المقالات
السياسة
جنديان إفريقيان وحربان عالميَّتان
جنديان إفريقيان وحربان عالميَّتان
02-28-2015 12:01 AM


هل تدري أنَّه بعد ثلاثة أيام من إعلان الحرب العالميَّة الأولى (1914-1918م) كانت الرصاصة الأولى قد أطلقها جندي في الجيش البريطاني، وكان ذلك الجندي في قوة جبهة غرب إفريقيا البريطانيَّة، وهو ذاك الذي ولد في ساحل الذَّهب (غانا حاليَّاً)، والتي كانت مستعمرة بريطانيَّة؟ ففي العام 1914م هاجم البريطانيُّون أرض توغو، التي كانت مستعمرة ألمانيَّة، إيذاناً لبداية الحرب العظيمة التي سرعان ما أمست حرباً عالميَّة. ومن هنا نود أن نذكر الملازم ماكورماك تشالز فاريل إيسمون. وبما أنَّ اسمه يكاد لا يتمتَّع برنين إفريقي، أو يتحلَّى بأي ملمح إفريقي، إلا أنَّ إيسمون كان أول وربما الإفريقي الأسود الوحيد الذي خدم كضابط بريطاني في الحرب العالميَّة الأولى (1914-1918م). إذ عمل إيسمون كضابط طبي في شعبة الإسعاف في قوات الكتيبة المرسلة إلى الكاميرون خلال الحملة البريطانيَّة-الفرنسيَّة لاحتلال هذه المنطقة، والتي كانت مستعمرة ألمانيَّة في الفترة ما بين (1914-1916م). وهو أيضاً كان أول شخص من غرب إفريقيا ينال إجازة في الطب من جامعة لندن العام 1925م.
بدأت قصة إيسمون المدهشة في أكرا بساحل الذَّهب، حيث ولد إيسمون لأبوين من سيراليون العام 1890م. كان والده – الدكتور جون فاريل إيسمون – قد فاز بالميداليات الذهبيَّة والفضيَّة ست مرات، ونال جائزة أفضل مقال حين كان طالباً في كليَّة لندن الجامعيَّة العام 1879م. وهو الذي اكتشف عقاراً لمعالجة حمى الماء الأسود، وهي داء استوائي كان متفشياً وسط الاستعماريين؛ ثمَّ إنَّه كان قد خدم ككبير ضباط الصحة في ساحل الذَّهب. أما والدته – أنيت كاثلين إيسمون – فقد كانت شقيقة أول شخص من غرب إفريقيا ينال زمالة الكليَّة الملكيَّة للجرَّاحين في أدنبره بإسكوتلندا.
وبعد وفاة والده العام 1900م، انتقلت والدته إلى إنكلترا، حيث تعلَّم إيسمون في مدارس مرموقة: مدرسة كوليت كورت وكليَّة إيبسوم. إذ تفوَّق إيسمون على أقرانه في القفز العالي، ونال جوائز المرحلة السادسة في مادة التأريخ وعلم اللاهوت، ولعب في فريق الرُّكبي في كليَّة إيبسوم. وبعد نيله منحتين في كليَّة إيبسون للدراسة في جامعة لندن، حاز إيسمون على إجازة البكلاريوس في العلوم العام 1911م، وأم بي، وأم آر سي أس العام 1912م. برغم من مؤهلاته، رُفِضت طلباته للعمل في المجمع الطبي بغرب إفريقيا في ساحل الذَّهب وسيراليون لا لشيء إلا لأنَّه لم يكن متحدِّراً من "أصول أوربيَّة نقيَّة". مهما يكن من شأن، فقد عاد إيسمون إلى سيراليون العام 1913م، لكنه أنزل إلى مرتبة دنيا ليعمل كضابط طبي محلي في الخدمة الطبيَّة المحليَّة بسيراليون، وتحت رتبة صغرى، وبأجر أقل مما كان يتقاضاه أصغر طابط أوربي رتبة في المجمع الطبي بغرب إفريقيا.
وفي العام 1914م استعرت نيران الحرب العالميَّة الأولى، وشرعت بريطانيا وفرنسا في احتلال وتقاسم المستعمرات الألمانيَّة بما فيها الكاميرون. برغم من أنَّ سياسة بريطانيا كانت تحظر تجنيد السود كضباط، إلا أنَّ الحوجة إلى ضباط متخصصين في الطب قد أجبرت السلطات الاستعماريَّة إلى ابتعاث إيسمون في مهمة خاصة إلى الكاميرون. وفي الحين نفسه غادر إيسمون إلى الكاميرون، وتلقَّى أمراً مؤقتاً كملازم في المجمع الصحي بغرب إفريقيا في يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1914م. وبعد تسعة أشهر من الخدمة عاد إيسمون وموظفو الطب الآخرون إلى سيراليون. برغم من خدمته الجليلة، لم ترغب السلطات الاستعماريَّة في أن يحيي الضباط البيض ذاك الضابط الأسود إيسمون لحظة وصوله إلى فريتاون بسيراليون، بل طلبت منه أن يسلِّم زيه الرَّسمي عند نزوله من السفينة التي أعادته إلى فريتاون. ولكنه رفض الانصياع إلى هذه الأوامر العسكريَّة، بل ارتدى زيَّه الرَّسمي كاملاً مع السيف وقِرابه، واستقبله ببشاشة أصدقاؤه وأسرته في فريتاون، وكان الفرح يملأ جوانحهم، والمسرة تنداح من دواخلهم، والهناءة تغمرهم.
وبرغم من أنَّ السلطات الاستعماريةَّ كانت قد ألغت رتبة إيسمون المؤقتة كملازم، والتي منحته إيَّاه في السابق، غير أنَّ مكتب الحرب قد أعادت له هذه الرتبة العام 1920م، وكذلك مُنِح ميداليات الحملة الرئيسة المعروفة ب"بيب، وسكويك، وويلفريد": الميداليَّة البريطانيَّة للحرب، وميداليَّة الحلفاء للنصر، و1914/1915م ميداليَّة النَّجم، على التوالي. إذ استمر إيسمون يقاوم التمييز العنصري في الخدمة الطبيَّة الاستعماريَّة. وفي نهاية الأمر انتقل إيسمون إلى جوار ربه في سوري بإنكلترا في 2 أيار (مايو) 1972م بعد أن شهد إعادة تنظيم المجمع الطبي بغرب إفريقيا إلى الخدمة الطبيَّة الاستعماريَّة، وبات يقبل أطباءاً من أصول إفريقيَّة.
بيد أنَّ جهود الأفارقة من غرب إفريقيا في الاشتراك في الحرب العالميَّة الثانية ظلَّت أكثر شيوعاً من ذي قبل. فعلي سبيل المثال هناك الطيار جون (جوني) هنري سمايث (1915-1996م) المحامي وصاحب وسام الإمبراطوريَّة البريطانيَّة، وهو الذي ولد في فريتاون بسيراليون في غرب إفريقيا. إذ برع في المدرسة في رياضة القفز العالي والعدو ولعبة الكركيت وكرة القدم. ولم يكن لزاماً عليه أن ينخرط في الحرب، ولكن حين دعت بريطانيا سكان مستعمراتها لمساعدتها في الجهود الحربيَّة لإيقاف مساعي ألمانيا-الهتلريَّة التوسعيَّة تطوَّع جون سمايث تلبية لهذا النداء البريطاني. وبعد تدريب ابتدائي في فريتاون صعد إلى رتبة رقيب العام 1939م. ولما كانت هناك حوجة إلى قوة طوعيَّة لسلاح الطيران الملكي، تطوَّع المئات للانخراط في هذه القوة. بيد أنَّ جون سمايث كان واحداً من الستة سيراليونيين تمَّ اختيارهم وإبحارهم إلى إنكلترا. وبعد عام من الدراسة والتدريب الشاق أكمل حوالي 90 رجلاً دراستهم، وكان جون سمايث واحداً فقط من الأربعة الذين تمَّ استيعابهم كضباط. ومن ثمَّ أصبح ملاحاً في سلاح الطيران الملكي، وساعد الطيَّارين في ملاحة مقاتلات لانكستر أن يبقوا في الخط الملاحي المرسوم لها خلال الطلعات الجويَّة لإلقاء القنابل في ألمانيا النازيَّة-الهتلريَّة وإيطاليا الفاشيَّة-الموسولينيَّة. وكذلك اشترك جون سمايث في الطلعة الجويَّة في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1943م، حيث أُسقطت طائرتهم. فجُرح وقفز بالباراشوت، وأُلقي القبض عليه، وقضى 18 شهراً في معسكر ألماني لسجناء الحرب، وذلك قبل إطلاق سراحه العام 1945م عندما غزا الروس ألمانيا. وفي العام 1948م سافر إلى جزر الهند الغربيَّة لإحضار 500 من قدامى العساكر والعمال إلى المملكة المتَّحدة. وفي العام 1950م تأهَّل كمحام، وذلك قبل أن يعود إلى سيراليون العام 1951م.
ولعلَّ من نافلة القول إذ يجدر بنا هنا أن نذكر أنَّ حياة المخلوقات تعتمد بشكل جلي على الصراع والتنافس حول الموارد. والإنسان إذ هو يشكِّل أكثر الكائنات الحيَّة اصطراعاً مع البيئة من ناحية ومع غيره من ناحية أخرى، حيث ينتهي هذا النِّزاع إلى الاقتتال والاضطهاد والاسترقاق والقسمة الضيزى. وما أن امتلك الإنسان شيئاً من الإنسانيَّة وشيئاً آخر من قيم حقوق الإنسان وشيئاً ثالثاً من الأخلاق، حتى ألغى استعباد الإنسان لإخيه الإنسان، ثم ما لبث – من جانب آخر – أن أبقى الإنسان الظلوم، كما هي الحال في بعض القوميات، على الفروق اللونيَّة والملامح العامة والعلامات المميَّزة بين الشخص والآخر. لذلك ظلَّ الإنسان الإفريقي يقاوم كل هذه الأنماط المختلفة من صور التمييز، ووسائل التعبير عن كينونته وصيرورته وثقافته. فوجدناه كان يناضل ضد الاستعمار تارة، ويكافح ضد التمييز العرقي تارة أخرى، ولتجدنَّه يصارع الآخر وكل عوادي الدهور ما ظلَّ حيَّاً.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 727

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الدكتور عمر مصطفى شركيان
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة