المقالات
منوعات
ونشب الخلاف الطويل بين وردي وإسماعيل حسن (6)
ونشب الخلاف الطويل بين وردي وإسماعيل حسن (6)
02-28-2015 08:25 AM


بعد مرحلة الإنتشار الأولي لشعر الراحل إسماعيل حسن الغنائي (1958-1963) والشهرة التي تحققت له وللمطرب محمد وردي معا، بدأ شاعرنا العمل في إبتكار لونية أخري من شعره الغنائي، وهي أغانيات أخري تحمل موضوعات جديدة في ذلك الزمان وتتناول أسلوب الحوار والعتاب مع الطرف الآخر بدلا عن طريقة وصف المحاسن وشعر الهيام والأشواق ، ولنأخذ نماذج من تلك الكلمات الجديدة وحواراتها.. فمثلا يقول الشاعر:
ياسلام منك أنـا آه ياســـلام ياسلام
العيون فيهـا ســهام والكـلام فيهو كلام
في حديثك في إبتسامتك زينـه يا أحلي غرام
وفي نفس الأغنية يرجع الشاعر لأسلوب الوصف مرة أخري وكان وردي يترنم بها بكل هدوء صانعا لها موسيقي هادئة جداً .. وكان يعتمد في أدائها علي توظيف كورال الأطفال الذي ظل يصاحبه في العديد من اعماله الأولي في ذلك الزمان .. وهم يرددون معه مفردة ( يا سلام ) التي وضع لحنها الموسيقار بالإذاعة الراحل ( خليل أحمد ) حيث لم يكن وردي قد إحترف التلحين بعد ، خاصة وأن وردي كان مدرساً للصغار بمدارس الديم شرق وفي بري ايضا وفي الخرطوم غرب في ذلك الزمان ، مما اعطي مؤشرا بأن وردي كان يجد نفسه في الاعمال الغنائية التي يصاحبه الكورال في إدائها ، وهو تراث معروف في معظم اغنيات قدامي الفنانين والفنانات حسب تسيجيلات الاذاعة القديمة ، كما أن تأثر وردي بتجرية الغناء المصري مثل عبدالحليم حاف5ظ كان واضحا ، حيث كان حليم يستصحب معه الكورال في معظم أعماله القديمة .
وقد ظل وردي حتي رحيله يعتمد علي الكورال في ترديد الغناء معه .
إنت لونك وإنت طبعك هاديء
هاديء مافـيهـو البشـين
بتـشـبهي الـفل في الجناين
وللا عطـرك ياسـمـين
ربـي يعلـم ياسلام
قلبي مغرم ياسلام
إمتي ترحم ياسلام
فكان الاطفال يرددون معه كلمة ( يا سلام ) .
وهنا يعود الشاعر لأسلوب المخاطبة مرة أخري مع من يهوي ، ولذلك فإن في شعر إسماعيل حسن بطابعه الخاص و الذي يتناول فيه لغته الشعرية الخاصة في كل مشروع يكتب فيه أدي إلي صمود تلك الأغنيات ومنافستها لبعضها البعض حتي اللحظة ، خاصة وأن المفردات التي ظل يستخدمها في أشعار أغنياته كانت تنبع من صميم البيئة الإجتماعية لأهل السودان .. حيث نجد أنه يسلك مسارات جديدة لم يتم طرقها من قبل مثل التي إستخدمها في قصيدة (الحنيـّن يافؤادي) حيث يخاطب فيها فؤاده ويخفف عن معاناة ذلك القلب ويظهرها وردي بذلك اللحن الخفيف :
أنا عارفك يا فؤادي
طال عذابك واسهادي
واشقاي أنا وا عذابي
****
يارسائل أحكي الغرام
شيلي ليهم مني السلام
قولي ليهم طال الخصام
قلّ شوقي وعزّ المنام
ويتواصل عطاء هذا الشاعر بكثافة هائلة ويبدع وردي في وضع الألحان بسرعة البرق فشهدت فترة النصف الاول من الستينات انتاجا متواصلا من الإثنين دون توقف وطاف بها محمد وردي كل مدن السودان ومعظم أريافه حتي التي لاتوجد بها كهرباء حيث تغني بمايكرفونات البطارية مع الإضاءة بالرتاين لينشر فنونه التي ترنم بها الشارع السوداني في كل مساحة من مساحات البلد كما خرج بفنه إلي الجيران الأفارقة ( أديس.. أسمرا .. ومقديشو). زار لندن وباريس للترفيه عن الطلاب السودانيين المبتعثين هناك علي حساب وزارة الاعلام السودانية ، كما قام بالتسجيل في هيئة الاذاعة البريطانية ( بي بي سي – القسم العربي) عدة اغنيات خالدة .
ثم بدأ الخلاف يدب بين هذا الثنائي المبدع ( إسماعيل ووردي ) وبوتيرة عالية جدا في العام 1963م وقد إستمر ذلك لعشر سنوات تقريباً ... ودائما في الأوساط الفنية في كل الدنيا وليس في المنطقة العربية فقط يحدث نوع من الغيرة بسبب التنافس وكثرة الأضواء وتركيز وسائل الأعلام والصحف علي مطرب محدد أوشاعر معين أوعلي الإثنين معا مثل حالة أصحابنا ( إسماعيل ووردي) حيث حدثت بينهما جفوة إزدادت حدة بسـبب تناول الصحف لها كمادة يومية لكي تزداد مبيعاتها فكانت تصب الزيت علي النار بطريقة ( المديدة حرقتني ) حيث كان اسماعيل يقول بأنه لولا قصائده لما وجد وردي هذه الشهرة .. وكذلك يصرح وردي بأنه لولا ألحانه وصوته وجماهيريته لما وجدت كلمات إسماعيل حسن طريقها للانتشار.. وهكذا حدثت الجفوة وأوقف الأثنان تعاونهما الفني لفترة ليست بالقصيرة حيث كان كل من الطرفين (راكب رأسه) ، وتدخل الأجاويد لرأب الصدع الذي أحدثه ذلك الصراع غير المؤسس.. فاسـتمر الإمتناع والتمنع من الطرفين لعدة سنوات.. وعندها بدأ وردي الخروج من إطار مدرسة أشعار إسماعيل وإتجه إلي شعراء آخرين .
ومن ناحية ثانية فقد ترك الشاعر إسماعيل حسن كتابة الشعر لفترة حيث كان قد ذهب مسـتثمرا في الزراعة بمشاريع مطرية في مناطق سنار وأعتقد أن إسم المشروع هو ومدير له (كساب الزراعي) والذي هيأه له صديقه الراحل والوطني الكبير الشريف الحسين يوسف الهندي الذي كان من اشهر وزراء المالية بالبلاد بعد مامون بحيري للمالية في حكومة الإتحادي والأمة الإئتلافية عقب ثورة اكتوبر 1964م .. اي كما يسمونها بفترة الديمقراطية الثانية.. ثم دخل الشاعر مجال السياسة وفاز نائبا برلمانيا في مجلس الشعب القومي الأول في بداية سنوات حكم الرئيسي نميري عن إحدي دوائر منطقة سنار وأتي للخرطوم لدخول البرلمان ..
وقد تبني إسماعيل حسن في تلك الفترة بأعماله الشعرية الفنان الراحل الشاب أحمد فرح ومنها أغنية ( ياحليلك يابلدنا ) ذات إيقاع الدليب لكي ينافس به صوت وردي .. ومن الأعمال الوطنية الجميلة والتي قام بإلقائها إسماعيل حسن شخصيا وهي مسجلة بالتلفزيون في إحتفال بالمسرح القومي هي قصيدة (يابلادي أنا يابلادي... صدورنا فدايه ليكِ من الأعادي) والتي يركز فيها علي عبارة (ديل أهلي) ، وفيما بعد قام بتلحينها وأدائها مجموعة فرقة ( تماسيح الحماداب ) بقيادة ودالنجار .
ونواصل رحلة الإبداع العجيب للموسيقار محمد وردي في الحلقة القادمة .. برغم أن السجن الطويل كان في إنتظار وردي .
إبقوا معنا ،،،،،
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1484

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1217990 [السفير]
0.00/5 (0 صوت)

03-01-2015 10:51 AM
يا صلاح الباشا اطلع منها لو سمحت .....فى ناس غيرك بتكتب افضل منك فى الامور دى ....التوثيق للفن والادب عندو ناسو وانت ما منهم...شوف ليك شغلة تانية غير الكتابة ...هذه نصيحتى .

[السفير]

صلاح الباشا
صلاح الباشا

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة