المقالات
السياسة
الشهيد محمود..إعتذار وتوضيح.. و عن مساءلة التاريخ..!!
الشهيد محمود..إعتذار وتوضيح.. و عن مساءلة التاريخ..!!
02-24-2015 09:57 AM


بسم الله الرحمن الرحيم

تناول المسائل التاريخية تكتنفه كثير من الصعاب، الذاتية(الصبر علي البحث او قصور الأدوات البحثية والمنهجية!) والموضوعية(الإلتباس الذي يحيط بالقضايا المثارة، وتعدد زوايا الرؤية، وطول الفترة الزمنية وندرة المصادر ودقتها..الخ!) ولكن يظل الأكثر تشويه للمسائل التاريخية هي النظرة الإيديولوجية! وبتعبير آخر، توظيف حوادث التاريخ وقضاياه في الراهن المعاش! أي صعوبة الحياد في النظرة الي قضايا التاريخ، تحت ضغط الوقائع والمصالح الآنية! ولكن الصعوبة نفسها تزداد صلابة وتعقيدا في بيئتنا المحلية تحديدا! وذلك نسبة للخلط بين الذاتي والموضوعي، والحساسية المفرطة في تناول الأحداث التاريخية او مجرد التشكيك في وقائعها او مس شخوصها وأبطالها ورموزها، بنقد ولو مخفف وتقصد التقوييم لوجه الله، هذا من ناحية. ولرسوخ المقولات الرائجة، بغض النظر عن حقيقتها او معقوليتها، في العقلية والوجدان العامين، وصعوبة زحزحتها او وجود إمكانات لمجرد ملء الفراغات التي تضعف تماسكها وتعصف بمنطقيتها! لتعارض ذلك مع اليقينيات التي تسمهما وللخوف من الخوض في الحقائق المجردة! وتاليا تحطيم الصور المقدسة، او الأنموذج المعشوق، او فطم شهوة وهدهدة دور الضحية! وفي الحقيقة إدمان الحالة المريحة من عبء البحث وعناء التساؤل وكدح العمل او إيجاد الظروف التي تنتج البديل! أي الإستعاضة عن بذل الجهد والإنتصار للحاضر بكل تعقيداته، بالهروب الي الخيال او الماضي او المظالم او المثال الخارق! أي المقصود، وضعه(المثال، فرد او حادثة) في إطار أكثر عقلانية يستصحب ظروف عصره وبيئته وحدود إمكاناته، أي عجزه وتقصيره عن الكمال المماس للإستحالة! وتاليا وجود مساحة بطريقة او بأخري، لفتح مجري النقد او علي الأقل الرؤية المغايرة، وبكلمة واحدة، حق المحاولة في التاريخ، إن لم نقل دافع/محرك سير التاريخ الي الأمام. ولكن ذلك لأ يقصي الفرادة والتميز، من التواجد علي مر الأزمان! بل يؤكدهما! ولكنه يؤطرهما بسياج الحقائق والإمكانات المتاحة! لأن ذلك يحفظهما من التشكيك والتطاول عليهما، هذا من ناحية! والأهم أنه يقطع مع ذهنية/نفسية المعجزات الأسطورية المضللة، وإن شئت المراهقة! وخطورة ذلك ليس علي الماضي وحده ولكن الأهم علي المستقبل وفرصه! أي ليس هنالك ما يمنع ظهور أمثال أولئك العظماء علي الدوام، ولكن في ظروف الحاضر والمستقبل، وفي إطار النسبية التي تحكم كل العصور، أي يمكن أن تحل المؤسسات محل الفرد/العظيم، وهكذا من ضروب التجاوب مع ظروف الملاءمة الزمانية/المكانية! بل أهمية أولئك العظماء تحديدا، في أنهم أثبتوا إمكانية التواجد والمساهمة الإيجابية في تطوير الحياة! وهذا يكفيهم فخرا وشموخا ولا يحتاج منا للمزيد!
وهنالك جانب آخر، لا يقل أهمية في صعوبة تناول المسائل التاريخية! وهو الميل العام لعادة المشافهة( أونسة التاريخ/ من الونسة كأحد آليات الترويح عن النفوس المرهقة المحرومة العاجزة مع توافر الزمن والفراغ!)، او علي الأقل التكاسل او إزدراء عملية التوثيق للأحداث التاريخية او التأثر بالحياء والتدثر بالصمت علي الأخطاء! أي تغليب فقه السترة السلبي علي المكاشفة والشفافية الإيجابية(مع التفريق بين السلوك الشخصي او الحياة الشخصية والأداء العام!) كأحد خصائص العمل العام وواحدة من صمامات أمانه! من قبل أفراد معاصرين، يعلمون يقينا الكم الهائل من الترهات والبطولات الوهمية، لبعض الأفراد وصولا لحالة تضخيم الوطن ذاته( كدلالة مرض وليس سمات عافية!) التي تبذل بسخاء يبز عطاء من لا يخشي الفقر! سواء علي فضاء الأسافير والصحف الورقية او من خلال البرامج الإذاعية والتلفزيونية! والأكثر مدعاة للأسف، أن هنالك رموزا حقا وبطولات أكثر حقيقة، نجدها مغيبة ومقصية عن دائرة الإهتمام والتركيز الإعلامي والوطني والإنساني! رغما عن عطاءها الثر وإنسانيتها المجيدة وأعرافها المشرفة! خصوصا عندما يتعلق الأمر، بالأطراف والقبائل والمجتعات والديانات الهامشية! أي كأن للبطولة ورموزها والخيرية وإيجابياتها، جهات وأعراق وديانات محددة! وليست وصفات وسلوكيات ومواقف عابرة، تطاول الأطراف والهوامش بقدر ما تمس المراكز والنخب المسيطرة! إن لم تتفوق عليهما، في حدود النسبية المذكورة آنفا، او تعدد المعايير والقياسات ونفي مركزيتهما ونخبويتهما!! وهذا بدوره يدل علي أن التاريخ نفسه نسخة إيدولوجية معدلة او تفضيلي/إقصائي بطبعه وإهتماماته! فالبسطاء والمهمشون لهم دور في التاريخ أيضا، وبنفس القدر يؤثر المجرمون والخونة في وقائعه و صناعته كذلك، وليس من تُسلط عليهم الأضواء والإهتمامات وتاليا المكاسب المتحصلة، وبالطبع ليس من الضرورة أن تكون مكاسب مادية، فقط! ولكن يظل التعامل معه بمنهجة وعلمية أفضل الموجودات!! المهم أن الصمت في حال كهذه، من قبل المعاصرين يشكل جريمة مزدوجة! او علي الأقل تواطؤ او خوف من الآخر، السلطة او الجمهور! والخلاصة، المطلوب ليس البحث عن بطولات وهمية، او وجهات نظر مخالفة للمعتاد والسلام! ولكن المقصود، الإقتراب من مظان الحقائق بقدر المستطاع، لتشكيل ذاكرة وطنية حية، تعين الأجيال القادمة علي الحكم بأريحية ويقين أكبر! وهذا غير أنها تمنحهم خبرات ثرة ودروس مجانية لأخذ العظة والإعتبار! وبقول واحد، يجب إعطاء الباحثين التاريخين او غيرهم، مساحة أكبر من الحرية والحركة، او رفع سقف المسامحة حيالهم! وإبعاد سيف اللوم والتشكيك والإحراج والإتهامات الجزافية التي تدعي التسرب في خبايا النفوس والتعرف علي ميول الوجدان، عن رقبة الباحثين و أبحاثهم وطريقة إدارتها والمستخلصات التي يتوصلون إليها! إلا في حدود منهجيات مضادة، تتحري الدقة والمعرفة المجردة كغايات يفضل إدراكها، وتنأي بالأفراد ومنابعهم وميولهم ودوافعهم الخفية، عن دائرة الصراع او ميدان البحث!! وذلك ليس من أجل خاطر او عيون الحقيقة وحدها! ولكن بشكل أخص لتحرير المعرفة من القيود والحواجز والمصالح والميول! وتاليا ترقية الوعي العام وتحريره من سلطة العادة والعموميات والتعميم المجاني، المفضي للتكلس والجمود ومن ثم التخلف والإندثار! ومن أجل دفع الوعي لمزيد من الإستقراء الواقعي والموضوعية وحسن الأداء، أي القدرة والكفاءة والفاعلية في أفضل صورها! أي كوسائل من أجل تحسين وترقية الحياة، وجعلها مكان أفضل للعيش والإبداع!
وإحتمال للتاريخ مدارس متعددة للقراءة او مداخل متباينة للرؤية والتناول! وعموما أميل للتناول الشامل وعدم أغفال حتي ما يعتبر عناصر هامشية في صنع الحدث! أي تناول البيئة المحيطة بكل محتوياتها! حتي تضع المتناول في الصورة الأقرب للحقيقة، او تترك له مساحة للحركة، وتغليب جانب علي جانب!! وتاليا إشباع حاجات الراهن ومصالحه، في حدود أكثر موضوعية، طالما هنالك شبه إستحالة في نفي مطالب الحاضر وإستبعاد شبح فرض مصالحه، عن رؤية التاريخ! وبالطبع للآخرين حقهم في تبني ما يرونه مناسبا.
هذا المدخل لابد منه، لتناول مسألة تاريخية ذات طابع مؤلم وحزين! تتعلق بجرم شنيع، وتردي النفس الإنسانية لمهاوي الإنتقام الشخصي والتشفي والرغبة العارمة في التخلص من الخصوم! بوسيلة أقل ما يقال عنها، إنها ضد الشرف والمروءة وسلامة الضمير، إن لم نقل هي تعبر عن سوء التربية وفساد الأخلاق! عندما يتم إستغلال السلطة وتطويع القوانين وإلباسها غير لباسها، غصبا عن حساسية المناصب وروح العدالة وحيادية الأجهزة وتصميم الدساتير! مع عدم منح الخصوم أي فرصة للنجاة او رخصة زمنية تعيد تلطيف النفوس وذهاب عمي البصيرة والغضب الشيطاني، او حتي التعرض لنفحات شبهات/مراجعات وأهية، تمنح الحكم الجائر بعضا من الإختشاء!! أي عندما يتم إعلان الحكم قبل بدء المحاكمة، ويتحول القاضي الي جلاد، والمحاكمة الي غطاء مهترئ، يعجز عن ستر عورة جورها وطغيانها! ولذلك التعرض لها يتطلب غير الحرص والحذر، عدم الوقوع في شركها! أي إطلاق الأحكام السهلة ذات الغرض المبيت بليل بهيم!
وسبب التوضيح والإعتذار، أنني قد حملت الدكتور الترابي وجماعته، المسؤولية المباشرة عن جريمة إغتيال الشهيد محمود محمد طه. وذلك بسبب إعتبارها من البديهيات، أو السرديات الدارجة المروية عن ملابسات إغتيال الشهيد محمود محمد طه! وهو جرم لو تعلمون عظيم بناءً علي أعلاه. أي الغرض التمييز بين المسؤولية المباشرة، والمسؤولية غير المباشرة! التي تستفيد من الحدث وقد تمهد له لأغراض تخصها حصريا! وبناءً علي ذلك، يبدو أن تحميل الدكتور الترابي وجماعته الوزر المباشر لجريمة الإغتيال البشعة فيه وقفة! او يحتاج لمراجعة وكر البصر أكثر من مرة! ولكن ذلك لأ يعني تبرئة الجماعة الضالة وقائدها الدجال، من تهمة العجلة في إستخدام العنف، والتساهل في إسترخاص دم الأبرياء، أو تورعهم عن إرتكاب جرائم في مرتبتها او أكثر منها شناعة! إذا كان ذلك يخدم مصالحهم حصريا. ولكن القصد، أن هنالك جهة لأ تقل عنهم سوء وفساد كفتهم مؤنة هذا الجرم الشنيع، الذي يخدم مصلحتهم بشكل او بآخر! وتحملت عنهم بغباءها المستحكم و تمكن داء الغرض الخبيث منها، عبء تلوث أياديها بدماء الضحية، وتدوينه في سجلات الخزي الي الأبد!! وأهمية هذه الوقفة او المراجعة، إنها صدرت من شخصية فكرية ذات باع طويل في دروب السياسة، ودربة وعناية في مجال الكتابة، إضافة الي تمتعها بالحس التاريخي والروح التوثيقية والنفاذ الي الحقائق في مظانها الأقرب للصحة والجوهر، متجاوزا ظواهر الحقائق وعمومية الآراء، او كثرة تداولها ورعب سلطاتها وقيود أسرها وقوانين تكبيلها، بسبب تصادمها مع البديهيات الراسخة في الوجدان الجمعي! إن لم نقل الرغبات الجمعية!!(المقصود الدكتور عبدالله علي إبراهيم، متعه الله بالصحة والعافية وأطال في عمره بما ينفع الناس والوطن). وقد أرجعت هذه المراجعة وفقا لإستيعابي لمفرداتها، جزءً كبيرا من وزر إغتيال الشهيد محمود، الي الهيئة القضائية!! وذلك بعد توضيح الخلفية والجذور التاريخية للصراع بين الشهيد محمود من جانب، والجبهة القضائية من الجانب الآخر! والتي تعاني بدورها من تقسيمات داخلية، تسبب فيها الإستعمار! وهي تقسيمات وضعت المكون الشرعي(العدو بالتحديد) في موضع الهامش ماديا وإجتماعيا وإمتيازيا! مقارنة بالمكون المدني الذي حاز علي الإمتياز الكلي او الشرف من جميع أطرافه! وهي تقسيمات أصابت المكون الشرعي(التقليدي!) بالصغر والإحباط والتهميش! وبدلا من النضال من أجل تغيير هذا الوضع الطبقي المعادي لهم! نجد رضوخ الشق الشرعي لهذه التقسيمات المجحفة وإستسلامهم لوضعية الأدني! ومن ثم محاولة الهروب الفردي منها، والإرتماء في أحضان الشق المدني(المتعالي! مما يدل علي عدم المبدئية والخلل الذاتي"ضعف الأفراد" وليس الموضوعي حصريا"التقسيمات المصطنعة" في هذه الوضعية البائسة!) عبر الإجتهاد الفردي او العلاقات الشخصية والتنظيمية! بتعبير آخر، بدلا من السعي لتغيير المفاهيم والثقافة والنظرة الدونية لدورهم وتأكيد أهمية الشق الشرعي وصلاحيته، كوظيفة مكملة في حفظ توازن الجانب القضائي اولا، وثانيا وهو والأهم التأثير في سير دولاب العمل في الدولة ككل! أي لأ فرق بين وظيفة وأخري، إلا بمقدار التقوي الإجتهادية الأدائية، أي البراعة والإخلاص في القيام بالمهام في حدود اللوائح والنظم! أي رد الإعتبار للشق الشرعي وقتل التمايز الوظيفي والإستعلاء المهني في الذهنية العامة! نجدهم وبكل إستسلام وظيفي وعجز قدري، لجأوا للهروب من جحيم هذا الواقع الفاسد، بالإرتماء في أحضانه!! وكفاهم ضعف الإرادة وهوان النفس شر تغييره وتعديل كفته المائلة! وأيضا لشئ في نفس بعض القضاء الشرعيين، وهو بعد تجاوز عقبة التحول الي الجانب المدني، الحصول علي إمتيازاته، كواقع خليق بهم وبإمكاناتهم! التي لطالما شككت فيها، الوضعية التقليدية الي رسفو تحت أغلالها سنين عددا! ليعيدوا إنتاج التمايز والإستعلاء علي أشقاءهم التقليدين السابقين! ولكن مع إحساس بالحسرة المكبوتة، كدخلاء علي هذا الشق المدني المترف! أي نوع من الإستعلاء الحامض ذو النزعة المرارية الإنتقامية!! ومن سوء حظ الشهيد محمود أنه وقع في مواجهة هذا المكون التقليدي، الذي يعاني من العقد والتهميش! وما زاد الطين بلة والجرح إهانة! تحدي الشهيد محمود لهذا المكون، إستهانة به! لعلمه المسبق بقصور سلطاته وضيق إختصاصاته وضعف مرجعيته! أي حصرها في قضايا محددة لا تطاول أفكار وطرح الشهيد محمود بحال من الأحوال! وهذا فوق أن الجدل الفكري ساحته منابر الفكر والجدال والندوات والمناظرات! وليس سوح المحاكم وتهديد السلطات وتأليب الرأي العام! المهم إتسمت العلاقة بين الطرفين، الشهيد محمود من جانب والقضاء الشرعي من الجانب المقابل، بالترصد وتصيد الأخطاء ضد الشهيد محمود! وببزوغ فجر قوانين سبتمبر الكاذب! إمتلك القضاء الشرعيون(المكاشفي حاج نور والمهلاوي!) النفوذ السياسي والأسبقية القضائية! وعندها لم يتحلوا صبرا، وعاجلوا الي مواجهة خصمهم العنيد! وإستباقا لأي تطورات غير مضمونة،إنتهوا الي إعدام الشهيد محمود والتخلص منه بضربة واحدة!! وكان في تنفيذ هذا الحكم الجائر المستعجل خدمة لثلاث جهات، لطالما أرقها أمر الشهيد محمود وأصلاها عناءً وزادها رهقا!
أولها، القضاء الشرعيون، من خلال التنفيس عن جنون غضبهم وحقدهم الأعمي وإنحسار منسوب مروءتهم الي الحضيض! والإستعداد لفش غبينتهم ضد المرحوم، ولو علي أنقاض حرمة القضاء وأمانة المسؤولية وعظمة التكليف! بل وتوظيف آليات الدولة للإنتصار للنفس، بعد أن أعيتهم الحيلة وخانتهم المعرفة، وقصرت عن بلوغ غايتهم نقص الكفاءة وعلو شأن الخصم علي كل الجبهات، المعرفية والأخلاقية والوطنية!
وثانيها، الجماعة الإسلاموية بقيادة الدكتور الترابي(أحد أعاجيب الزمان ومحن السودان وملك التناقض والبراغماتية الرديئة بإمتياز!) وذلك بالتخلص من خصم يستند الي نفس مرجعيتهم، ولكن وفق تصورات أكثر رحابة وإنسانية، ومجاراة لروح العصر وتطلعات المستقبل، وقبل ذلك مهجسة بالمواطن العادي وهمومه، ورغبتها الصادقة في صلاحه وإصلاحه! أي دعوة تتسلح بروح الإيمان وطاقاته الروحانية الهائلة، ووسائل الدنيا وفرصها المتاحة، من أجل خير الدارين! وبتعبير آخر، مثل مشروع الشهيد محمود تهديدا مباشرا لمشروع الدكتور الترابي، الوالغ بدوره في بركة المنافع الشخصية الآسنة، ودماء السلطة والموطنين والوطن، وحضيض إشباع الغرائز الحيوانية! أي المشروع المعادي للوطن والمواطنين والحرية والأمل بصورة جذرية. وقد أثبتت الأيام ذلك، حتي أتي علينا زمانا رأينا فيه الإسلامويين ينتقدون مشروعهم!! وبغض النظر عن إهتراء النقد الذي يشابه هشاشة وركاكة المشروع الهلامي ذاته، إن لم يتفوق عليه! وكفي بإنقلاب السحر علي الساحر والأبناء علي الآباء وإنكسار الطغاة وأعوانهم واعظا!!
وثالثها، الدكتاتور/الدرويش (درويش السلطة) النميري، الذي وجد في هذه المحاكمة العبثية، القشة التي تعصمه من الغرق المحاصر! أي الغطاء الذي يواري به سوءات نظامه وعوراته المتسعة كل صباح! والأسوأ تبريراته للمحاكمة ولهفته علي الخلاص من الخصم العنيد! الذي إستتبعه كم هائل من الأخطاء والخطايا، التي تسئ ليس للنميري كفرد لأنه السوء والجهل بعينه، ولكن بقدر أكبر لمنصب الرئاسة والدائرة المحيطة به ومسؤولية السلطة والنخب السياسية في المقام الأول!
وما ساعدهم علي هذه النهاية المآساوية، وجرح الزمان الدامي، وإنتكاسة الإنسانية في مدارج صعودها! علمهم المسبق بصلابة عود الشهيد محمود وعناده وعدم تراجعه عن قناعاته، ولو علق علي أعواد المشانق، وهو ما إنتهي إليه فعليا! ولكن في شموخ يحاكي أساطير التاريخ وبطولاته العجيبة! والسؤال، هل تقلل هذه المراجعة من سمو ورفعة الشهيد محمود، أي هل تغيير الجاني او تبدل أشكال المجرمين وأدواتهم، يمس خاطر فعل البطولة وكرامة الثبات علي المبدأ علي حد السيف وشفير المشانق وإغراءات الحياة! كلا ألف مرة! ولكن القضايا ذات الطابع التاريخي، المعيار فيها يرجع، للموضوعية والوثائق والإبتعاد عن التحيزات الشخصية حبا او كرها! وفي نفس الوقت، لا تعني هذه المراجعة، قفل باب الإجتهاد والإستقصاء وتجديد زوايا التناول والقراءات المختلفة لهذه الحادثة الأليمة، التي يتداخل فيها الشخصي بالعام والسياسي بالديني والمهني بالسلطوي! ولكن يفضل من يتصدي لها، أن يدعم حجته بالأدلة والأسانيد والنظرة المعمقة لمجمل الحدث، أي بأبعاده السياسية والوطنية والقضائية والإنسانية! وذلك كما أسلفنا، من أجل المعرفة وحق الأجيال اللاحقة في بناء آراءها ومواقفها إستنادا علي حقائق، تعين علي تشحيذ الهمم وإنارة العقول! بدلا من الإستناد الي تخمينات وتعميمات مريحة للبال واللحظة الراهنة، ولكن ضررها أكبر علي المدي الطويل، أي عندما تعجز الفراغات والثغرات عن الإجابة علي التساؤلات الحارقة والطلبات المتجددة كل حين!!
ولكن أكثر ما آلمني وأثار الإحباط والغثيان والإرهاب في نفسي، وشكل دليل عملي علي رسوخ الثقافة الداعشية، ليس في تراثنا الديني والسياسي والتاريخي فقط! وإنما داخل قرارة النفس البشرية، عندما تنحط وتحركها الأحقاد والغضب والإحتقار والإحساس بالمهانة والكره تجاه الآخر/الخصوم، حتي ولو كانوا مجردين من كل أسباب المخاطر والشرور! أي هي حالة بشرية عامة، ليس لها علاقة بدين او ثقافة اوبيئة محددة، ولكنها لصيقة بطبقات النفس الداخلية ومجاهل الظلمات في سردايبها وإنغلاقاتها! أي عندما يسكنها الظلام وتتجرد من قيم الخير المطلق، تاركة المجال لتسود قيم الشر المطلق! كالتشفي والإنتقام وصولا للإستمتاع بتعذيب الضحايا وسحلهم ماديا وإعلاميا! وفوق أنها حالة مرضية، فهي شديدة الإنحراف عميقة الضلال وفائقة الجبن والنذالة، بدلالة إختيار ضحاياها من البسطاء والأبرياء الذين لا يكلفونها مشقة البحث او مخاطر التعرض للحصول علي الأقوياء! وبكلمة واحدة، هم أقوام ما قبل مرحلة التوحش والبربرية، وما بعد العقل والأخلاق والضمير! أي هم يمثلون لا معقولية اللامعقول ذاتهّ!! والواقعة التي إستعادة أجواء داعش بكل توحشها وإرهابها وساديتها! تتعلق تحديدا بقضية الإستتابة؟! التي فرضت علي بعض قادة الفكر الجمهوري، وهم من أهم خلصاء ورفقاء وعارفي فضل الشهيد محمود! فتلك الإستتابة وبتلك الكيفية وفي تلك الأجواء الإرهابية، مثلت حالة فريدة من القهر والإستهانة والإذلال، أي الحط من الكرامة الإنسانية في أبلغ تجلياتها! وهذا ناهيك عن أن مفهوم الإستتابة نفسه، وعند إخضاعه لمحاكمة العقل والوجدان السليمين، نجده يناقض طبيعة وروح الإيمان العقدي ومداره الباطني! وبتعبير آخر، مفهوم الإستتابة فيه تجاوز للبشري وإفتئات علي حقوق الله، او المرجعية الروحية المطلقة لأي عقيدة أخري! وهذا ناهيك عن أن القائمين بأمرها، يتلبسهم وهم الإنابة عن الله او الحلول محله، او تمثيل جوهر الخير والصاح المطلقين! في حين أنهم أكثر عداوة لله ودينه وتعدي عليه وعلي خلقه، فيما يصدر عنهم من ظلم وإرهاب وهضم حقوق الغير المادية والروحية!! لذلك، أعتقد أن الشهيد محمود نفسه كان أفضل حظا بإعدامه المادي! مقارنة بالإعدام المعنوي والإنساني الذي طاول هؤلاء الرموز!! خاصة بعد إجبارهم، ليس التنكر لقائدهم والتبرؤ منه فقط! ولكن أن يتم ذلك بصيغ الإساءة له والحط من قدره، مع عدم إتاحت أي مجال للمراوغة او الإختباء خلف تلطيف العبارات المهينة! أي لم يكتفوا بمأساة مقتله ومرراتها في نفوسهم، ولكنهم زادوا عليها الإهانة والتشنيع له ولهم وللإنسانية جمعا!! وزيادة في المهانة، يتم تصوير تلك الوقائع المخجلة المحزنة من أجل تعميمها، لمزيد من التشفي والحط من كرامة الآخر! أي تعميم إحتقار الجمهوريين كفكرة وكأشخاص، لطالما أرتقوا ذري المجد الفكري والأخلاقي والحضور الزاهي في حضن الوطنية والوطن! هل بعد ذلك يمكن الإندهاش من فظائع داعش الخرافية الراهنة، أي بعد خطف البصر سريعا تجاه تاريخنا القريب مع الإسلام السياسي والإستبداد وإفرازاتهما العدمية؟! ولا أدري كيف عاش تلك الفترة الحالكة، كل من له وعي سياسي او إدراك لطبيعة تلك المحاكمات وفظائعها، التي تبز محاكم التفتيش طيشا وجرائمية! أي هل عاش الناس في تلك الفترة حياتهم العادية، يأكلون ويشربون ويتزوجون ويتاجرون في الأسواق؟! أي ألم تغص اللقمة في حلوقهم ويجافيهم المنام وتهون عليهم أنفسهم والسياسة والبلاد؟! ما أسوأ النفس الإنسانية عندما تنحط الي درك الأحقاد والكره والرغبة في الإنتقام! ويزداد هذا الأمر سوءً، عندما تكون الضحية بحجم الشهيد محمود وصحبه الأخيار! أي عندما تكون مثال في المروءة والعفة والسمو الروحي والتواضع الدنيوي، تحركها نوازع الخير للبشر والحجر والشجر والرغبة في صلاح العباد وسلامة وترقية البلاد!
مساءلة قبل الختام..!!
سؤال برئ، إذا لم ينتمِ الشهيد محمود للثقافة الإسلاموعروبية وجغرافية الوسط! هل كان سيجد ربع هذا الإهتمام والتأبين حيا او شهيدأ، حتي ولو أبدع أضعاف أضعاف إنتاجه هذا؟! مع الإعتراف بتعرضه هو نفسه للتجاهل و التهميش، من قبل السلطات والذهنيات المتحكمة! إلا أنه تهميش داخل المركز!! أي تهميش يترفع عن الدونية الثقافية والعرقية والمناطقية، بإعتبار التهميش نفسه درجات ومقامات!! وتتجذر دونيته وعمق مأساته بإتجاه الأطراف والأقاصي والديانات الأخري! وبتعبير آخر، هل الهامش بثقافاته المتعددة وخبراته الحياتية، لا يحوي أي قيم خيرة او رموز مبدعة، في أي من المجالات والإنشطة الوجودية، وتاليا الإضافة الإيجابية في مصب المنتج العام!! بمعني، هل هامش الغرب لا ينتج إلا الحرب والنزوح، وهامش الشرق لا ينتج إلا السل والجوع، وهامش الشمال لا ينتج إلا الرمال والجفاف، وهامش الجنوب سابقا لا ينتج إلا الكجور والمسيحية المشتبهة المتربصة او المخترقة بالعمالة و الإستخبارات والإرتهان لدي الخارج المبشر!! ومركز الوسط لا يتنج إلا الإبداع والمعايير، ويصدر شهادات حسن السير والسلوك للآخرين، ويمنح صكوك الوطنية لمن يخدم مشاريعه المشبوهة، او التي تستبطن السيطرة وحيازة كل الفضاء الوطني!! وهذا بدوره يقودنا لمسألة السلطة والثروة وحيازة الصدارة الإجتماعية في جذورها التاريخية، أي كمدار صراع عبثي منذ الإستقلال! تم توظيف الهوية والمناطقية فيه، كحلقة ضعيفة او حساسة وذات مكاسب رمزية سريعة وعاجلة، لكلا أطراف الصراع! أي للأسف كطرفي نقيض/متشابهان! بمعني، في حين يصارع طرف من أجل تثبيت هويته، كمركزية تحوز كل الإمتيازات! يصارع الآخر، من أجل نقض هذه الهوية، وتاليا إزاحتها من الفضاء العام، والحلول محلها! وهذا مصدر العبثية تحديدا! بمعني آخر، الصراع نفسه، صراع نخب او أفيال، غايته البحث عن السلطة كإمتياز ذاتي، يرتدي القناع الهوياتي او المناطقي كنقاط إرتكاز او حماية او أدوات في ساحة الصراع! أي غابت فيه برامج التنمية الحقيقية وترقية أساليب الحكم، لتطاول حفظ كرامة وحقوق المواطن الفرد، وتشمله برعاية حاجاته وأمنه وخطط مستقبله! أي الصرع ليس من أجل تبني قيم وطنية وطرح مبادئ إنسانية، او خلق أرضية تسوية تاريخية، تترفع عن الحروب والخشونة المادية واللفظية والتعاملية! وتعالج مخاوف الجميع، وتلبي الطلب علي المواطنة، ومن ثم ترسيخ الوطنية الحقة والإنتماء الأصيل للوطن، في العقل والوجدان العامين! وأصدق مثال لحالة الصراع العبثي، أي الإحلال محل الآخر، ولكن بنفس عقليته وأدواته، وتاليا إعادة إنتاج أخطاءه وكوارثه! وخصوصا الصراع في طوره الأعنف، أي الأكثر تضحيات مادية وبشرية ومعنوية ومستقبلية! وإضافة للواقع المتردي الماثل الذي تعيشه الدولة/اللادولة السودانية! يجسدها بإمتياز نموذج التيار الإنفصالي في الحركة الشعبية، وممارساته سواء خلال المرحلة الإنتقالية وقبل الإنفصال! او من بعده ومن خلال تسنمه سدة السلطة في دولة جنوب السودان الوليدة! لذا أي صراع ضد السلطة الإستبدادية، لا ينطلق من أرضية ديمقراطية، تمتلك مفاعيل تفكيك الإستبداد وإحتمالته! إضافة الي نهوضه علي قاعدة المشاركة والمساواة، والقدرة علي تجاوز مرارات الماضي ونشر مظلة التسامح، والإنتباه الي المستقبل وتحدياته! سيعني ببساطة ليس الفشل وحده، ولكن الأسوأ إنتاج نسخ من الإستبداد المتوحش! يجعل الإستبداد السابق له، أمنية عزيزة المنال! وواقع كهذا كفيل، ليس بهدم الأمل ونشر الإحباط والشرور بين المواطنين، ولكنه يعلن عن نهاية الأوطان والدول الي الأبد، ومن ثم ميلاد أمساخ يصعب تحديد هويتها او ملاحمها! ولكن من أظهر وأخطر تعبيرتها، القتل المجاني للمخالفين والتخاطب بلغة الحرب والسلاح!
وهذه الوضعية التي يبدو عليها التناقض في شأن الهوية(مرة كضحية/جاني ومرة كأداة صراع) مردها الي إستخدام قضية الهوية(حق) من أجل الحصول علي مكاسب إمتيازية ضيقة وباطلة(إحتكار السلطة وإقصاء الآخر!)! أي قضية الهوية/المناطقية ليست قضية عبثية او هامشية في صراع السلطة، ولكنها من أصول الصراع! وتاليا المكاسب المتحصل عليها من حسم الصراع! ولذا أي تسوية تاريخية لا تستصحب موضوع الهوية والتنمية الشاملة والمتوازنة، وإعادة توازن معادلات السلطة، بحيث يتساوي الحاكم والمحكوم والمركز والهامش مع إعطاء إعتبارت خاصة للفوارق والمظالم السابقة! فهي تسوية فاشلة مسبقا، بقدر ما هي وصفة حربية جاهزة! أي إما حلول تأسس لإستقرار وتنمية مستدامة وبناء مواطنة ووطنية معافاة، تستوعب الجميع وتعبر عن الجميع لكي يدافع عنها الجميع! او الطوفان! أي المشاكل المركبة والمعقدة، تحتاج لحلول شاملة وذات طابع جذري، تستصحب الماضي وتعالج الحاضر وتنفتح علي آفاق المستقبل.
في الختام التحية للدكتور عبدالله علي إبراهيم ولكل رواد الحقيقة ومدمني البحث والإستقصاء، ونعتذر عن أي تقصير او خطأ في تناول مادته الثرة، وخالص الإعتذار لكل من أخطأنا في حقهم حاضرا او ماضيا ولهم العتبي حتي يرضوا! ودمتم في رعاية الله!



[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1087

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1215015 [TAHER OMER]
0.00/5 (0 صوت)

02-24-2015 04:10 PM
السودان تخوم عرب ومصاب بما أصاب المركز العربي والإسلامي منذ قرون سحيقة. ولا يمكن أن يتعافى إلا إذا تعافى الرأس المريض في مركز العرب هناك. وبما أنه تخوم بعض الأحيان تظهر فيه أعراض المرض أكثر شدة و وضوح من ظهورها في المركز العربي والدليل سيطرة الأخوان المسلميين في السودان على السلطة منذ ربع قرن ولم يستطيعوا السيطرة على إي دولة عربية. في مصر بعد سنة كنسوهم ورموا بهم في مزبلة التاريخ وفي تونس أجبر الغنوشي على الإنحاء للعاصفة. فالسودان كرش حينما يمتلى بأوهام المركز العربي والإسلامي يقول للرأس غني وبعده يغني بالأوهام بمثل وهم الرجوع الى فكرة خير القرون ويغني بفكرة أمراض النخب والمركزية العرقية وكلها ضد النزعة الإنسانية التي تستطيع كما ذكرت أنت تجاوز مايعيق مسيرة حركة التقدم بإتجاة نزعة إنسانية تخرج البلاد والعباد من وهم الطهرانية الدينية.
مع التحية والتقدير.

[TAHER OMER]

#1214878 [عصام الجزولى]
1.00/5 (1 صوت)

02-24-2015 01:25 PM
قال الدكتور منصور خالد عن المكاشفى والمهلاوى وأحمد حاج نور هذه الديناصورات البشرية التى أطلقها نميرى من حظائرها والتى ليس لها مكان الا فى متحف التاريخ الطبيعى

[عصام الجزولى]

عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة