الـديستوبيا !
03-07-2015 02:46 PM


الديستوبيا Dystopia مصطلح معكوس لليوتوبيا، فإن كانت الثانية تعبر عن مدينة فاضلة أو عالم يعيش فيه الناس في سلام واسترخاء وقيم تامة من المساواة والعدالة، فإن الأولى تشير إلى المدينة الفاسدة، وهو تحديدا اصطلاح يصف "أدب المدينة الفاسدة" حيث كل شيء قبيح وغير مرغوب فيه، وحيث يظهر البشر بأبشع ما عندهم من صور وقيم وجنون، والكلمة في مرجعيتها باليونانية القديمة تعني "المكان الخبيث".
إن الديستوبيا تصور لنا عالما مخيفا ليس فيه إلا الكراهية والذوات التي تحاول بشتى الطرق هدم الأخلاق لتعيش من أجل الدماء والفساد وهي تمارس كل شيء ممكن وغير ممكن ليكون المكان كريها جدا.
وقد وظف الأدب هذا الفضاء بحيث يتم ابتكار أمكنة من هذا النوع، بهدف أن يظهر الكاتب أو المؤلف أن هذه الصفات السلبية تجعل الحياة لا تطاق، وأن الأجمل أن نعيش في عالم رائع يتمتع بالسلام والجمال والمحبة. فـ "الضد يظهر حسنه الضد" كما قيل في الأثر الأدبي.
ولهذا قيل أيضا أن جمال السلم لا يظهر إلا من خلال قبح الحروب. وهذا ليس مدعاة للحرب ولكن يعني ذلك أن من يعيش الجحيم يدرك أن الجنة لذيذة وبارد شرابها عندما يلج عوالمها. والمجرب ليس كالذي يحلم.
وفي الأدب فإن ابتكار أمكنة وأزمنة خيالية في بعض الأحيان، يهدف إلى نقلنا إلى هذه العوالم بحيث نتعلم ونكتشف ونكون أمام القسوة لنصل إلى الدفء والعاطفة ونعظم الوجدان الإنساني والضمير ليكون له دوره بدلا من قتله وتحويله إلى أداة للتمزق والخراب بين العالمين.
لكن يبدو أن الواقع أقوى كما يعرف الناس من الخيال في بعض الأحيان، أو غالبا. رغم أن ذلك الواقع في أساسه اعتمد في البداية على خيالات البشر، وهنا المفارقة أو الإشكال الذي يصعب حله. كيف للخيال البشري أن يصل إلى حد مخيف من العنف بحيث يفوق الخيال نفسه في مساحة أخرى في الفنون والأدب.
كما أن ذلك يكشف أن بعض ممارسي الخيال واقعيا وبغض النظر عن نتائجهم المدمرة، شخصيات مثل هتلر في التاريخ، يكون خيالهم في صناعة عالم الـديستوبيا أقوى وأكثر عمقا من الخيال الروائي والإبداعي. طبعا في الطريق المؤلم والمرعب.
لقد عالجت أعمال أدبية كثيرا مسائل مثل فشل الحكومات وعنفها والرعب الذي ينتج عن السلطة المتحجرة والجنون الذي يأتي باسم التسلط، بل مضت إلى تحليل وتشريح الذات البشرية في أبعد من صورة وعالم وإطار، لنجد أنفسنا أمام شبكة معقدة من المسائل بحيث نقف عاجزين عن فهم الكيفية التي يعمل بها الخيال البشري في إبداع وإنتاج العنف والتوحش.
وإن كان بعض من هذا الأعمال يعتمد على فضاءات تاريخية أو آنية، أو يناقش قضايا حية أو واقعية، فإن الأكثر قوة وتأثيرا في مجازاته الإبداعية من أدب الديستوبيا ما يتعلق بالفضاء المستقبلي الذي لم يخلق بعد كما في رواية 1984 لجورج أوريل، أو كما في "العمى" لساراماغو التي هي أيضا تتحدث عن فضاء غير محدد يبدو أقرب للمستقبل، حيث يكشف عن ترهل المؤسسات الحكومية والبيروقراطية وسقوط العدالة باسم النظام وتحول ما يعرف بالـ "سيستم" إلى مجرد فوضى في النهاية ليس من وراءها إلا المزيد من الشروخ في جسد المجتمع الإنساني وتغييب العدالة وبالتالي تبعيد علم العيش في رفاء أو على الأقل التمسك بالأمل.
إن وجود الشر في عالم الديستوبيا ليس هدفه أن يكون عالمنا شريرا بل أن يقدم لنا مآلات الشرور وما تفعله في العالم، بحيث يحب الإنسان الخير ويبتعد عن القسوة والعنف. ولكن في بعض الأحيان يحدث العكس حيث يوظف البعض هذه النصوص لكي يجعلوا العالم أكثر قبحا وبدلا من تتحول الرسالة الحسنة إلى مغزى جميل وهدف نبيل، تصير على يد إنسان معين إلى فعل يقود لعكس مراده وهدفه، ويصبح الفن أداة سالبة. وهذا ناتج من خلل في التلقي ومن فهم غير سليم لدور الإبداع والفنون وقبل ذلك التربية على ذلك الشيء، التي هي في الأساس غائبة بشكل عمومي.
في عوالم الديستوبيا نشاهد أشكالا وأصنافا كثيرة ومتباعدة من العنف الممارس، ليس على سبيل فكرة السلطة بمعناها المركزي فحسب، بل أيضا على مستويات الذات الفردية والتعاطي أحيانا حتى مع قضاياها بعنف، كذلك على مستوى معالجة قضايا الطبيعة والبيئة في تعامل الإنسان معهما، من حيث الإدارة السلبية التي تحول البيئة إلى عدو بدلا من كونها صديقا للإنسان، وهذا ما يحدث في عالم اليوم، حيث أفسد الإنسان الهواء والبحار بالملوثات والغازات السامة.
كما يعالج هذا النوع من التخييل، الإشكالات الروحانية في التعاطي السيء مع الأديان وتوظيفها بشكل غير سديد بحيث تصبح عنوانا للكراهية بدلا عن التقريب بين الشعوب والتعايش السلمي.
أيضا معرفة أثر التقنية على التقدم وما تفعله من آثار سيئة بالإضافة إلى انعكاسها الإيجابي المفرغ منه. فاليوم ثمة أسئلة كثيرة تتعلق بالتكنولوجيا وما بعدها من أثر. من تأثير على البناء الذهني والأجيال الجديدة وعلى أنماط المعرفة والتلقي، كذلك الأثر المادي المباشر للنفايات والسموم المترتبة عنها والتي تؤثر سلبيا على البيئة في كوكب الأرض.
إن تصوير المستقبل بشكل سيء وعنيف والرغبة في جعله على هذه الصورة الكريهة، هي محاولة إنسانية وإبداعية خيالية للاقتراب من الجمال من خلال القبح، ومحاولة حل المشكلات والتحديات من خلال القفز إلى الدرجة القصوى من الأزمة، أن رؤية ما هو أفظع أحيانا يجعلنا نحل المشكلة الأهون.
لكن الأزمة الحقيقية التي تواجه الإنسان عندما يكون الحدث المظلم الواقع في حيز الـديستوبيا قائما في الواقع وماثلا كما جرى في أحداث سبتمبر مثلا، هنا يصبح المجال الواقعي أكثر قوة من التخيلي، وتتعقد درجة الوصول للحل، لأنه لم تبق مسافة فاصلة للتأمل كما يمنحنا الأدب وهو يتكلم عن مستقبل أو لحظة غامضة لم تحدث وقد لا تحدث أساسا.
إنها النفوس البشرية في معتركاتها المعقدة، بحيث تقترب من الحلول كلما ابتعدت منها، وحيث الخيال الذي يوفر الحلول هو الذي يصنع الأزمات والمعوقات من ناحية أخرى. وربما كان هذا سر جمالية الوجود الإنساني على هذا الكوكب. ذلك التحدي القائم على كون الإنسان ناطقا ومتكلما.. كونه كائنا ذهنيا وجدليا لا يقف عند أي نتيجة على أنها نهائية أو خلاصة لا تقبل الشك فيها أو المراجعات.
لكن في النهاية يكون ضروريا لنا إعمال الخيال.. تطويره وشحذه.. تربية الأجيال على تحرير خيالاتها لتكون قادرة على الفرز بين مساحات الجمال والقبح، وهذا ليس عملا فرديا. بل شأن مؤسسي إذ لم يتم الشروع فيه وبإيمان عميق به ومعرفة بحوافزه ومكتسباته المتوقعة، لن نصل لأي عالم جديد، أفق مستقبلي أجمل.
emadblake@gmail.com


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1071

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1222663 [ملتوف يزيل الكيزان]
0.00/5 (0 صوت)

03-08-2015 11:47 AM
الحل قذف هذا السفاح و عصابته من العلوج الى مزبلة التاريخ:
الوسيلة
" ما اخذ بسيف الحياء فهو حرام"
كل انسان عنده ذرة وطنية و عقل ، عليه تشجيع و الالتحاق بخلايا المقاومة بالاحياء التي لا تطلب منه اكثر مما يستطيع فعلا و لا يلكف باي شئ سوا للاشتراك في رصد منسوبي الانقاذ في حيه ورصد اجرامهم . اما العمل الميداني فهذا لا يكلف به بل كل فرد يكلف نفسه بما يستطيع بدون اكراه مادي او معنوي. فالحديث الذي يقول " ما اخذ بسيف الحياء فهو حرام" ينطبق على تكليف الخلايا لافرادها ، فلن يكلف اي فرد بعمل لا يكون هو شخصيا مبادر به.انت وحدك يمكنك ان تكون خلية منفردا وتقوم باعمال الرصد وتحفظ سرك وسيجئ اليوم الذي تستفيد الخلايا بالمعلومات التي تخزنها.
خلايا المقاومة و حرب عصابات المدن

[ملتوف يزيل الكيزان]

#1222115 [وميض بن عوف]
0.00/5 (0 صوت)

03-07-2015 06:01 PM
والله اول مرة اسمع بمصطلح الديستوبيا..

[وميض بن عوف]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة