المقالات
السياسة
الاختلاف والهوية !
الاختلاف والهوية !
03-08-2015 02:30 PM


"إن هويتي هي التي تعني أنني لا أشبه أي شخص آخر"
أمين معلوف في "الهويات القاتلة"
***
البحث عن الاختلاف، قيمة إنسانية تقوم على أن الفرد يحاول أن يبرز ما عنده وليس عند الآخرين، وبغض النظر عن الأسباب الدافعة لهذا الرغبة أو النزعة الإنسانية، فإن هذا الاختلاف قد يكون في أشياء كثيرة لا حصر لها، في الخبرات والمواهب وفهم الأشياء، بل في حل أبسط الأمور وإدارة شؤون الحياة العامة، والبراعة أحيانا في مسائل يومية وعادية كأن تعرف كيف تفتح حنفية قديمة استعصت على الجيران.
يبحث الإنسان عن الاختلاف كفطرة، وهذا الشيء جميل طالما أنه متعلق بالتميز الإيجابي والدافعية الخلاقة التي تقود إلى تطور الإنسانية ورفعتها والتحرك بها نحو فضاءات أرحب في النماء الذهني والعملي، لكن إن تعلق الاختلاف بالعكس بأن كان وسيلة للشر والنزعات الفاسدة فهنا يتحول الأمر إلى طاقة سلبية ومدمرة وبدلا من يكون نعمة يصبح نقمة.
والذي يريد أن يكون مختلفا سواء كان فردا أو أمة أو دولة أو حضارة أو شركة، الخ.. عليه طبعا أن يبحث عن عناصر القوة فيه والنقاط التي تميزه لتجعله مميزا ومختلفا، ليعطي ذلك الفعل جاذبيته وبعده الموجب. وهذا يعني ألا يبحث عن المختلف من خلال تدمير الآخر. كما ينعكس في المثال البسيط أن تدمر البيت الأعلى منك ليصبح بيتك الصغير هو الأعلى. بل أن تفعل العكس بأن تبني أعلى من البيت الموجود.
لكن بانتباهة بسيطة يجب أن ندرك أن الاختلاف الفاعل لا يقوم على مقارنات أو مقاربات كلاسيكية مثل أعلى وأكبر وأطول. فهذه الصفات لا تقود لغير مكان مثل موسوعة جينيس حيث التميز بهذه الطريقة التي صفتها الأرقام القياسية.. القياس كقيمة تفضل شيء عن آخر. في حين أن التفضيل هذا يمكن أن يقوم على ما هو أعمق من ذلك في المداليل الثقافية والقيم المعرفية وهذا هو المطلوب والذي يوجد التأثيرات العميقة في الإنسان ويحوله إلى فاعل في محيط المكان والزمان.
***
ربط أمين معلوف في "الهويات القاتلة" بين الهوية والاختلاف. فالهوية.. هي كينونة الذات تنطلق أو تأتي من خلال غياب التشابه، التفكيك الذي يقود إلى أن يراني الآخر مؤثرا وإيجابيا من خلال قيمتي ككائن له بعده الثاني، وليس مجرد تكرار أو نموذج مقولب. وهذه النظرية أو النظرة في فكر الهوية أو الاختلاف الذي يقود إليها، هي قيمة ثابتة ومفهوم شبه مؤصل له في مسارات التحديث أو البحث عن الحداثة في الشعوب، في أي موقع كان. فالفكر الإنساني الحديث يتمسك بأن الاختلاف المستقبلي الذي يقود لتأصيل هوية متفردة بحق، يقوم على كسر القوالب والأنماط والقيم المتوارثة، بشرط أن يتم ذلك بناء على وعي صحيح وليس مجرد رغبات جارفة.
إن تكسير الأصنام أو تهشيم القيمة القبلِية.. أي الورائية.. لا يُوجد قيمة جديدة ولا يصنع اختلافا ما لم يكن ثمة تأسيس مسبق للاختلاف، فالمختلف لا يأتي فقط من خلال العنف أو الحروب أو الضجيج. وفي الحكومات الشمولية والمجتمعات البدائية هناك ظنون بأن الانتصار الذي يحققه طرف على آخر باسم السيف سيقود في النهاية للسيادة، لكن سرعان ما سوف يكشف التاريخ خطل ذلك الظن، وأن الحقيقة الأبدية والماثلة هي الاندغام في جوهر الاختلاف ومعناه. بأن يكون حتى فعل العنف مؤسس له من خلال المعرفة لا الرغبات الباطلة التي ليس لها من هدف ولا بناء تحتي واضح.
***
إن الاختلاف القائم على النفي.. تجلى في الميثولوجيا الدينية كما في نموذج قصة قابيل وهابيل، حيث يقوم الأخ بقتل أخيه لكي تكون له السيطرة والقوة على المرعى والثروة الحيوانية والأنثى، وهذه الصيغة هي أول المجازات البشرية التي تكشف لنا أن التأسيس الأولي لفكر الاختلاف والهوية قام منذ بواكيره على إنجاز القوة وليس المعرفة والتعلم والتدبر. فما قام به قابيل في شأن أخيه، كان مثالا واضحا ما زال يستنسخ إلى اليوم ويعزز بدرجة واضحة بعدا من أبعاد الكائن البشري، ذلك البعد الميثولوجي "الأسطوري" الذي يعاد إنتاجه إلى الآن، لكن المعادل الثاني هو قيمة العدل والبحث عن المختلف من خلال العقل والذكاء والإيجابية.. كما فعل النبي يوسف بأن تحقق له العلو والتوزير من خلال المضي في تأكيد الذات إيجابيا. بأن حقق هويته في مقابل كيد الأخوة أو الغريم التقليدي الممثل في الأخ، كما تبرزه بعض القصص الدينية.
مورس الاختلاف أو البحث عن الهوية.. باسم النفي كثيرا في التاريخ الإنساني وصار قالبا للتحرك نحو اكتشاف الذات وتأكيدها بهذه الصورة البائسة التي قد تجد الحفاوة في وقتها أو زمانها، بأن يكون لتلك الذات التفرد والاختلاف الذي تبحث عنه، لكن ما أن يمضي الزمن وتتم المراجعات وتذهب القوة يكون للناس أن تتأمل التجربة بوجهة نظر أخرى ليتم تدمير الأمس. غير أن التجربة لا تتوقف ويتم تدوير التاريخ مرات أخرى وبطريقة مأساوية.
***
الهويات القاتلة.. هي مجاز تقريبي يرمز إلى الهزيمة والانكسار والإهانات التي تقع أمامها النفس البشرية، الأمة أو الشعب، أو المجموعة المعينة وهي تفشل أمام ذاتها، بحيث تكون عاجزة عن الاكتشاف والتموضع الصحيح لما ترغب فيه، وبحيث تصبح في النهاية مجروحة ومهددة في بقائها، وهي أحيانا بسبب الإهمال والجهل أو التجاهل لا ترى أن ثمة خطر أمامها بل تمارس الاستمرار في العماء والتلهي بالحياة بظن أنها إيجابية وخلاقة في حين أن العكس هو الصحيح.
وبالتالي فإن تمظهرات التحديث وصوره لا تعني أن حداثة قائمة. كما أن تمظهرات الليبرالية في المجتمعات قد لا تعني الحقيقة أبدا، كما أن صورة الحاكم العادل قد لا تعني أيضا العدل، حتى لو شهدت بذلك الملايين. فالحقيقة قد تجلس في ركن قصي وبعيد وغير مرئي إلى أن تتلمسها ذات صغيرة وتنفذ بها إلى المستقبل، حيث تدرك من خلال نافذة بسيطة للاختلاف أن الأمل قائم ولم يمت. وشهدنا ذلك في مسار التاريخ، كيف أن أفكارا بدت ساذجة في البداية وحوربت، قادت أمما للتحرر والانطلاق إلى الإشراق وبناء الكينونات والذوات الجديدة.
***
أخيرا.. أن تكون مختلفا.. وصاحب هوية.. يعني ألا تخضع لقانون الآخر.. وأن لا تشعر بالغربة مع ذاتك، بل تفهمها وتوظف الإيجابي فيها.. لقد قيل كثيرا أن من صفات الذات المبدعة والمبتكرة أنها تعيش فعل الاغتراب، وهذا صحيح في حدود أنها تعاني "ألم الاختلاف والتباعد في الهوية مع المحيط الخارجي، أي أن يتم النظر إلى الاغتراب بصفته الموجبة لا السالبة، بقدرته على التحريك لا كونه مدعاة للجمود والخسران.
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 725

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1224577 [اسلامي]
0.00/5 (0 صوت)

03-10-2015 07:37 PM
ومن الذي يمنع الاخرين من ان يكونوا مختلفين في الهوايات والرغبات والميول الشئ الذي يفهم من المقال هو اختلاف الهوية اي جنسك يختلف عني او عن غير ونتيجة هذا امارس ضدك قسوة او عنصرية مع انو صاحب المقال لم يقولها صراحة ولكنها تفهم ضمنيا اولا نحن امة اسلامية ناطقة للعربية ولاتنازل عن هويتنا لان الذين لاينطقون العربية يفهمونها ونحن امة محمد صلي الله علية وسلم هويتنا اسلامنا وعروبتنا هي نطقنا للعربية واذا لم يكن نبينا عربي ناطق بالعربية لم نتمسك بهذا الانتماء ولنا الشرف بان نكون من امة محمد ناطقين بلغة محمد صلي الله علية وسلم اما الدندنة حول الهوية واجترار الام ليس للناس دخل فيها او المجتمع ليس له دخل فيها هذا شئ لانقبله ولا يمكن ان نغير هويتنا له والي اي هوية ح نتغير واذا كان الذي يبكون من هذه الهوية عايشين معنا ومتزوجون مننا ويسافر الي معنا الي بلادان الاسلام والعرب لماذا نفتح ملفات فارغة نشعر فيها العالم باننا نعيش نقص حاد في العقل

[اسلامي]

#1223139 [غناوي شليل]
0.00/5 (0 صوت)

03-09-2015 04:08 AM
(فالحقيقة قد تجلس في ركن قصي وبعيد وغير مرئي إلى أن تتلمسها ذات صغيرة وتنفذ بها إلى المستقبل)

نعم، لا أحد يملك الحقيقة كلها، ليس هنا، ليس بعد. إنما ذلك آت، لا محالة.
و الذات التي تتلمس تلك الحقيقة ليست صغيرة، بل كبيرة جدا. كبيرة لدرجة تكاد أن تكون كاملة الحصافة، شاملة المعرفة، عميقة الإحساس.

فالحقيقة أحد تنزلات الحق، قل تصغيره. فالحق خطر شديد الخطر. و الحقيقة حرف من حروفه التي تعد.

[غناوي شليل]

#1223071 [وميض بن عوف]
0.00/5 (0 صوت)

03-09-2015 12:19 AM
ساعدنا بالترجمة ياعمدة

[وميض بن عوف]

#1223025 [منصور]
0.00/5 (0 صوت)

03-08-2015 10:34 PM
اخى الحبوب :
هل يستوى الحى والميت ام هل تستوى الظلمات والنور وﻻ يستوى الذين يعلمون والذين ﻻ يعلمون انما يتذكر الو الالباب
هناك تنافض وجدل كبير في مسئلة الهوية التى هى اصلا محسومة وﻻ تحتاج الى ذلك الجدل والتناقض وما يحدث الان من سجال في هذا الموضوع ليس اﻻ تضيعة الوقت وتسلية اما الحقيقة فهى في بطن كل شخص وان لم يصرح بها في دمه في عروقه في عاداته وتقاليده في طريقة شربه للماء وان صم الاذان وعمى العين وتوهان القلوب قد اصيب بها من اصابته لهذا نرى الناس اصبحو سكارى وما هم بسكارى ولكنها الدنيا اصابتهم بداوارها فتاهو وضاعو واحتارو وما زالو في غيهم

[منصور]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة