المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. صديق تاور كافي
أزمة الانتخابات التكميلية لولاية جنوب كردفان
أزمة الانتخابات التكميلية لولاية جنوب كردفان
03-03-2011 12:59 PM

شئ من حتي

أزمة الانتخابات التكميلية لولاية جنوب كردفان

د.صديق تاور كافي

٭ بادرت المفوضية القومية للانتخابات بنشر السجل المبدئي للناخبين بولاية جنوب كردفان على صفحتها الالكترونية، على الرغم من وجود إشكالات حقيقية تصل حد الأزمة بين المفوضية والمؤتمر الوطني والحركة الشعبية وأحزاب المعارضة على مستوى المركز والولاية. فقد تقدمت القوى السياسية بطعون جوهرية خاصة بالأرقام التي حواها هذا السجل تجعل قيام انتخابات دون مراجعة حقيقية أمراً عديم المعنى، وقد وعدت المفوضية المركزية لجنة الأحزاب السياسية بداية هذا الأسبوع بأنها سوف تبعث بلجنة فنية الى ولاية جنوب كردفان لكيما تتدارس هذه الطعون مع ممثلي الاحزاب السياسية هناك. وبالفعل سافرت اللجنة الفنية الى مدينة كادقلي، والتقت بلجنة المفوضية الولائية (التي تطابقت في الموقف مع طعون الاحزاب) ولكن هذه اللجنة الفنية رفضت أن تجلس مع الأحزاب السياسية وعادت أدراجها الى العاصمة وهذا شيء غريب في حد ذاته.
وبدأت القصة في جنوب كردفان بالصراع حول التعداد السكاني وعدم تعبيره عن الحجم السكاني الحقيقي للولاية، الشيء الذي سوف ينعكس بالضرورة على التمثيل النيابي والاستحقاقات الدستورية والتنموية لمجتمع الولاية، وقد أفضت عملية إعادة الإحصاء الى وجود فارق يساوي مليون نسمة تقريباً، تبعتها مراجعة للدوائر على مستوى المجلس التشريعي الولائي (23 دائرة) وقوائم التمثيل النسبي (22). ومعركة الاحصاء التكميلي مثلت حراكاً سياسياً لا بأس به رغم أنها جرت في شهر يونيو مع بداية موسم الامطار وانشغال الناس بالزراعة. وقد جاءت مرحلة اعداد السجل الانتخابي كخطوة اساسية لاجراء الانتخابات، إلا أنها اتسمت بشيئين مهمين، الأول هو حالة ضعف شبه عام لحزب المؤتمر الوطني بسبب صراعاته الداخلية من جهة، وبسبب نفور الرأى العام المحلي من رموزه باعتباره حزبا حاكما اتسم حكمه بالفساد الفاحش واللا مسؤولية، وأيضاً بسبب إحباط المواطنين من الحصيلة الصفرية لاتفاق نيفاشا على صعيد ولايتهم من الناحية التنموية والامنية والسياسية، ثم اعتبار المواطنين من تجربة الانتخابات الماضية والتزوير الذي لازمها وعدم تلبيتها لطموحات الناس، أضف الى ذلك حالة الخلاف بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية بخصوص احتفاظ الأول بمنصب الوالي بعد انقضاء مدته على حساب الثانية، وهو ما جعل قيادة الحركة بالولاية تتعرض لضغوط من قواعدها إزاء تقاربها مع المؤتمر الوطني على حساب دور الحركة بوصفها شريكاً أساسياً في الحكم بالولاية، فضلاً عن انعدام الثقة في أى عمل يكون المؤتمر الوطني جزءاً منه.
هذا الوضع أفرز اصطفافاً سياسياً جديداً ظهر بشكل واضح في مرحلة السجل الانتخابي، حيث اقتربت الحركة الشعبية أكثر من القوى السياسية المعارضة في معركة السجل الانتخابي، التي كانت قد سبقتها تجربة التنسيق الانتخابي على صعيد النقابات، ونجحت في تحجيم حزب المؤتمر الوطني هناك بصورة كبيرة.
بالنسبة للحركة الشعبية هناك دافع أهم يجعلها أكثر اقتراباً من القوى الوطنية منها عن المؤتمر الوطني، وهو موضوع المشورة الشعبية الذي تعتبره فرصتها الأخيرة لحفظ ماء وجهها أمام انسان جنوب كردفان، بعد التجارب المتعثرة لها طيلة سنوات الشراكة الماضية على كل الصعد. لذلك فهى حريصة على تجربة ولو واحدة تكون ناجحة تضاف الى رصيدها السياسي الخالي من منجزات ايجابية تقنع إنسان الولاية. أما الاحزاب السيسية المعارضة فهى رغم ضعفها من حيث الامكانات المادية واللوجستية وعدم امتلاكها لمليشيات مسلحة خاصة بها، إلاّ أنها تحظى باحترام الرأى العام المحلي بسبب اتكائها على رصيد تاريخي من العمل السياسي المدني الناجح، وبسبب محافظتها على مسافة واضحة من طرفي السلطة طيلة الفترة الماضية من عمر الشراكة بمواقف مسؤولة وواعية. فالحركة السياسية خارج طرفي الشراكة استطاعت أن تلعب دوراً استنارياً متوازناً ومشهوداً ساهم بقدر كبير في منع الأوضاع من التدحرج الى المربع الاول. وهى لذلك تحظى باحترام مواطن الولاية أكثر من المؤتمر الوطني ومن الحركة الشعبية.
وقد ساهمت معركة السجل الانتخابي في تعميق هذا الفرز السياسي وتأطيره في خندق كل القوى السياسية بالولاية في مواجهة خندق المؤتمر الوطني، الذي لم يمكنه الطبع القائم على المناورة والمراوغة من التطبع بطبائع الحراك الديمقراطي الحر القائم على المنافسة الشريفة والقبول بنتائجها. فقد بدأت أزمة السجل بإصرار المفوضية والمؤتمر الوطني على الإبقاء على السجل القديم وترقيعه، بينما اصطف الجميع خلف ضرورة عمل سجل جديد على خلفية نتائج الإحصاء السكاني التكميلي.
ولم يتبق أمام حزب المؤتمر الوطني سوى استخدام أدواته ونفوذه في محاولة إخراج السجل الجديد بما يضمن له السيطرة على نتائج العملية الانتخابية بالولاية.
جاء في مذكرة الأحزاب السياسية للمفوضية بتاريخ 52/2/1102م (تلاحظ من خلال التجربة العملية أنه ليست هناك سيطرة من اللجنة العليا في مراقبة وتوجيه ضباط الدوائر وموظفي التسجيل، الذين يتعمدون خرق القانون بالتأخير في فتح المراكز، وقفلها قبل الزمن الرسمي، وعدم تمكين وكلاء الاحزاب من امتلاك اورنيك (7) شكاوي، والسماح للأجهزة الأمنية والشرطية بالتسجيل المتعدد والمترحل من مركز الى مركز، والدعاية الحزبية لصالح المؤتمر الوطني بمكبرات الصوت، وتدخّل بعض المعتمدين والوزراء التابعين للمؤتمر الوطني بالضغط على ضباط الدوائر ورؤساء مراكز التسجيل للتغاضي عن الخروقات المتمثلة في التسجيل بالنيابة عبر الكشوفات، وتسجيل تلاميذ المدارس، وتم ترهيب وكلاء الأحزاب وزجهم في السجون رغم أنهم يحملون بطاقات المفوضية،... الخ الخ). لذلك ليس بمستغرب أن تأتي نتيجة السجل تحمل مفارقات في الارقام تجاوزت الـ «83» ألف شخص. فهناك زيادة في السجل ببعض الدوائر بمقدار ضعف العدد الصحيح، وهناك نقصان أيضاً في العدد في دوائر أخرى عن العدد الصحيح، ليبقى السؤال قبل هذا وذاك هل هى مصادفة أن تكون الزيادة في الدوائر التي ينشط فيها المؤتمر الوطني والنقصان في الدوائر التي لا يأمل فيها بأى نصيب؟!
إن عملية نشر الكشوفات للطعون دون الجلوس للأحزاب التي قدمت الطعن، ودون معالجة هذا الخلل الكبير في الارقام، يقود الى استنتاج وحيد وهو أن المؤتمر الوطني استخدم نفوذه وأياديه داخل مفوضية الانتخابات بتمرير الأمور كما هى عليه، لأنه لا أمل له في كسب انتخابات جنوب كردفان بالمنافسة الطبيعية، فهو إما أن يزوّر الانتخابات أو أن يفتعل أزمة سياسية وأمنية تجهض العملية برمتها وتمنحه فرصة لاتفاق شراكة جديد مبني على توازن القوى العسكرية على الأرض وليس على رغبة وإرادة مواطن الولاية. والمشكلة أن المعركة في ولاية جنوب كردفان تُدار من العاصمة بالنسبة لحزب المؤتمر الوطني، وتعمل كوادره المرتبطة بهذه الولاية بوصفها مجرد أدوات طيعّة في يد من يمسك بالريموت في (النادي الكاثوليكي) بالخرطوم.
سوف يسفر هذا الحراك عن فرز واصطفاف أوضح في مقبل الايام على صعيد الخندق الآخر، بعد أن حرق المؤتمر الوطني نفسه بهذا السلوك المفضوح. فإما أن ينشأ مركز موحَّد من كل القوى الأخرى في مواجهة الاخير، وهذا يتطلب تنازلات سياسية ووضوح موقف من قبل الحركة الشعبية تحديداً في العديد من القضايا التي تهم إنسان الولاية ومستقبلها، أو أن تتصلب في مواقفها وتواصل قيادتها ارتهانها لإرادة دولة الجنوب الجديدة، وبالتالي تكون قد عزلت نفسها عن الصف الوطني الولائي وعن جماهيرها.

الصحافة


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2191

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#105666 [Dokom]
0.00/5 (0 صوت)

03-03-2011 09:18 PM
يا د. صديق,
إن النظام الحاكم قد أدمن التزوير، وهل وصل الحزب الحاكم عن طريق انتخابات نزيهة؟ إن أردنا في الولاية أن نخرج بمشورة شعبية تعكس رأي المواطن بحق، فلا سبيل إلى ذلك إلا استدعاء القوى التي ضمنت تطبيق اتفاقية السلام الشاملة. إخوتنا فهموا كيف يفكر هؤلاء، ونجحوا في أن يأتوا باستفتاء يفبر عن إرادة الشعب. فيا ترى ماذا نحن فاعلون؟


د.صديق تاور كافي
د.صديق تاور كافي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة