المقالات
السياسة
الساحر ينتظر المطر !
الساحر ينتظر المطر !
03-04-2015 03:22 PM


قال لي صديقي إنني أتكلم كما يتكلم رجال التنمية البشرية، فهل هي سخرية مغلفة منهم، مني !.. من هذه "الموضة" الجديدة التي اكتسحت العالم، بدأت من أمريكا ثم انهمرت لكل البلاد. ولم يقتصر الأمر على الترجمة والبرامج المتعددة في الفضائيات، بل أصبح البعض يبحث عن جذور لهذا المجال الجديد في الثقافة الإسلامية. لا أحد اليوم إلا ويخبرك تقريبا عن الـ "ان الـ بي" ودورات تطوير المهارات والتعامل مع الجمهور، وكيف تدير مشروعا ناجحا؟
ويبقى السؤال.. هل هذه البرامج تطورنا فعليا؟ أم أنها تخدرنا؟
الإجابة من عندي ببساطة.. إذا كان لديك الاستعداد سوف تصبح ما ترغب وإلا كان العكس. فالاستعداد هو الأساس لكل تصل ولكي تحقق الهدف. وهذه الفكرة هي الأخرى مستلفة من داخل كيمياء التنمية البشرية.
أصبحت معاهد التدريب ومدربو تطوير الذات لا عد لهم ولا حد. في كل شارع تقريبا وفي كل موقع. ليس كلهم كذابون وليس كلهم لا يفهمون. لكن قلة منهم هي التي تؤمن بما تقوم به والأمر يشبه الفكي الذي يعالج المرضى فأحيانا يكون منافقا ودجالا.
وما دام الأمر تجارة، فثمة من يخاطر ولا عليه. يريد أن يربح وما أسهل الحصول على الشهادة من أي جامعة أو معهد ما، في لندن أو في واشنطن. والتكلفة مكالمة عبر الانترنت.. و"انترفيو" وقليل من الثرثرة وبعدها عليك أن تحول المبلغ المطلوب لتصبح بين ليلة وضحاها.. المدرب المحترم الذي سيعالج مشاكل كل الناس.
يذكرني ذلك بقصة الحاوي.. ففي طفولتنا كان الحاوي يحضر إلى مبنى المدرسة مرتين على الأقل في السنة. إن لم يكن أكثر من ذلك لأن بعض مافيا المدرسين تترزق من وراءه.. "الكومشن" يدخل في كل شيء..
يأتي الحاوي كما حاوي ماركيز في مطلع رواية "مائة عام من العزلة".. الذي يعرض الثلج كأعجوبة.
.. والحاوي بعد أن يكون قد تجمعنا في صالة طويلة أمام الفصول نصفها شمس ونصفها ظل، يقف المعلمون في جهة الظل طبعا.. يعرض ألاعيبه.. قلم طويل يرتفع وينخفض داخل زجاجة.. يقول بعض العارفين من الطلبة المتلصصين: أقسم بالله أنني رأيت الخيط الذي ربط به القلم إلى زرارة في قميصه. لكن ليس من أحد متأكد.
ينادي الحاوي: فوق يا قلم.. تحت يا قلم..
ثم بعدها يحول الحصى في البرطمانية إلى حلوى يوزعها على الجميع بأن يقذف بها أعلى الرؤوس حتى لتتخيل أنك في استاد كرة القدم في نهاية مباراة شريرة بين فريقين غريمين بعداوة تاريخية تنتهي المباراة بأن تتحول الرؤوس إلى ملاجئ للميكروبات والجراثيم الليلية والقوب.
النهاية ليست هنا.. الحاوي يرتب أوراقا في حجم رزمة أوراق العملة الورقية ثم ينفخ ويتكلم بتعاويذ يقال إنه تعلمها في الهند ثم يفرك يده ثم ... نرى المال يتدفق بين يديه.
يستغرب البعض: يا له من رجل ثري.. ولكن لما يرهق نفسه بأن يذهب كل يوم في الظهيرة لمدرسة أخرى بحثا عن المال إذا كان قادرا على أن يصنع من الورق مالا. وبهذ ه البساطة..
يتداولون في الحي قصصا عن أنه يغش الجزار بأن يأخذ اللحم ثم يدفع بالمال ويهرب في الزحام ليكتشف الرجل بعد فوات الأوان أن أمامه ورقة بيضاء وليست العملة التي يعرفها. هل هي عصا موسى فقدت قيمتها وتبخرت معجزتها ؟!
ولم ينتهي العهد بالحاوي.. ففي الدوحة وبعد سنوات رأيته يحمل رأس أفعى وجسد امرأة وهو يجلس داخل صندوق.. واللعبة مستمرة. وهناك من أخفي برجي التجارة العالميين في نيويورك أمام الناس، قبل أن يخفيهما أسامة بن لادن إلى الأبد.
الموضوع علم ودراية.. ومعرفة.. الحاوي يتعلم ذلك في مدرسة ويتدرب عليه.. إنها خدع بسيطة وبإمكانك أن تتعلمها.. قال لي صديقي إبراهيم..
كان يعرف في هذه الأمور ويتكلم عن علاقاته الواسعة مع الجن والمردة وأنه قادر على استعادة أشياء مفقود بأن يعيدها إلى الأماكن التي فارقتها منذ سنوات طويلة..
ابتسمت وقلت له: وهل تقدر على أن تعيدني إلى بلدي؟
وآخر روى لي حكاية كيف أن ذلك الطلب نفذه أحدهم لرجل كان في القاهرة وعاد لمكان آخر ثم لم يعرف كيف يعود ليلتها فتورط..
عودة إلى علم التنمية البشرية وتطوير الذات والمهارات ومفاتيح النجاح والسعادة في الحياة. كل شيء ممكن وأصبح علم ليس ثمة شك في ذلك. ولكن الاستعداد يظل هو الأولوية إن لم تكن مستعدا لن تنجح ولن تصل.
الذين جربوا، وصلوا.. والفكرة ببساطة أن وضع الخطة والهدف يضعك في أول العتبات باتجاه الحقيقة.. حقيقة ذاتك من تكون ليتاح لك أن تصل إلى مبتغاك وما سوى ذلك سوف تجد أنك تسير في طريق متعرج لن يوصلك لسوى الفراغ المظلم.
هناك روايات تفعل الفعل ذاته ومنها رواية "الخيميائي" لباولو كويلهو الذي برع في هذا المجال لدرجة أنه يبدو مصلحا اجتماعيا ومبشرا ورجل تنمية بشرية يزرع الثقة ويراهن على النفوس القوية التي تؤمن بقدراتها.. أكثر من كونه روائيا بحق. خاصة في أعماله الأخيرة التي تحولت لخطب حماسية مدبجة بالنصائح والحكم والمزامير.
العاقل يتعلم من تجربة الحياة في كل تفاصيلها.. يقرأ ويراقب ويتكلم قليلا. ويرى وينظر مرة وأخرى حتى يتأكد أن الصورة هي الواقع وليس ظل لمتوهمات. أسوأ شيء أن ترى الزيف على أنه الحقيقة..
لنعد إذن إلى البدايات.. إلى زراعة الثقة في النفس.. العمل بجدية وصرامة.. الإيمان بالذات والقدرات وأن الإنسان قادر على أن يقوم بهذا الشيء وبكل سهولة. يقال إن العقل الباطن يتكيف ويكون مرنا ويحقق الاستجابة.. ثم يطاوعك حيث تطيعه وتوجهه بالتي هي أحسن وبشكل أمثل. وإلا صرخ فيك وعاندك ووقف ضدك وقال أنت عدوي.
ولهذا قيل الجاهل عدو نفسه.. لأنه لا يريد أن يغادر النقطة إلى ما فوقها.. يظن أن العالم هو ما يراه وما يعرفه وما يفهمه وما سواه ليس إلا غيب ووهم.
والغريب أن الشخص نفسه الذي يرفض الغيب.. يؤمن به ويقاتل لأجله.
أحيانا يكون هذا العقل البشري صعب الإدراك والتكهن بالطريقة التي يفكر بها أو يعمل بها.. إنه معجزة.
لنكن مغامرين من أجل نصبح نحن.. من أجل صناعة غيبنا الجميل دون أن ننتظر السماء لتمطر ذهبا أو فضة.. ندع التواكل إلى التوكل.. ونزرع الزرع ونبذر البذر وننتظر المطر.. وإن تأخرت فسوف نستمطرها صناعيا.. وهذا ممكن..
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 773

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1220426 [جعفر]
0.00/5 (0 صوت)

03-05-2015 12:02 AM
نتعلم منك كثيرا يا عمدة واصل وربنا يخدر ضراع قلمك دايما

[جعفر]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة