المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
أنظام مدني ديمقراطي معافى أفضل للإسلام،أم هذا النظام؟
أنظام مدني ديمقراطي معافى أفضل للإسلام،أم هذا النظام؟
03-03-2011 12:45 PM

أنظام مدني ديمقراطي معافى ، أفضل للإسلام ، أم هذا النظام ؟

بقلم : حلمي فارس
[email protected]


في وقت بدأت تتلاطم فيه دعوات الخروج للشارع لأسقاط نظام المؤتمر الوطني بالسودان ، كتبت في هذا السيارة الإلكترونية ، وتناقلته مواقع عدة ، مقالي المسمى : ( إسقاط المؤتمر الوطني الآن : خطأ إسترتيجي وطعن في خاصرة الوطن ) !! وقد در علي هذا المقال من الردود ما لم تجره سوابقه ، بين مؤيد سعيد بما ورد فيه واصفاً له بالموضوعية والعقلانية ، ورافض لما جاء به ظان بأنني من ( سدنة ) هذا النظام وأدافع عنه متخفي في أثواب المعارضة !! لكن أغلى وأبلغ تعليق وردني كان سؤال ( هو عنوان هذا المقال ) بعث به ليبرالي عتيق جمعتنا صداقة سنوات الدراسة ومرحلة الشباب وفرقتنا دروب الحياة ، سؤال ظل ينخر في عقلي طوال أسبوعين الماضيين ، طرحته على البعض ودار حوله النقاش بإستفاضة وتمحيص .

أهمية هذا السؤال والإجابة عليه تكمن في أن الكثيرين ممن يعارضون إسقاط نظام المؤتمر الوطني في الوقت الحالي ، وغالبيتهم من ذوي الميول الإسلامية ، إنما يبنون معارضتهم هذه على قاعدة تخوفهم من البديل القادم إن ذهب هؤلاء ، ويدعمون معارضتهم هذه بحسبانهم أن هذا النظام ، برغم إعترافهم بالثقوب الكثيفة التي تشوه ثوبه المتهري ، إنما هو نظام إسلامي قامت به حركة إسلامية وتبنته قواعد إسلامية وتبنى هو برنامج إسلامي أساسه تطبيق الشريعة الإسلامية ، ويدعمون حجتهم بأن ( إصلاح الحكم والحاكم الإسلامي لا يكون بنقض وفتق نسيج الدولة الإسلامية وإسقاطها ، إنما بالإصلاح الداخلي بكل الوسائل المتاحة ) ، وأن ( ترميم البناء وإصلاح عيوبه خير وأيسر من هدمه كاملاً وإعادة بناءه من القواعد ) .

دعوتي للتريث في العمل ( الآن ) لأسقاط المؤتمر الوطني لا تأخذ من حجج هؤلاء شيئاً على الإطلاق ، لقناعتي التامة بأن الحكومة التي يديرها المؤتمر الوطني حالياً لا تعكس في أي من وجوهها ( نموذج دولة الإسلام ) التي يتحدث عنها ويتحجج بها المعارضون لأسقاط هذه الحكومة من الإسلاميين ، بل على النقيض تماماً فأنها تعكس وجهاً شائهاً ونموذجاً قبيحاً لمشروع الدولة الإسلامية في منطقة الشرق الإسلامي ، و قد أدخلت دعاة المشروع الإسلامي في العالم أجمع في ( جحر ضب ) خرب بسبب ما أنتجته وتنتجه كل يوم من سيئات تحسب على المشروع الإسلامي العام وفكرة ( الدولة الإسلامية ) ، فأصبح من العسير على داعٍ أن يتحدث عن نموذج ( المشروع السياسي الإسلامي ) إلا وقوبل بمشروع المؤتمر الوطني السوداني كمثال للثمر المر والتالف لهذه الفكرة . ولعل هذا مما دفعني للإعتقاد والقول بأن أولى الناس واجدرهم وأحقهم بالعمل لإسقاط هذه الحكومة هم ( الإسلاميون المخلصون ) دفاعاً عن دينهم الحق و حماية لمستقبل فكرتهم ومشروعهم الأسلاموي الحقيقي وتثبيتاً لحقيقة أن هذا النظام لا يمثل حقيقة هذا المشروع .

و عوداً للسؤال عنوان المقال : فيلزمني قبل الإجابة عليه التقديم لأجابتي بسؤال تمهيدي قد يثيره في وجوهنا دعاة وأنصار المؤتمر الوطني على قلتهم وضعف حيلتهم : ما الذي ينقص الوضع الحالي بالسودان من مقومات الديمقراطية والنظام المدني المعافى ؟ وفيه من الأحزاب ما يفوق الأربعين ؟ وفيه من حرية التعبير بالقول و الكتابة ما يفوق كثير من الدول التي تدعي الديمقراطية ؟ وفيه هيئة تشريعية منتخبة ورئيس منتخب وبالتالي حكومة ( ديمقراطية ) ؟ وبالطبع يستطيع راعي الضأن في الفيافي أن يرد على هؤلاء بالآتي : ينقصها :

1. حاكمية المؤسسة والأنظمة : حيث أن النظام الحالي يعيبه أن الأفراد وشخوص المسئولين هو مصدر الألهام والقرار في مؤسسات الدولة ، وليس ثمة نظام واضح وفاعل ومهام وأنظمة تدير هذه المؤسسات غير ما يراه مديرها أو قائدها ، فنجد مؤسساتنا التشريعية والتنفيذية والقضائية بجميع أنواعها ترتبط بشخوص من يديرونها من تابعي الحزب الحاكم تحقيقاً لأهدافه لا أهداف الدولة والمواطن كما ينبغي ، وهي بذلك تعكس ملامح ديكتاتورية خفية نبتت في داخل الحزب ( الأوحد ) ثم تسللت من بعده لأوصال ومفاصل الدولة فساد فيها ( المدير الأوحد ) والقائد الأوحد لا المؤسسة وأهدافها وأنظمتها .

2. سيادة القانون وفاعليته : فالقوانين ومؤسساتها في الدولة الحالية بلا سيادة ولا فاعلية ، من حيث شمولها للجميع وتساويهم أمامها ، و من جهة قيام مؤسسات القانون بأدوارها المفترضة بإستقلالية بريئة من رغبة إرضاء الحاكم أو خوف سخطه ، فأصبحت بذلك سيفاً لا يستل إلا على من يريد له السلطان أن يحاسب ، وإلا لرأينا منها فعلاً وقولاً ناجزاً في كثير من قضايا الفساد والإفساد وإهدار حقوق وكرامة العباد التي جرى ويجري تداولها يومياً بالصحف والمجالس ، ولا تتحرك وزارة عدل ولا نيابة عامة لأحقاق حق أو رد ظلم أو صيانة مقدرات الدولة المنهوبة ، وهي بذلك تهمل عن قصد أو تراخي أهم وأول واجبات القانون ومؤسساته .

3. فصل السلطات وإستقلاليتها : حيث الحزب الحاكم ( الأوحد ) يجمع في يده خيوط السلطات جميعها ، وهي داخل الحزب في أيدي ( القلة أولي القوة ) التي تدير البلاد ، ويأتمر بأمرها السلطة التشريعية فهي من أتت عبرهم ، وتطيعهم التنفيذية التي تملك هذه ( القلة ) تغييرها كما يغيرون ( جواربهم ) في إجتماع مسائي على كوب شاي ، وتسيطر هذه ( القلة ) في الحزب ( الأوحد ) على السلطة القضائية التي يفترض بها حماية الدستور والقانون ( عن أي دستور نتحدث ؟ لست أدري ) فنجدها تغض الطرف عن تجاوزاتهم ، وتتغاضى عن القيام بأدوارها المتعارف عليها في كل العالم ، بل و ( تقنن ) لأفعالهم في كثير من الأحيان .

4. العدالة والتساوي في الحقوق والواجبات : وبإختلال الثلاثة مقومات السابقة أختلت الرابعة ، حيث يستأثر ( الجزب الأوحد ) وأتباعه ، و( القائد الأوحد ) وحاشيته بمفاتيح ومقاليد الأنظمة والمؤسسات ، وتجتمع في أيديهم السلطات ، والثروات ، وتتقاصر أمامهم قامات القوانين ومؤسساتها ، فأضمحلت مؤسسات المجتمع المدني حتى أوشكت على زوال ( إلا حزبهم ومؤسساته ) وضاعت حقوق وكرامات الأفراد إلا من أحتمى بظلهم ، وفقد الناس فرصهم في الحياة الكريمة وهم بها ناعمون .

و رداً على السؤال ، بعد بيان حال دولة اليوم الراكدة بلا حراك تحت إبط المؤتمر الوطني ، فإنني أرى ، ولا أريكم ما أرى إلا من أراد ورأى من نفسه ،:

(( أن دولة مدنية ليبرالية بديمقراطية حقيقة معافاة تضمن لمواطنيها :

1. كرامة وإنسانية مصانة بلا إنتهاكات .

2. حياة كريمة سليمة مستقرة بلا عوز وحاجات .

3. حرية شخصية وجماعية تامة في التفكير والتعبير والخيارات .

4. عدالة قانونية ناجزة يتساوى أمامها الحكام والأفراد والمؤسسات .

5. حقوق أساسية واضحة تنبني على القيام بالواجبات .

دولة كهذه ونظام ( إن وجدت ) ، وإن قامت على غير دين الإسلام أو شريعته ، أو لم تتخذ الإسلام شعاراً أو مشروعاً ، هي خير وأفضل للإسلام والمسلمين ولعامة المواطنين والبشر من دولة نظام المؤتمر الوطني الحالي ولو نضح ( التدين ) من وجوه و أنوف وآذان القائمين عليه .

فبمثل هكذا نظام مدني ليبرالي ديمقراطي معافى يحكمه القانون ، وفي ظل هكذا دولة قامت ونمت وسادت حركات الإصلاح الإسلامية الحديثة في تركيا وماليزيا وغيرها ، فقدمت لنا نماذج نعتز بها ونفخر ، وفي ظل نظام المؤتمر الوطني الذي يملاء الدنيا صياحاً بأنه جاء بالإسلام وللإسلام وبإسم الإسلام ، رأينا الكبت والظلم والفقر وإهدار الكرامة والإنسانية والفساد والإفساد والمحسوبية والثراء الحرام ولا رقيب ولا حسيب ، فهل يمكننا أن نفضل دولتهم هذه على تلك لمجرد إدعاءهم انها ( إسلامية ) ، وأن تلك ( ليبراليه ) ؟

تغيير هذا النظام أصبح حتمي لا فرار من ذلك ، فإن كان لإسلامي السودان المخلصين حرص على مشروعهم وفكرتهم فليبادروا هم بالتغيير والتصحيح ، أو فليُبشِروا بالدولة المدنية الديمقراطية المعافاة ، فهي الأقدر على تحقيق أهداف مشروعهم الحقيقية من هذا النظام ، وهي الأجدر بمنحهم شرعية حقيقية يحميها القانون .

فإن إهتبل المؤتمر الوطني وحكومته البراح الزمني المتاح حتى التاسع من يوليو القادم ، فأصلح ذاته وسياساته، وأصلح ذات البين بينه وبين بقية الأحزاب الوطنية وفتح أبواب البلاد لعمل وطني سياسي حر ونظيف ، فهنيئاً للوطن ولحملة مشروع النهضة الإسلامي بالسودان ، أما فإن أستمر المؤتمر الوطني في غيه وسارت به ( القلة ذوو القوة ) على طريق ( لحس الكوع ) و ( الدايرنا يلاقينا في الشارع ) وغيرها من أساليب البلطجة والعنترة الشوارعية ، فإن الخاسر الأكبر هو الإسلام وحركته ومشروعه السياسي في السودان ، حيث إنه إذا جاء التغيير الحتمي المنتظر بهبة ثورة شعبية أو عمل عسكري داخلي أو خارجي فلن تقوم للمشروع الإسلامي في السودان أو الجوار قائمة لسنين طويلة .

هل سيعي إسلاميو السودان القصة فيبادروا بالإصلاح أم سيلتقم مشروعهم ( الحوت ) ولا مُسَبِح ؟


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 870

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




حلمي فارس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة