المقالات
السياسة
ذكريات الدراسة والعمل في أمريكا لمؤلفه الأستاذ الدكتور حسن عبد الرازق النقر.
ذكريات الدراسة والعمل في أمريكا لمؤلفه الأستاذ الدكتور حسن عبد الرازق النقر.
03-07-2015 01:40 PM


يرتبط تاريخ المهاجرين السودانيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية بالشيخ ساتي ماجد محمد القاضي الذي قضى قرابة ربع قرن من الزمان (1904-1929م) في بلاد العم سام، حيث ترك بصماته على تفكير الداعية الإسلامي مالكوم إكس(Malcolm X)،وأسهم في تشكيل معالم الجالية المسلمة التي كانت تزاوج بين مبادئ الإسلام العامة وموروثاتها المحلية، القائمة على إرث الاسترقاق والاضطهاد العنصري، والمتأثرة بعادات المهاجرين الذين قدموا من أصقاع المعمورة المختلفة، ورهنوا طرفاً من وعيهم الإسلامي بمشكلات واقعهم المعيش. والآن مضى أكثر من نصف قرن على وفاة الشيخ ساتي ماجد بقرية الغدار بشمال السودان عام 1963م وصدور كتاب الأستاذ الدكتور حسن عبد الرازق النقر، الذي عاش طرفاً من حياته الزاهرة (1979-1992م) في مدينة كولمبوس، ومدينة ماديسون، ومدينة شيكاغو، حيث كان عضواً فاعلاً في الجالية المسلمة آنذاك. وكانت جالية النقر تختلف كماً وكيفاً من الجالية التي عاش بين ظهرانيها ساتي ماجد، الملقب بشيخ الإسلام في أمريكا الشمالية. وبناءً على ذلك اختلفت تجربتا الرجلين؛ إلا أن الشيء يميز الأستاذ النقر عن سابقه أنه استطاع أن يوثق طرفاً من تجربته الشخصية الثرة في كتابه الموسوم بـ "ذكريات الدراسة والعمل في أمريكا: تجارب ... طرائف ... مواقف"، في مجتمع يعدَّه الكثيرون مجتمعاً مثالياً ورفاهياً، ولكن تجربة الأستاذ النقر شككت في صدقية هذا الاعتقاد المطلق، ووثقت شكها بالعديد من الشواهد الواردة في قصصها المروية، وأخبارها المتفرقة، ومفارقاتها الفكهة، وعبرها المتدثرة في ثنايا النص، وثنائياتها الجدلية القائمة على فوارق اللون والعقيدة، والتي تعكس جانباً من ثقافة "نحن" و "هم الاقصائية. والكتاب في مجمله نُسج قلمي رائع، يجسد براعة المؤلف في السرد، وقدرته على جذب اهتمام القارئ، عندما يصطحبه في زيارة ذهنياً من موضوع إلى آخر، طارحاً عليه حزمة من القصص المثيرة للدهشة، والمواقف الطريفة التي تدفعه دفعاً لبلوغ خواتيم الذكريات النقرية، الزاخرة "بغرائب الأمصار وعجائب الأسفار".
يتكون الكتاب من 172 صفحة من القطع المتوسط، التي تشمل صفحات المقدمة، بما فيها تقديم الأستاذ الدكتور مالك بدري (ص: 3-26)؛ والفصل الأول: في مدينة كولمبوس- ولاية أوهايو، 1979-1981م (ص: 27-62)؛ والفصل الثاني: في مدينة ماديسون- ولاية وسكنسون، 1981-1990م (ص: 63-135)؛ والفصل الثالث: في مدينة شيكاغو- ولاية إلينوي، 1990-1992م (ص: 136-172)؛ ثم يأتي بعد ذلك بملحق وثائقي لبعض المشاهد التي عاشها المؤلف، أو اشترك في صوغها خلال رحلته الطويلة العامرة بالعطاء والإنجاز. صدر الكتاب عن شركة كاسي للطباعة (Kaci Printing SDN. BHD) بكوالالمبور، ماليزيا؛ وهو بلا منازعٍ يشكل إضافة قيَّمة لأدب الرحلات وأدبيات المجتمعات المسلمة في الغرب بأقلام عربية.
النقر وتحديات التأقلم المناخي والثقافي
كانت مدينة كولمبوس تعني البدايات الصعبة بالنسبة للطالب حسن عبد الرازق النقر، بدايات الحياة الزوجية، وبدايات الدراسة، وبدايات العيش في كنف مجتمع يختلف عنه ثقافةً رؤيةً. لذلك عندما أقلعت الطائرة التي كانت تقله من مطار الخرطوم في صباح يوم الخميس 27 سبتمبر 1979م، متجهة إلى مدينة كولمبوس بولاية أوهايو، ذلك العالم المجهول، بدأت تتجاذب النقر مشاعر متباينة، مزيج من الفرح والخوف، والشعور العميق بالمسؤولية. فرح الابتعاث إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وخوف الفشل في التحصيل الدراسي؛ لأنه غادر السودان مبعوثاً من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، للتحضير لدرجتي الماجستير والدكتوراه في الأدب الأفروأمريكي الإفريقي المكتوب بالإنجليزية؛ وفرح عش الزوجية الذي دخله دون إعداد مسبق أو معرفة سابقة بالطرف الآخر قبل أن يقيما مراسيم زواجهما في اليوم السابق للسفر، ورهبة الوفاء بالتزاماتها الحياتية. وصل حسن وزوجته سامية إلى مطار مدينة كولمبس ولا يدري أين يسكن؟ وكيف يعيش؟ وكيف يواظب على أداء شعائره التعبدية؟ لكن هذه التساؤلات العارضة حُلَّت بسهولة ويسر، عندما استقبله نفرٌ من السودانيين في مطار كولمبوس، لكن المضيف عادة لا يحل كل مشكلات ضيفه الذي لا يدري تفاصيل البيئة الجديدة التي يعيش فيها. وهنا يحضرني قول المؤلف:
"يبدو أنَّ الإخوة السودانيين قد نسوا أن يجهزوني لفصل الشتاء ومداخل الجامعة ومخارجها، وجاء الشتاء فجأة، وأول مرة نرى الجليد ينزل كالعهن المنفوش. مكثنا أنا وزوجتي نلعب به، إذ لم نكن نصدق أن يبقى الآدمي حياً، والثلج ينزل من السماء. ذات يوم سقطتُ على الأرض أمام جمع من الطلاب، فلم يضحك علي أحد، ولم أصب بأذى، ولحسن الحظ رآني أحد الطلاب السودانيين، فأسرع إليَّ، وأخبرني أن هناك حذاء وملابس قطنية داخلية، وسترة خاصة بفصل الشتاء. وهذا الشاب نفسه حملني بسيارته في اليوم التالي إلى أسواق المدينة، حيث أشريت احتياجات فصل الشتاء. وشكوت له صعوبة الانتقال من مدرج إلى آخر، والجليد مكوم في ممرات الجامعة، فضحك كثيراً حين قلت له إنني لا أرى الطلاب يتنقلون من مبنى إلى آخر! فهل يتحولون إلى أشباح في فصل الشتاء؟ السر في الأمر أن كل الجامعة لها ممرات مدفأة تحت الأرض، ترتبط بين مباني الجامعة كلها، وهي معدة إعداداً خاصاً لفصل الشتاء."
وبعد تجاوز مشكلات فصل الشتاء ومتطلبات الجامعة الأولية نسج الأستاذ النقر شبكة من العلاقات الاجتماعية الواسعة في أوساط الجالية المسلمة بمدينة كولمبوس، وبعد فترة من الزمان أضحى علماً يشار إليه بالبنان، ودوره الارشادي والاجتماعي يلامس أطراف دور الشيخ ساتي ماجد محمد القاضي من حيث الإفتاء والوعظ، ورئاسة اتحاد الطلبة المسلمين، وإمامة أحد مساجد المسلمين السود. وعند هذا المنعطف أدرك لشيخ النقر تأثر المسلمين السود بإرث الاسترقاق والاضطهاد الذي عاشه أسلافهم، وكيف وضعهم ذلك التاريخ المرير في صراع مع الأمريكان البيض الذين سيطروا على مقاليد السلطة وموارد الثروة. ولذلك أصبح العقل الباطن للسود مشحون بكراهية البيض؛ لدرجة جعلتهم يتساءلون هل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان أسوداً أم أبيضاً؟ وفي ذلك يقول المؤلف:
"ألقيت خطبة الجمعة يوماً في أحد مساجد الأمريكيين الأفارقة، وبعد الصلاة كنا نستعد أنا وأحد السودانيين للذهاب لمكان ما مع زوجتينا فجاءت عصبة من الأمريكيين السمر، وخاطبوني يريدون أن يطرحوا علي سؤالاً مهماً شغلهم زماناً، ويودون معرفة إجابتي عليه... أكان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أبيض اللون أم أسوده؟؟ قلت له: والله العظيم أنا أبداً لم أفكر في الرسول صلى الله عليه وسلم كشخص أبيض أو أسود، إنما المهم أن أفكر فيه بوصفه رسولاً، هل أؤمن به أولاً، لماذا يهمني لونه؟ هل هذا أمر مهم؟ فغضب قائدهم (وكانوا ثلاثة نفر)، وهاج وماج وقال لي: إن هذا أمر مهم ، كل الرسل كانوا بيضاً والرسول محمد هو رسولنا نحن المستضعفين، فهو حقاً أسود اللون. فقلت له: إذا كان هو يعتقد سلفاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أسود اللون، لماذا يتوجه بالسؤال إليَّ أصلاً؟ ثم عاجلته بفكرة كثيراً ما راودتني: أنا لست مثلك ولن أفكر مثلك؛ لأن تفكيرك هذا هو نتاج تجربة اجتماعية تاريخية لم أتعرض لها أنا، فأنا لم أتعرض للاسترقاق، ولا أبي، ولا جدي، من هنا حتى آدم عليه السلام. فوجم الجميع، وغضب صديقي السوداني مني غضباً شديداً، وعاتبني على ما قلته، ولكنني أفهمته أنَّ قولي هذا ليس زلة لسان. ثم جاءت الجمعة التالية، فظهر لي ثلاثتهم، وقال كبيرهم: لقد فكرنا فيما قلته لنا الجمعة الفائتة، ونحن نرى أنك محق جزئياً، فقاطعته محتداً: ليس جزئياً، بل أنا محق تماماً: ولن تفلحوا إذا لم تخرجوا من هذه القوقعة التاريخية التي سجنتم فيها أنفسكم، ولن تستطيعوا تقديم الإسلام للآخرين، وإن بلالاً شعر بعظمة الإسلام قبل الدخول فيه، فأمضى حياته منعتقاً من قيود الماضي المحبطة، وأفنى حياته في خدمة الإسلام وتقديمه للناس."
هذه واحدة من النماذج التي ذكرها الأستاذ النقر في كتابه القيِّم، وهي لاشك تبينإنَّ إسلام الأمريكيين الأفارقة قد وشته شية من مرارات الاسترقاق، وجعلته يمثل دين المستضعفين في الأرض الجديدة، الذين حاولوا أن يوظفوه عقدياً في صراعهم ضد البيض، دون أن يدركوا أن رسول الإسلام جاء مبشراً ونذيراً للناس أجمعين، دون النظر إلى ألوانهم وأعراقهم وأوطانهم. وإلى جانب ذلك، أثبتت تجربة النقر الثرة في ثلاث مدن أمريكية (كولمبوس، وماديسون، وشيكاغو) أن اللون لم يكن العامل الوحيد للكراهية الموروثة بين السود والبيض، بل أن ممارسات بعض المسلمين المستفزة لثقافة الآخر كانت تمثل عاملاً مهماً من عوامل الكراهية المتعددة، التي دفعت غير المسلمين لمهاجمة الإسلام والمنتمين إليه. وهنا يستشهد المؤلف بحادثة طريفة، مفادها:
"دعانا صاحبنا الأمريكي الأسمر الذي خرج من السجن لتوه مرةً أخرى، لحفل زفافه على زوجتين في يوم واحد. وصلتني الدعوة، وجاءني وفد من الأمريكيين المسلمين السمر، وطالبوني بالتحدث مع الشاب؛ لأن ذلك فيه امتهان للمرأة المسلمة، فماذا يقول الكافرون عنّا؟ قالوا لي: هل يجوز هذا في الشرع؟ قلت لهم ما أظن أنّ مثل هذا قد حدث في تاريخنا الإسلامي كلّه"! والله أعلم! ذهبت إليه فنظر إليّ مليّاً وقال: أنت؟ أنا أعلم ماذا تريد! وأعلم في الإسلام الكثير، قلت له: هل يمكن أن تتزوج واحدة، وبعد أسبوعين– مثلاً- تتزوج الثانية؟ قال لي: وهل معك آية أو حديث ضدّ هذا؟! قلت له: أنت واحد، وهما زوجتان، ماذا أنت فاعل؟ فقال لي:الأمر سهل، سأقترع بينهما (It is easy: I will toss-up)، وأمضي أياماً مع التي وقع عليها الاقتراع."
تمثل هذه الحادثة نموذجاً من نماذج الفهم السطحي للإسلام، الذي يعرقل مسيرة تواصل المسلمين مع غيرهم؛ لأن بعضهم وظف الأحكام الفقهية لحل مشكلاتهم المشابهة في ظواهرها الشكلية دون المقصدية، وبذلك وضعوا أنفسهم في حالة تعارض مع بعض القيم المعيارية للمجتمع المضيف. ويظهر هذا الفهم غير الراشد والتفسير النمطي للإسلام في كثير من الشواهد التي أوردها النقر، ونذكر منها إلى سبيل المثال حادثة الشاب الأمريكي الذي اعتنق الإسلام، ثم غير اسمه إلى "طارق محمد عبد الهادي"، فاحتجَّ والده على هذا الإجراء، قائلاً له: لك الحق أن تغير دينك، لكن ليس لك الحق أن تسقط اسم والدك، الذي تنتمي إليه بيولوجياً. وقد علَّق النقر على هذا الموقف في حينه، قائلاً: "فذكرت له صحة ما قاله أبوه، مع تأكيدي له بأنّه إذا كان حريصاً على إسلام أبيه ما كان يلجأ لهذا التغيير، ثم إنه لا يحتاج لتغيير اسمه أصلاً؛ لأن الاسم ما دلّ على شخص، وليس واجباً على كل من يُسلم تغيير اسمه لاسم عربي، والله أعلم"...

النقر ومبدأ اليد العليا خير من اليد السفلى
كحال كثير من المبعوثين السودانيين وغيرهم، واجه النقر بعض المشكلات المالية؛ لأن منحته الدراسية كانت رقيقة الحال، ولم تصل إليه بانتظام من السفارة السودانية بواشنطون؛ ولذلك آثر البحث عن عمل إضافي، يكفى لمتطلباته الحياتية. ولاشك أن هذا التطلع طلع مشروع في أوساط الجاليات التي كانت تأتي من دول العالم الثالث، وتعيش في الولايات المتحدة وبقية دول الغرب المختلفة من غير دخل ثابت. ولذلك نلحظ أن الأستاذ النقر قد عمل أثناء دراسته بمدينة كولمبوس في أحد الفنادق منظفاً للأطباق، وكان يحصل على راتب أسبوعي، يكفيه لشراء احتياجاته المنزلية، وبعض الهدايا لأهله في السودان. ولكن الأمر الذي يبرز احترام النقر لذاته، ويبين طرفاً من التزامه بمبدأ اليد العليا خير من اليد السفلى، هو قصه تعيينه خبيراً في البيئة (Environmental expert) بإحدى مستشفيات مدينة ماديسون، ووقتها كان رئيساً لاتحاد الطلبة المسلمين، ومن المشرفين على توزيع زكوات الأموال على مستحقيها. وهنا يقول المؤلف:
"كنت أعمل في المستشفى الجامعي دون علم أحد، إذ لم يكن مرتبي من بعثتي الدراسية كافياً، أعمل يومي السبت والأحد، حوالي خمس عشرة ساعة في الأسبوع، وكانت كافية لاحتياجاتنا الأسبوعية؛ لأني كنت كثير الضيوف. وصادف أن جاء الشاب رئيس الصندوق الخيري (طالب خليجي) للمستشفى ليلاً لأمر ما، فوجدني أنظف بلاط المستشفى فعانقني وبكى. مساء اليوم التالي أتاني ومعه شاب آخر في البيت، وبعد إكرامهما حاولا أن يعطياني ظرفاً منتفخاً بالأوراق المالية فشكرتهم، ورفضت المبلغ شاكراً حسن صنيعهم، ولم يفتني أن أذكِّرهم بقول المصطفى صلى الله عليه وسلّم: "اليد العليا خير وأحبّ إلى الله من اليد السفلى"؛ لكنني شعرت بالسعادة لما حاولا القيام به. تلك هي روح الإخاء الإسلامي الذي كنا نعيش فيه. الحمد لله فقد كنت سبباً في تجنيد وتوظيف الكثير من الطلاب المسلمين في المستشفى للعمل غير المتفرغ نسبة لظروفهم الصعبة. الطريف في الأمر أنني كنت أحمل بطاقة كتب عليها (Environmental expert) أي خبير في البيئة!، معلقة على زي العمل الرسمي، بينما أنا في الواقع كنت كنّاساً فقط!!"
المشكلات التي تواجه العرب والأفارقة الوافدين
تطرَّق النقر في ذكرياته بالولايات المتحدة الأمريكية إلى بعض المشكلات التي تواجه العرب والأفارقة المسلمين مثل قضايا الزواج، التي تفرضها في بعض الأحيان ظروف معينة مرتبطة بواقع الوافدين، لكنها تفتقر في الأساس لمبدأ الحياة الزوجية، فضلاً عن الاختلافات الثقافية التي تقف عائقاً إمام استمراريتها. وتعرض أيضاً إلى مفهوم تربية الأبناء، وعلاقات الآباء بابنائهم، وذلك في إطار الفهم النمطي لرجل الأمن الأمريكي تجاه العرب المسلمين، الذين يصفهم المجتمع الأمريكي دائماً بالهوس الجنسي، والتمرد على القيم الغربية، والنزوع الفطري نحو العنف والإرهاب. وفي هذا المضمار يروي المؤلف قصة طريفة مفادها:
"أذكر أن جاراً عربياً لي حدثت له عملية بسيطة مع الأطفال، فلجأ إلى تأديبهم، فما هي إلا لحظات حتى سمعت صوت إنذار سيارة الشرطة أمام العمارة، فأسرعت إلى حيث الصوت، فوجدت جاري يصيح في وجه شرطي أراد أن يدخل الشقة بحذائه ودون الاستئذان من الزوج، وكانت زوجته بملابس المنزل، فتدخلتُ، وأفهمتُ الشرطة أن هذا في الثقافة العربية أمر مرفوض مهما كان السبب (قدمت لهم نفسي بوصفي مستشاراً في الثقافة العربية الإسلامية بالجامعة)، فتردد الشرطي في دخول الشقة بحذائه، فخلع الحذاء، وتمهل حتى تهيئة زوجة الرجل، وجد الشرطي الأطفال يلعبون ويضحكون، فقال لي: تلقيت مكالمة من أحد الجيران تفيد بأن الأب يضرب أبناءه، ويعتدي على زوجته، فسأل الأطفال وتفحص أجسادهم، ليـتأكد، وحين تمَّ له الأمر أعتذر، وغادر المكان، وهو يشعر الحرج. وكانت هناك قوة كاملة من الشرطة تنتظر خارج العمارة وهي بكامل عدتها وعتادها جاهزة للتدخل."
خاتمة
في خاتمة هذه المراجعة أود أن أقف متأملاً عند بعض الجُمل والعبرات والمواقف النفيسة التي ذكرها المؤلف، والتي تمثل جزءاً مهماً من ذكرياته في الولايات المتحدة الأمريكية التي صاغها بأسلوب سردي متفرد. ومن العبارات المفتاحية التي استرعت انتباهي، قول الأستاذ النقر: "أحسن ما حدث لي في أمريكا هو اتساع رؤيتي الإسلامية للعالم، كنت أرى العالم من خلال السودان، فأصبحت الآن أرى السودان من خلال العالم". وهنا تكمن قضية الانعتاق من تفكير النسق، وإسقاطاته الاقصائية القائم على مفهوم "نحن" و "هم"؛ دون النظر في إمكانية التعايش مع الآخر. والغريب في الأمر أن الأستاذ النقر ذكر عدداً من الإسلاميين السودانيين اللامعين الذين درسوا في الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحوا اليوم من قادة حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان؛ إلا أنهم لم يستفيدوا من تجربة الولايات المتحدة الأمريكية بنفس القدر الذي بلغه الأستاذ النقر وآخرون، بدليل أنهم لا يزالون ينظرون إلى السودان من كوة الحزب الحاكم، ولا جدال أن هذه النظرة الضيقة قد أسهمت تفتيت الحركة الإسلامية نفسها، وأبعدت النظام عن تمكين القيم الديمقراطية، وتشجيع ثقافة الحوار مع الآخر، فضلاً عن نقصان الإرادة السياسية في تفعيل إدارة التنوع لبناء سودانٍ مستقل في قراره السياسي، وديمقراطي في تداوله السلطوي، وعدل في توزيع موارده الاقتصادية لتنمية ولاياته المختلفة.
الأمر الثاني الذي يمكن استنتاجه من ثنايا ذكريات النقر في الولايات المتحدة الأمريكية أن المسلمين يواجهون بعض المشكلات الفقهية التي تحتاج إلى معالجة مقاصدية جديدة؛ ليس بالضرورة أن تكون مستوردة من أدبيات الفقه المذهبي الذي أنتجه العقل المسلم في ظل واقع مغاير، وظروف مختلفة، لا تتسق مع واقع الولايات المتحدة الأمريكية وظروف مواطنيها المسلمين على المستويين الفردي والجمعي. فالمتبصر في مفردات الواقع الظرفي ومآلاته المقاصدية، كما فعل النقر، يحتاج لفقه جديد، تراعى فيه الموازنة بين إيجابيات وسلبيات الحلول المتاحة. ولذلك نلحظ أن النقر عندما تعلل عليه أحد المسلمين حديثي العهد بالإسلام بأنه لا يستطيع أن يصوم شهر رمضان كاملاً؛ لأنه لا يستطيع التخلي عن شرب القهوة، فأفتى عليه بصوم السبت والأحد، فكانت النتيجة أن مبدأ التدرج دفع المستفتي لصوم رمضان كاملاً العام الذي يليه.
الأمر الثالث الذي تطرق إليه الأستاذ النقر في منعرجات ذكرياته الأمريكية أشبه بمدخل الدكتور حامد فضل الله في كتابه "أحاديث برلينية" الذي يرى فيه ضرورة الاندماج في المجتمع الألماني المضيف، بعيداً الخشية المضخمة في أذهان العرب والمسلمين بفقدان هويتهم العربية، أو الإسلامية نتيجة لاندماجهم في المجتمع المضيف. يرفض الدكتور حامد هذا الاحتراز الرهابي، ويميل إلى الاندماج، محتجاً بأنه الطريق الوحيد للعيش والعمل المشترك، والتفاهم، والتفاعل، والتلاقح، أوالتأثير المتبادل بين الثقافة الوافد وثقافة أهل الأرض، دون أن يؤثر ذلك سلباً على طرفي المعادلة. وتحقيقاً لهذا الاندماج يقدم ابن فضل الله جملة من الآليات المساعدة التي لها قواسم مشتركة مع الآليات التي استخدمها النقر في معالجة لبعض قضايا المسلمين والعرب في المجتمع الأمريكي. ويأتي في مقدمة آليات ابن فضل الله المساعدة على الاندماج في المجتمع المضيف إتقان اللغة الألمانية كتابة ومخاطبة، والتسلح بالعلم المهني والإنساني النافع، واحترام الثقافة الألمانية بمفهومها العام القائم على العادات والتقاليد والأعراف والمعتقدات، وبناء العلاقات الشخصية مع الألمان، ثم التفاعل الإيجابي مع مؤسسات المجتمع المدني بضروبها المختلفة. وهنا تتجلى قيمة الربط بين ذكريات النقر وتجربته الشخصية التي تقدم نموذجاً حيَّاً لمشكلات الفهم الفقهي للإسلام، وكيفية التعايش مع الآخر، وعملية اجترار الحلول والمفاهيم الفقهية السالفة ومحاولة غرسها في بيئة تختلف عنها مضموناً معنى، أو بالأحرى تحتاج إلى فقه جديد يصطحب معه دقائق بيئاتها المحلية وكيفية توظيفها في إطار الإسلام، أو الاسترشاد بمرجعية الإسلام في إطار تلك البيئات.
وتبقي لنا كلمة أخيرة، إنَّ ذكريات النقر في الولايات المتحدة لا يمكن عرضها في مثل هذه المساحة؛ لأنها تذخر بسلسلة من التجارب الثرة الجديرة بالقراءة والتأمل، والمواقف الطريفة والمُلح التي أضفت عليها جاذبية وطلاوة، فضلاً عن المفارقات المثيرة للجدل، التي تعكس مشكلات تباين الثقافات، ثم الإشارات المتناثرة في ثنايا النص عن مفهوم المواطنة في المجتمع الأمريكي، وكيف شكل فضاءً حاضناً لإدارة التنوع، وتوظيفه توظيفاً إيجابياً لتحقيق جملة من الاستراتيجيات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، التي تبلور سر نجاح القيادة السياسية والإدارية في ذلك البلد القارة.
++++
• نُشر بصحيفة السوداني: الجمعة الموافق 6 مارس 2015م
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1490

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة