المقالات
السياسة
داعش و انتمائها للفكر الحداثوي : قراءة غربية
داعش و انتمائها للفكر الحداثوي : قراءة غربية
02-22-2015 11:49 AM


منذ ظهوره قبل حوالي ثلاثة أعوام فرض تنظيم على الواقع السياسي و العسكري، ليس في منطقة الشرق الأوسط فقط، بل في كل أنحاء العالم. و قد أدى تمدده الجغرافي والعسكري بالإضافة للأساليب التي ابتدعها للتعبير عن أفكاره ليس إلى التفكير في المواجهة لعسكرية الصرفة لذلك التنظيم. فقد اتجه كثير من رموز الفكر و الإعلام و الدين و السياسة إلى إعمال الفكر و النظر من أجل فهم تنظيم الدولة (داعش) فهماً يقود إلى التعامل مع ذلك التنظيم و مفرزاته بشكل صحيح ( حسب وجهة نظرهم). و قد تبلورت تلك الإتجاهات إلى ضرورة إعادة النظر في الأساليب التي تمكّن من فهم تنظيم داعش، بحيث لا يجب الإكتفاء بالحل العسكري فقط. خاصة أن الحل العسكري لم يؤتي أكله بالرغم من حجم الحشد الذي تمّ ضد التنظيم و الذي لم يؤدي إلى كبح جماح و تحجيم وجود التنظيم بل زاده تمدداً و بسطة.
و في نفس الإتجاه بدأ بعض الكتاب من الصحفيين و المحللين و المفكرين في الكتابة عن ضرورة اللجوء لفهم أفكار و مباديء التنظيم و ذلك من خلال مقارنتها بما ورد في تراث و أدبيات الدين الإسلامي.
و في هذا السياق مؤخراً كتب كيفن ماكدونالد و هو استاذ علم الإجتماع في جامعو ميدلسكس في بريطانيا في صحيفة الغارديان البريطانية بتاريخ 09 سبتمبر 2014 في مقال بعنوان: ( Isis Jihadis are not Medieval) .
حيث يقول ماكدونالد في مقاله ذاك: أن أفكار داعش الجهادية لا ترجع للقرون الوسطى بحسب ما يشيع عنها المسئولون و لكنها تنبثق من من الفلسفة الغربية الحديثة. و شرح ذلك بأننا ننظر لما تقوم بها مجموعات داعش من أعمال بربرية موغلة في البربرية و التوحش فإن ذلك يكون باعتبارها تصرفات تعود (للآخر) و بالتالي فإن مثل هذه النظرة كما يقول ماكدونالد :لا تساعدنا على فهم الخطر الماثل. استنادا على ما أدلى به أحد شباب داعش فإن الجهادية المعاصرة لا تعود للماضي و لكنها ايديولوجية حديثة و مخالفة للنظرة التقليدية للإسلام. و هي بذلك تدين بذلك في وجودها للتاريخ السياسي و الثقافة الغربية. و يحاول ماكدونالد أن يربط أفكار الحركات الجهادية المعاصرة المتأثرة بأفكار المودودي المتعلقة بالحاكمية. حيث أن أفكار المودودي نفسها استندت على فهمه و استيعابه لقوانين العالم الطبيعي التي ظهرت في القرن السابع عشر و التي ربطها بسيطرة الله على الكون من خلالها هي نفسها متأثرة بالفكر الغربي.هذا من ناحية و من ناحية أخرى تعود أفكار المودودي لتأثره بالثورة الفرنسية فيما يتعلق بأفكاره المتعلقة ب(المواطن في الإسلام)، حيث أن الثورة الفرنسية التي قامت على فكرة أن الدولة تقوم على المواطن و ليس على مجموعة من القوانين و بالتالي تماهى المودودي مع تلك الفكرة بحديثه عن (المواطن العالمي).
من ناحية أخرى يقول ماكدونالد أن أفكار الجهاديين المعاصرة موجودة كذلك في الفكر المسيحي الذي يقول( خارج الكنيسة ليس هناك خلاص) و التي تحولت بمولد الدول الأوربية الحديثة التي تقوم على مبدأ( خارج الدولة ليس هناك وجود شرعي أو قانوني للشخص أو الإنسان/ المواطن). و بالتالي فهو يشرح مدلولات سلوك الأفراد التابعين لداعش المتمثل في أفعال القتل الوحشي و بتمثيلهم و إذلالهم للضحايا بأنها في رمزيتها تهدف إلى تدمير الجسد في تشيؤه الفردي باعتباره شخص غريب( عنهم و عن فكرهم).

من ناحية أخرى إذا أجلنا الطرف على مفهوم ما بعد الحداثة وجدنا أنها في مجملها دعوة إلى نقض لكل الفلسفات و الرؤى و اليقينيات و الأفكار أو السرديات الكبرى التي كانت مناط تفسير الفكر الانساني و البشري لبضع قرون. علماً أن أفكار ما بعد الحداثة لم تتبلور في نظرية تفسيرية واحدة تتصف بالقبول و الإجماع الكامل من الفلاسفة و المفكرين. و لكنها عبارة عن مجموعة من المقاربات او المفاهيم التي تجد القبول لدى لفيف من الفلاسفة و المفكرون كما تجد الرفض او الإختلاف من غيرهم. و بالتالي فإن ما بعد الحداثة لم تطرح رؤية شاملة تصلح لتفسير الواقع أو التنبؤ بالمستقبل ناهيك عن التحكم في مساره أو السيطرة على مجرياته. و إن كان البعض يرى البعض أن مقاربات ما بعد الحداثة ما هي إلا إمتداد لمفاهيم الحداثة التي تدعي أنها ترفضها.
مجمل القول أن مقاربات ما بعد الحداثة تنكر الواقع المادي و الفكري و المعرفي و الأخلاقي الذي اوصلتنا إليه الحضارة الغربية أو الرأسمالية الغربية. و هي بالتالي تنكر و تزدري كافة المقولات و المسلّمات و النظريات و السرديات الكبرى، سواء الفلسفسية أو الدينية أو السياسية أو الفنية.و يعضّد هذا المنحى ما أورده المفكر الفرنسي جان فرانسوا ليوتار، أحد رواد مدرسة ما بعد الحداثة: بان المذاهب و المعتقدات و النظريات و الاتجاهات الفكرية الكبرى التي كانت الهادي و الموئل للفكر و السلوك الإنساني منذ قرون خلت قد بدأت في التراجع و الإنزواء و الذوبان مفسحة المجال لمرحلة جديدة اسماها مرحلة ما بعد الحداثة. أهم ما في قراءة ليوتار أن إنزواء ما أطلق عليها السرديات أو الحكايات الكبرى( و التي اعتبرها ترجمة حرفية إلى حد ما و مضللة إلى حدما. حيث يقصد بها منظومة المذاهب و الأفكار و المعتقدات الإنسانية).و بالتالي فإن خطاب قيم الصدق و العدالة اللذان ارتبطا بتلك المذاهب و الأفكار قد تزلزلت أركانه كما يرى فرانسوا ليوتار. و بالتالي فهو يرى أن نتيجة ذلك هو إتاحة الفرصة لظهور الحركات الإرهابية. مع العلم أن حديث ليوتار هذا كان في العام 1979 أي قبل ظهور أفكار القاعدة و داعش و ما شابه تلك المنظمات. و بالتالي تأتي قراءته تلك كأنها نبوءة عالم لما سيحدث في مجال الفكر و السياسة .
خلاصة الأمر يمكننا القول، فإن إرجاع أفكار داعش لفكر حداثي كما أدعى ماكدونالد لا تتفق مع مجموعة الأفكار التي تعلنها داعش من حين لآخر. حيث أن داعش و إن كانت تنتمي في أصولها الفكرية و العملية إلى الفكر الأصولي أو السلفي الإسلامي وفق ما تتدواله و سائل الإعلام و ما تنشره في مواقعها و ما يدلي بها قادتها و منظذروها من حين لآخر فهي ترفض بل تزدري و تكفّر واقع و أسلوب الحياة العصرية و تدعو إلى هدمه و تقويضه. في واقع الأمر إن ما يطرحه تنظيم داعش من أفكار و ما ينتهجه من أساليب تتساوق ما يعلنه من من أفكار و تصرفات رافضة و مكفّرة لنواتج الحداثة الغربية و بالتالي يمكن القول ( مع شيء من التحفظ) أن أفكار تنظيم داعش تتساوق مع مقاربات مابعد الحداثة أكثر من أنها تتساوق مع الأفكار الحداثوية و ذلك استناداً على ما تطرحه من مقولات و ما ترفعه من شعارات هي في مجملها رافضة لأساليب حياة و أفكار و واقع هو نتاج شرعي للفكر الحداثوي.
د. محمد عبدالله الحسين
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1301

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. محمد عبدالله الحسين
د. محمد عبدالله الحسين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة