المقالات
السياسة
البداوة: التناشز الإجتماعي وإزدواج الشخصية..
البداوة: التناشز الإجتماعي وإزدواج الشخصية..
03-02-2015 12:57 AM


في بداية النصف الثاني من القرن المنصرم عاد علي الوردي من أمريكا بعد أن أكمل دراسته للدكتوراة وكانت دراسته عن ابن خلدون. في تلك الفترة البعيدة أيام الأسر في حيز الفكر القومي المتزمت والفكر اليساري في صيغته المتحجرة كان علي الوردي وعلى هدى دراسته لعلم الإجتماع وعلم النفس الإجتماعي قد قدم طريق ثالث يدعو الي مجتمع يعتمد اللبرالية السياسية. في تلك الفترة البعيدة كان علي الوردي طليق لم تقيده تبجحات من يتحدثون عن البرجوازية الصغيرة وغيرها من التوهم الذي يصيب النخب بأمراض يصعب الشفاء منها. وقد دعاء إدوارد سعيد في كتابه الأخير النزعة الإنسية وهوكتاب يعتبر شفاء لإدوارد سعيد نفسه من الدوار الذي لازم أفكاره التي سبقت كتابه الأخير بل أن إدواد سعيد قد إعترف أن كتابه الإستشراق قد خدم الأصولية والأصوليين أكثر من خدمته للتنوير.
ففي كتاب إدوارد سعيد الأخير عاد إدوار سعيد الي فكرة تجعله متوافق مع أفكار علي الوردي التي قد دعاء إليها في بداية النصف الثاني من القرن المنصرم ومن هنا تتضح بعد الرؤية لعلي الوردي الذي سبق إدوار سعيد بسته عقود حينما رفض المركزية العرقية والطهرانية الدينية وأمراض النخب الثقافية التي تتمثل في التناشز الإجتماعي وإزدواج الشخصية. أما عندنا في السودان مازال من يعاني من الإزدواج في الشخصية يدافع عن البداوة و يذكر مشكلة البرجوازية الصغيرة بفكر متعطل ومتبطل.
إعتراف إدوارد سعيد إذا قارنه مع إصرار من يتحدثون عن البرجوازية الصغيرة ويمجدون البداوة بمنهج ماركسي قد إزدراه كل ذو عقل سليم حتي روجس دوبريه الذي قاتل جنبا لجنب مع جيفارا قد قالها واضحة لم يعد الآن وجود أي فيلسوف يحترم نفسه ويكون بإستطاعته الدفاع عن الفكر الشيوعي. أما العدالة الإجتماعية فإنها مسألة أخرى فكما كان يظن الماركسيون في أنتهاء الصراع الطبقي فهناك مسألة نظم الحكم اليوم من تستطيع أن تضع أسس للعدالة الإجتماعية كما يري الفيلسوف ريموند آرون أيام كان جان بول سارتر مالئ الدنيا وشاغل الناس بوهم أن كل من لم يدافع عن الشيوعية والمنظومة الإشتراكية فهوكلب. وحينها كتب ريمون آرون كتابه أفيون المثقفين في نقد مواقف سارتر كفيلسوف أخرق يدافع عن نظم شمولية.
مثل حالة سارتر في إنفصامه بالفكر الماركسي اليوم حال من يدافعون عن البداوة وإعادة أدبيات البرجوازية الصغيرة كنوع من التميز الفكري في زمن أصبح لا يمكن لعاقل أن يتبجح بالدفاع عن البداوة إلا إذا كان يجهل علم الإجتماع كما أنتقد كلود ليفي أشتروس سارتر و وصف تمسكه بدفاعه عن الشيوعية في فكرة الإلتزام الأدبي التي وضعت سارتر كأكبر مدافع عن النظم الشمولية بأنه يجهل علم الإجتماع.ِ وكلود ليفي أشتروس قد دافع عن ثقافة الشعوب البدائية في دراسته للهنود الحمر في غابات الأمازون. وقد نتجت من دراسته لهم كتابات أدبية جميلة نذكر منها مدارات حزينة. ورد كلود ليفي أشتروس الإعتبار لثقافات الشعوب البدائية وقال أن لها مكنزمات تفوق ثقافة من يزعمون القيام بفكرة عبء الرجل الأبيض. وهي تختلف عن معالجة علي الوردي للأمراض التي تتأتى من البداوة كالتناشز الإجتماعي وإزدواج الشخصية الذي توصل عبره عالم الإجتماع العراقي علي الوردي لفكرته من دراسة الشخصية العراقية وعممها على المجتمع العربي كله.
هذه النخب التي تعاني من مرض التناشز الإجتماعي وإزدواج الشخصية تتقدم الريادات الوطنية غير الواعية وقد أصبحت أكبر معوق للتنمية الإقتصادية. لأنها نخب لم يك لها الوعي الكافي لنقد التراث الذي قد أصبح أكبر معطل للتنمية الإقتصادية والبشرية. اليابان بداءت مشروع التنمية في القرن التاسع عشر وقد تزامن ذلك مع بداء مشروع النهضة في مصر ولكن نجاح اليابان وفشل مصر لأن الريادات الوطنية في اليابان كانت قادرة على نقد التراث وكانت ريادات مدركة لإتجاه وحركة العالم. فكيف نقارن بينها وبين من يدافع عن البداوة اليوم؟ نقد قيم البداوة كلف علي الوردي الكثير كالتهديد بالقتل من قبل أصحاب الطهرانية الدينية وحاربه أصحاب الفكر اليساري المتحجر في العراق في تلك الحقبة وكذلك تزمت القومجية ولكن علي الوردي لم يهادن فقد حورب وأفقر لم يكن كمحمدأركون الذي قد أعلن أنه لم يك على إستعداد من أن يقتل من قبل الأصوليين شأنه شأن فرانسيس بيكون الذي قد قال لم يك مستعد أن يموت في سبيل أفكاره. علي الوردي حورب وهوحي يدافع عن أفكاره واليوم يقال أن التكفيريين قد جرفوا قبره وهو ميت.
يا ترى هذا الذي يدافع عن قيم البداوة مهادن للطهرانية الدينية التي يدافع عنها أم هذه قدرة فهمه التي تضعه في مقدمة الريادات الوطنية غير الواعية وخاصة أن لهذا الرجل المدافع عن البداوة ألف ذيل أو قل ألف ضيل يدافع عنه؟
لاحظ علي الوردي تفكك المجتمع بعد سقوط الأمبراطورية العثمانية وقيام الحرب العالمية الأولى. تفكك المجتمع الزراعي المتكون من القبائل والطوائف في سيره بإتجاه أمة ودولة ونشوء طبقات حديثة وفي عملية التغيير لاحظ علي الوردي وجود ثلاثة مشاكل للمجتمع وفي المقدمة صراع البداوة والحضارة وبعدها التناشز الإجتماعي والثالث تفتت الوعي الجمعي وإنغلاقه.
طبق علي الوردي منطق ابن خلدون لعلاج أمراض المجتمع العراقي وكذلك عرج على أفكار المدرسة الإجتماعية الأمريكية والمدرسة التاريخية الألمانية بمنطق علمي بعيدا عن وعظ من يدافع عن البداوة عندنا في هذه الأيام.
علي الوردي كتب أفكاره في ظل هيمنه اليسار المتحجر والطهرانية الدينية والقومجية والتزمت ولكن كان سابق لزمانه ومازالت أفكاره يصعب فهمها على المدافعين عن البداوة.

[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1207

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1219095 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

03-03-2015 01:46 AM
سلام لك ولدكتور محمد عبد الله الحسين
فى هذا المقال اتى منك:
(...وكلود ليفي أشتروس قد دافع عن ثقافة الشعوب البدائية في دراسته للهنود الحمر في غابات الأمازون. . . . . ورد كلود ليفي أشتروس الإعتبار لثقافات الشعوب البدائية وقال أن لها مكنزمات تفوق ثقافة من يزعمون القيام بفكرة عبء الرجل الأبيض.. . .)
وترى فى فقرة من مقال لك أخر فى:
http://www.sudaress.com/sudanile/30842
(..في إحتفال العالم بمرور خمسة قرون علي إكتشاف أمريكا عام 1992 يقول كلود أن الغرب فشل فشلا زريعا في فهم الأخر وقال أن الهنود الحمر كانوا أكثر تقدما لأنهم إستقبلوا كولمبس وأفواج القادمين بأزرع مفتوحة بطريقة أذهلت كولمبس. ويبرر كلود ذلك بأن أساطيرهم كانت تنبئهم بوجود الأخر الذي سوف يأتي. يقول أن إختفاء حضارة الهنود الحمر بسبب البطش الغربي خسارة للبشرية كافة خاصة مع إستحالة إكتشافها مرة ثانية...)

فى جانب الإقرار بمعارف هذه المجتمعات, الا ترى هذا مطابقا لخلاصة بحث د. عبد الله على ابراهيم فى مجتمع الرعاة.؟ جانب المعارف فقط, لا الموقف منهم.
طبعا انت تصور ان بينكما اختلافا عميقا –يجد هذا الاختلاف منا كل الاحترام, سيما لوخلا من التجريح كما ذكر د. الحسين, فليكن الاختلاف- لكن اعتقد هذا الاتفاق بينكما هنا ليس بالهين*, يحقق مدخلا جيدا للتداول حول القضية الحاضرة دائما فى البلاد. ولاحقا عبر التداول يظهر الخلاف** حول المواقف من المجتمعات المحلية.
وكمثال أتى موقفك كقراءة لكلود على واقع البلاد كما يلي:
(. . . فيجب أن نؤمن بالاختلاف ونرفض ما يحدث الآن في جبال النوبة من قتل لأمة وتدمير لثقافة أصيلة ونرفض ما يحدث غدا للفونج. . .) http://www.sudaress.com/sudanile/30842

وواضح من هنا أن الأمر ليس طق حنك وكفى إذ ستنكشف مواقف أخلاقية غاية فى الخطورة والاختلاف. تتراوح ما بين الرومانسية. والإبادة والعنف , والحيرة, وغيرها.
لذا ارى ان يوسع البحث عن المواقف من هذه المجتمعات.وان ينفتح السؤال موجها للجميع.

------------------------------------------------------------------

* انت قدمت كلود ومعك نرى كم جهد جهدا ليقنع عشيرته الغرب ان اناسا اخرين فى الكوكب يفهمون, يدبرون معاشهم على نحو مركب.لذا ارى ان اتفاقك والدكتور ليس بالامر الهين. من المفترض ان القناعة بوجود رؤية لدى المحليين امر بدهي, لكن دا الحاصل تتطلب جهدا خارقا.
** واعتقد ان الخلاف بينكما ياتي حول الموقف الاخلاقي .ماذا نعمل؟

[فاروق بشير]

#1219057 [Mo7eb]
0.00/5 (0 صوت)

03-02-2015 10:16 PM
قريت المقالة مرتين .. مرتين ولم اجد إلا سجل بأسماء مثقفين ومفكرين اجانب وبعض الهمزات واللمزات تجاه شخص ما يبدو انه كتب كلام كويس عن البادية ،، ورغم ان المقال يستند كله على مفكر اسمه على الوردي ولكن اعياني البحث داخل المقال عن مضمون حديث الوردي عن البادية وكيف انها سبب البلاء .. نصيحتي للكاتب حين يتناول قضايا كبيرة ومعقدة كهذه ان يبتعد عن الحنق والعجلة .. فلا رأي لحانق كما جاء في الأثر
والعجلة من الشيطان كما جاء في المثل
هذا مع مودتي

[Mo7eb]

#1218455 [د.محمد عبدالله الحسين]
0.00/5 (0 صوت)

03-02-2015 07:12 AM
استاذي الطاهر عمر
تحية طيبة
طرحط متماسك و منطقي.و لكن ألا ترى أنه ليست هناك فكرة واحدة صائبة ماة في المائة و دونك من استشهدت بهم ابتداء من ليفي اشتراوس و سارتر و غيرهم و كذلك الإيديولوجيات الكبرى التي لا تستمر في عنفوانها إلا عقد أو بضع عقود ثم تفقد نصاعتها؟
و من ناحية أخرى لماذا نميل في طرحنا لآرائنا و اختلافنا مع الآخرين للتجريح أو التنابذ إذا كان الهدف هو الحقيقة.
مع احترامي و تقديري

[د.محمد عبدالله الحسين]

طاهر عمر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة