المقالات
السياسة
من تخاطب مكبرات الصوت؟
من تخاطب مكبرات الصوت؟
03-08-2015 10:58 AM


إن الحملة الانتخابية هي نوع من الحملات الإعلامية السياسية؛ لأن لها أهداف محددة تسعى لإنجازها كما لها مدى زمني محدد ولذلك تكون مكثفة وتخضع للتقييم لمعرفة مدى فعاليتها؛ ولهذا فإن ما تقوم به تلك الحملة هو تلميع صورة المرشح وتحسين سمعته أو تكوين صورة للمرشح غير موجودة في الواقع بغرض إحداث أثر نفسي لدى الناخبين! ومن الواضح أن الحملة الانتخابية الراهنة لا تختلف كثيراً عن سابقاتها من حيث الوعود والأساليب التي تحمل ذات الملامح والشبه؛ فها نحن نشاهد السيارات الفارهة تجوب قرى السودان ومدنه وحيثما حل موكب أحد المرشحين؛ خاصة ذوي الوزن الثقيل منهم، طفقت مكبرات الصوت تبث أغاني الفروسية من نوع "بتريد اللطام"؛ والقصد كما هو معلوم بالضرورة إثارة الحماس في الناخب حتى لا يكون الخطاب موجهاً لعقله وإنما لعواطفه وإثارة النخوة السودانية وربما القبلية في دواخله فتتكون لديه القابلية لتلقي الكلام على عواهنه دون اكتراث لمحتواه؛ وبالتالي ترسم صورة ذهنية في مخيلته لذلك الناخب الهمام الذي يختلط بالناس ويطرب معهم لأنغام الحماس ويصول ويجول معطياً الناس انطباعاً بأنه ابن المنطقة والقبيلة البار الذي سيأتيهم بما يشتهون من خدمات ومطالب ويفتح لهم أبواب التواصل مع الجهات الرسمية حتى يذلل لهم كافة العقبات من أجل خدمة المنطقة وتطويرها وجعل صوتها مسموعاً لدى صناع القرار! وبهذه المناسبة تحضرني قصة تعود للدعاية الانتخابية التي سبقت انتخابات 1967، فقد جاء مرشح دائرتنا ووعد الناس بحفر "دونكي" وفعلاً جلب معه بعض المواسير الكبيرة ووضعها في مكان يظن الناس أن به "عين ماء" وفاز المرشح ولكنه لم يعد للمنطقة حتى توفاه الله، سائلين الله له الرحمة والمغفرة، ولا تزال تلك المواسير موجودة في الموقع ولكننا لم نر "دونكيا"ً ولا بئر "أم لواي"! وقد تكرر ذات المشهد عام 2010 إذ كانت هنالك وعود بصيانة المدارس القديمة وتشييد أخرى جديدة بالمواد الثابتة ولكن نائب الدائرة لم يعد إليها حتى اللحظة. وإنني لأعتقد جازماً أن ما حدث في منطقتنا قد تكرر في معظم بقاع السودان وسوف يحدث مرة أخرى هذه السنة. بشكل عام، من يتابع خطاب المرشحين، من كافة الأحزاب المتنافسة، يجد أن دعايتهم الانتخابية لا تزال تتمحور حول تقديم الخدمات الأساسية للمواطن وكأن هذه الخدمات ليست من واجب الدولة نحو مواطنيها؛ وهذا ما يفسر لنا تحرك المسئولين لافتتاح بعض المنشآت والمشاريع هذه الأيام حتى كان هنالك مهرجان كبير لتوزيع السراويل في واحدة من كبريات ولايات السودان؛ الأمر الذي يجعل المراقب يحس بأن كل هذه التحركات إنما هي جزء من الدعاية الانتخابية وليست من أجل عيون السودانيين وهذا لعمري شيء جد مؤسف؛ لأنه يمثل امتناناً على الناس بما هو حق مكفول لهم بموجب الدستور والمواطنة. من جانب آخر، يلاحظ خلو الحملة الانتخابية للحزب الحاكم من أية إشارة ولو عابرة للمشروع الحضاري الذي يبدو أنه ذهب أدراج الرياح أو عصفت به رياح التحولات التي أحدثها الربيع العربي في المنطقة وإفرازات الموقف الدولي الراهن، باستثناء ما ذكره مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية المواطن عمر حسن أحمد البشير بأنه سوف يسعى لتطبيق شريعة خالية من الشوائب "نظيفة" وكأنما هنالك شريعة أخرى غير ذلك! يا أيها السادة المرشحون نذكركم بأن هذا الشعب لم يعد كما كان في عام 1967 وما قبلها بل طرأت عليه تحولات كبيرة جعلته يدرك كثيراً من الأمور التي يظن أصحابها ومدبروها أنها تخفى عليه؛ فهنالك الآن جيل واع ومدرك لمجريات الأحداث مما يستدعي مخاطبة الناس بقدر وعيهم وإدراكهم حتى يكون الخطاب متسقاً مع سياقه الحضاري والزمني بمعنى أن يغير قادة الأحزاب ومرشحوها من فكرهم ونظرتهم لهذا الشعب الكريم؛ وبالتالي يغيروا أساليب التخاطب معه من حيث اللغة والمحتوى؛ فهنالك ثمة وعود نعلم علم اليقين أنها لن تر النور فقط لكونها ليست ضمن مقدرات المرشح وإمكانياته، بل هي من مسئولية الدولة ولذلك يجب أن تقوم بها بعيداً عن الدعاية والحملة الانتخابية سواء للحزب الحاكم أو غيره من الأحزاب دون دغدغة لمشاعر المواطنين وعواطفهم. أخيراً، يجب عليك، أخي المرشح، أن تشعر بآلام الناس وتطلعاتهم وأنك ترغب في خدمتهم بشكل حقيقي، ولهذا لا تحاول أن تظهر للناس بصورة غير صورتك، ولكن اجعلهم يعرفون الإنسان في دواخلك حاول أن تريهم من وقت لآخر صورتك الإنسانية التي تراها عائلتك وأقرباؤك، ولا تراوغ في حواراتك وحملتك الانتخابية، ولا تقل سوى الحقيقة فقط بكل وضوح وصراحة وعبّر عن أفكارك ومشروعك بطريقة مباشرة وشفافة، وركّز على أن تعبر عن هوية وطنية خالصة وأسعى أن تقدم حلولاً واقعية ومستدامة لمشاكل الناس وقدّم لهم أفكاراً وسياسات جديدة تعكس لهم طريقة تفكيرك الخاصة وليس فقط البرامج التفصيلية التي يضعها خبراء الحزب وقادته معك؛ فالدعاية الانتخابية لا تبيح الكذب بأي حال من الأحوال.



[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 944

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1222687 [قاسم]
0.00/5 (0 صوت)

03-08-2015 12:14 PM
قلت يا سيدي (حتى كان هنالك مهرجان كبير لتوزيع السراويل في واحدة من كبريات ولايات السودان) ... هاك يا سيدي :
كلما بللوا سراويلهم بدلناهم سراويلا غيرها

(سراويل ممنوعة من الصرف لكني أصرفها !) السراويل المقصودة في العنوان هي سراويل داخلية من تلك التي تستر العورة و ليست سراويلا خارجية (بناطلين) ... ربما لن يصدق الكثيرون ما سأرويه بشأن السراويل رغم أنني سأقوم بمدهم بمصادر الأخبار .. دعوني أبدأ بمقدمة تبدو لأول وهلة لا علاقة لها بما بعدها لكني أراها غير ذلك ...
في صباح من تلك الصباحات الكئيبة التي لا يوجد غيرها في بلادنا ، كان عليّ أن أحضر جلسة كشاهد في المحكمة القريبة من مكان سكني و التي أمر بها يوميا تقريبا ، فقد أوقعتني المصادفات المشؤومة أن أكون شاهدا على جريمة غريبة لا يتسع الحيز لرواية تفاصيلها هنا ، ربما أحكي لكم أهوالها يوما ما .. في انتظار أن يحين ميعاد انعقاد المحكمة عليك أن تنتظر لتشاهد مناظرا لا ترغب فيها ، إذ أن مجمع المحاكم هذا به عدد من المحاكم و القضاة الإسلامين (في بلادنا لا يوجد شيء غير إسلامي ، حتى الحمامات إسلامية) و أغلب أحكامه بها عقوبة مكملة و هي الجلد . الجلد عندنا إسلامي كامل الدسم ، يتم تنفيذه بسياط كأذناب البقر يسمونها (سياط العنج) أو (الكرباج) ، و يقوم به عساكر غلاظ قساة مخيفون .... يوميا عند مروري بالمحكمة أسمع صراخ الأطفال المجلودين و توسلهم ( و الله تبت يا عمي البوليس ... عليك الله يا عمي البوليس) أو صراخ النساء و توسلاتهن (تبت و الله ، واي عليّ ... حن عليّ يا ود امي) لكن كل تلك التوسلات و الصرخات لم تكن تهز شعرة في أولئك العساكر الذي شحنوهم بشحنات إيمانية عالية و أنهم يقومون بمهمة مقدسة بتطهير الأرض و إزالة الخبث و إنفاذ شرع الله ...
في ذلك الصباح جاءوا بفتاة في العشرين لساحة الجلد حيث تنفذ الأحكام (و ليشهد عذابها طائفة من المؤمنين) عملا بأحكام الشرع . سرت همهمة ممن جاءوا خارجين معها من قاعة المحكمة بأن جريمتها اللبس الفاضح إذ تم القبض عليها متلبسة بالجريمة (يترك القانون تعريف اللبس الفاضح مبهما فالمادة تقول "كل من يقبض عليها تلبس لبسا فاضحا ..." فهو لا يحدد ما هو اللبس الفاضح كأن يقول مثلا إن إظهار الساق يعد لبسا فاضحا أو إبراز النهود باللبس الضيق أو المؤخرة أو ... الأمر متروك ــ كما قال الأذكياء ــ لمدى إثارة الفتاة للشرطي ، أي أن حالة الشرطي (الهياجية) تحدد طبيعة اللبس الفاضح ، فلو كان قد قضى وطره قريبا ربما لا يشعر بالإثارة ، أما إن كان قد طال به الحرمان ربما يثيره نهد بارز أو مؤخرة ممتلئة عندها تتحدد جريمة اللبس الفاضح ... على كل حال جرى العرف في بلدنا أن البنطلون ذو دلالة قوية عند الإسلاميين على اللبس الفاضح ، ربما لأنه يعطي إيحاء باستبطان تصور العضو التناسلي للفتاة) .
كانت الفتاة سيئة الحظ ترتدي بنطلونا حين (كمشها) العساكر ، و كما أخبرتكم منذ قليل أن البنطلون في بلدنا المستعرب المتأسلم يعد لبسا فاضحا (وا فضيحتاه) خاصة إذا كانت ترتديه فتاة من غير المستعربين (ذات ملامح أفريقية) .. حين بدأ العسكري الجلد بقسوة (لأنه يرجو الثواب بردع الأنجاس و دعاة الانحلال) أخذت الفتاة في الصراخ ، كان المتفرجون قسمين ، قسم شامت مستبشر ساخر من عذاباتها (فهذه الملعونة النجسة تريد أن تنشر الرذيلة وسط مجتمعنا الطاهر و لا بد من تأديبها) هؤلاء كانوا يهتفون : "الله أكبر" . قسم صغير يتألم لكنه يجتهد في إخفاء ألمه . صرخت الفتاة بألم موجع ينغر كل جروح القلب المتقيحة : ( واي يا يمه .. الحقيني يا يمه) و للعجب صاحت امرأة من الجمهور بصوت باك مقهور : ( آه يا حشاي) و هو تعبير باللهجة المحلية تقوله الأمهات يعني (يا ثمرة أحشائي) ... جذب أحد العساكر الأم فوقعت على الأرض و هرب الذين حولها ، ألهب ظهرها بعدد من السياط بأقصى قوته (كيف لها أن تبدي تعاطفا مع من حكم عليها قاضي الشرع بأنها تزدري شرع الله باللبس الفاضح) تبولت الأم على ملابسها ربما بسبب المفاجأة و الألم ، إذ سال البول و بلل الأرض .. شعرت بالغثيان و أسرعت مبتعدا رغم خوفي من أن ينادي عليّ حاجب المحكمة للدخول و لا يجدني .. بعد أن أفرغت ما في جوفي من كسرة الخبز التي أكلتها مع الشاي عدت فقابلني أحدهم كان يجلس بجانبي و صاح متهللا : "حتى البنت تبولت على ملابسها " ثم هز قبضة يده شامتا و قال بلهجة متشفية : " بت الكلب " .. هممت أن أضربه على (بوزه) لكني تمالكت نفسي في آخر لحظة .
هذه المقدمة لها علاقة بما أعلنه مسؤول بولاية الخرطوم بعدد من الصحف يوم الأربعاء 26 فبراير 2015 بأنه يتشرف بدعوة المواطنين لحضور مشروع تطوير المساجد والخلاوى (الخلاوى جمع خلوة و هي المكان الذي يتم فيه تحفيظ القرآن) وتوزيع بعض الملابس والسياط بما فيها 12000 سروال ، انظر: http://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-58810.htm
السراويل عندنا يسمونها (الأنكسة) و في بلاد أخرى يسمونها (كلوتات) ... لعلكم عرفتم الآن علاقة المقدمة بالخبر : سياط المسؤول للجلد و السراويل لتبديل المبللة (كلما بللوا سراويلهم بدلناهم سراويلا غيرها كي يذوقوا العذاب) .
تجدها في الرابط :http://thevoiceofreason.de/ar/article/15871 بقلم سرحان ماجد

[قاسم]

محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة