألت نفسى ما ذنب صديقى هذا الذى ينادينى للغداء و يتبعنى لمجلسه و ينتظر تحت ارجلى لألقى له بجزء من عجورة فيلتهمها سعيدأ ؟ كنى على الرغم من عدم تأكدى من توجهه السياسيى إلا أن إحساسى يقول لى بأنه لن يشارك فى الانتخابات المخجوجة القادمة مهما دفعوا له من وراء ظهرى .ببساطة لانه رفض ان يرحل للاحياء إياها المذكورة اعلاه بقناعة الكدايس الوطنية

[ابراهيم بخيت]

ردود على ابراهيم بخيت
European Union [برة] 02-19-2015 01:46 AM
حياك الله يا اخي (كلنا حيوانات)انا كديسة جارة من بري نباتيةاعتاش كما كديسك علي العجور اما الطماطم والبصل ففي المواسم. افسمت الا اغادر وطني الذي يتاكل من اطرافه حتي بحره الازرق غاب خلف غابات الاسمنت وبازنقر التلات تسعات !!! ... بقائي في موطني سببه الاول الوطنية وسببه الثاني الامل ! لا شك عندما تاتي الثورة يتبدل حالنا نحن المتاعيس ونعوض عن الحرمان بهذه الفلل والقصور الفخيمة فالشرعية الثورية تبيح ذلك وخاصة بالتسبة لنا نحن مجتمع الكدايس ... امل ان اراك انت وكديسك جارا لنا في حي الشاطي حيث وقع اختياري علي فصر (فيلا) ابن نافع .. حكي لي كديس صديق ذو عشرة ارواح وعشرون قلبا رماديا ما لا يصدق عن جمال هذا القصر الذي يضاهي ماسمعناه عن قصور الرشيد وهرقل وكسري بالاضافة للحداثة طبعا ! وفي النهاية لا بد لليل ان ينجلي ولابد ان يستجيب القدر كما تقولون يا معشر البشر ...


#1211119 [ابو ساري]
5.00/5 (1 صوت)

02-18-2015 11:12 AM
اسقاط ممتاز متعك الله بالصحة و العافية و متع بك القراء بجميل ادبك

[ابو ساري]

ردود على ابو ساري
[كاتب المقال] 02-18-2015 02:41 PM
الأخ العزيز/ أبو ساري
خالص شكري وتقديري الأخوي لك، أتابع عن شغف التعليقات التي تسطرها على مقالاتي، وهي شهادة أعتز بها ايما اعتزاز، وهي تضعني في مسؤولية ما أكتب، وأتمنى أن عند حسن الظن..
شكراً أخي الكريم أبو ساري
مع أمنياتي لك بالسعادة والفرح.


الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة