المقالات
السياسة
الفاسد والمفُسِد
الفاسد والمفُسِد
03-09-2015 02:31 PM

قبل عدة سنوات تحدث معي صديق عن فكرة، قال إنه بصدد اطلاق موقع إلكتروني عن الفساد في السودان.. الصديق الذي يعمل في مجال الصحافة وله خبرة جيدة في هذا الإطار.. أوضح أن هذا الموقع لا يهدف لعرض الفساد بصورته الروتينية أو النمطية ولكن بشكل جديد يعالج الأزمة من جذورها ويحللها بشكل مثير بعيدا عن الصورة التقليدية عن الفساد بوصفه نهب المال العام فحسب، أو الرشاوي أو غيرها من صور استغلال المنصب العام.
نعم.. فالفساد ظاهرة كونية قبل أن يكون متعلقا ببلد معين، تتفاوت نسبه من بلد لآخر قطعا. لكنه ينتشر كلما قلت معدلات الشفافية والرقابة الجمعية في ظل الأنظمة الشمولية أو السلطة المركزية التي تغيّب أي دور لمنظمات المجتمع المدني التي يمكن أن تمثل عينا خامسة، سلطة خامسة، أو الإعلام الذي يقال إنه السلطة الرابعة.
نعم.. الفساد ظاهرة كونية لكنه يبدأ من محيط صغير ويتسع شيئا فشيئا في دوائر لا نهائية التناسل بحيث يعم محيط أوسع فأوسع، فعلى مستوى قرية صغيرة ثمة شيخ فاسد لأنه يسرق أموال صندوق المسجد الذي جمعها أهل القرية لتشييد غرفة صغيرة لإيواء الخفير أو الإمام أو المؤذن. وهناك من يحتال بشتى الطرق وبناء على درجة الوعي المعينة في المحيط وحسب الظرفيات وحجم المال والقدرات. لكنه في كل الأحوال نوع من الفساد.
هذا النوع من الفساد هو المرئي والمنظور.. وسواه هناك أنماط أخرى من الفساد المجتمعي والسلطوي غير المرئية والتي تأتي في الممارسات الإدارية والإهمال والفوضى وتغييب أخلاقيات العمل. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا. فمن يأتي إلى العمل متأخرا ويخرج مبكرا – هو - يمارس نوعا من الفساد وينهب المال العام، لأن الوقت في الأعراف السديدة للحكم هو ثروة يجب الحفاظ عليها، وهو أحد الموارد غير المنظورة التي تضيع في أغلب الأحيان دون أن يقف أحدهم ليقول إن هذا الشخص فاسد، لقد أضاع ملكنا أو صالحنا.
كذلك من لا يضع الرجل الكفؤ في المكان المناسب، يمارس الفساد، لأنه يتعامل بناء على تغييب الأهلية والقدرات الرشيدة التي يجب أن تعزز النزاهة في العمل وتقوده إلى الأفضل. وليست هذه الصورة إلا نموذجا مصغرا ينطبق على أمور لا حصر لها.
إن النظرة إلى مفهوم الفساد وإلى الآن ربما لا تزال تقتصر على الجانب المادي، الأرقام المالية ولم تتعد ذلك إلى تشخيص يكشف أن جزءا من الأزمة التي نعاني منها لها أوجه أخرى من الفساد المستشري في جسد الحكومات والمنظمات والمجتمع عموما، في ظل سيادة التضليل الذي يمارس ممنهجا وأحيانا بشكل عشوائي، لكنه في كل الأحوال يصب ضد المصلحة العليا للبلاد والعباد كما درج القول.
إن النزاهة لا تتجزأ، فالذي يأخذ ورقة من مكتب الحكومة أو قلما أو حتى صحيفة الدولة ليذهب بها إلى بيته، هو فاسد، لأنه أدخل العام في الخاص وخلط بين ما يملك ولا يملك. فأنت تستحق ما تأخذه لأنه لك ولأنك أهل له وليس بحكم الموقع الذي تتموضع فيه، على قاعدة ما يرد في قصص التراث الإسلامي من رد الحاكم الذي قبل الهدية وهو لا يستحقها لأنه لو لم يكن في الموقع المحدد لما كانت له أصلا.
لكن اليوم ما أكثر الهدايا والمناصب التي تعطي لأصحابها سلطات هي ليست لهم، وتمنحهم التشريف والاهتمام المبالغ فيه من الآخرين، وتهيئ لهم من السبل ما لا حصر له، وكأن هذا الإنسان مصنوع من معدن آخر غير هذه الطينة التي صنع منها من يعملون على تبجيله وتعظيمه.
إن الإنسان كائن طموح.. ولا مانع من التطور والتنمية للذات ومراكمة المال والهدايا، ولكن هذا يجب أن يتم بالطرق السليمة التي توازي الاستحقاق وليس عبر استغلال المنصب والوجاهة الفارغة التي تعلي من تعلي وتذل من تذل. وعلينا أن نتذكر أن المجتمع اليوم بات يعاني أشد المعاناة من هذا المرض الاجتماعي الخطير الذي لا يمكن معالجته بين ليلة وضحاها، لأن جوهره متعلق بالأخلاق وتعزيز القيم الفاضلة وهي مثلٌ لا تورث بقدر ما يتم التربية عليها وتعليم الأجيال هذه المسارات الحسنة لبناء الذات والحياة المثمرة.
وقديما قيل "لا حياة لمن تنادي".. ويبدو أن هذه هي النتيجة فالواقع العام لا يكشف أي خطوة واضحة باتجاه أن ينصلح الحال لاسيما في ظل تردي الأوضاع العامة على المستويات السياسية والاقتصادية والتربوية، وبحيث بات المجتمع يعضد مجالات الخداع والتمويه ويعزز مكانة كل متملق وأفاك بأن يصفق له باليدين بدلا من أن يصفع بإحداهما، لأن المصلحة يتم تدويرها ولأن الخروج عن ثقافة القطيع وطاعته سوف تفعل الأفاعيل وتجعل هذا الكائن ذليلا وحقيرا، ساعة تنقلب معايير المذلة والحقارة في زمن الأعاجيب.
على مدى التاريخ، كانت ثمة قيمة وأخلاق. وكان هناك من ينشدون الفضائل والمعاني الطيبة وفي الوقت نفسه كان هناك على الضفة الثانية من نهر الحياة من يمضون في الفساد والقهر بكافة صنوفه ومن يتلذذون بعذابات الناس وإثارة الفتن وجعل الحياة جحيما، لا يهدأ لهم بالا إلا أن يكون الناس يرقصون فوق صاج من النار الحارقة.
على كل، أن يبدأ من نفسه ويقوم بدوره. ليس شأني أن ينصلح الكل إن كنت عاجزا، ولكن إن بدأت في تمثيل جيد لذاتي على مستوى بيتي وشارعي على الأقل فسوف تتسع الدائرة شيئا فشيئا. ولندع إذا إلى هذه القيم الجميلة التي باتت مشردة عن الواقع، ولنحاول أن نعيد إلى حياتنا قيما مفقودة ولحظات دافئة تشعر الإنسان بالسعادة.
إن الحياة ليست إلا جحيما بقدر ما نحن هذا الجحيم، وهذا الألم القائم لأننا نمارس الكراهية والإكراه، وما لم نكن شجعان بما يكفي ونتخلص من رواسب الخوف في الذوات فليس بمقدورنا أن نمضي إلى أي مسرح جديد من مسارح الرؤية التي تجعلنا أُناسا لهم قيمة ودور . أناسا حقيقيين لا مزيفيين على شاكلة دمى تتحرك في مسرح الوجود، يحركها بهلوانات مزيفيون يظنون أنهم يمتلكون الحق والعز والفخر، في حين أنهم لا شيء. وهم يكبرون أمامنا فقط لأننا نقدس الأوهام التي تسكننا.
قال الشاعر أبو القاسم الشابي:
ما قدس المثل الأعلى وجمّله
في أعين الناس إلا أنه حلم
ولو مشى فيهم حيا لحطمه
قوم بخبث وقالوا بخبث إنه صنم
لا يعبد الناس إلا كل منعدم
ممنع ولمن حاباهم العدم
فالناس هي الناس.. على مدار التاريخ.. لكن تبقى الجدارة في الشجاعة في مواجهة الأصنام والصورة المسطحة في مرايا محدبة لا تصور الواقع. وفي التخلص من عبادة المنعدمات. وهكذا يُحارب الفساد والفاسدين.
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1124

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1224337 [سوداني جدا]
0.00/5 (0 صوت)

03-10-2015 12:47 PM
مشكلتنا في السودان عدم الوحده الاجتماعيه قبل السياسيه فقد بلعنا الطعم (فرق تسد) واصبح تفريقنا و تشتيتنا سهلا جدا.. بدئآّ من يا جعلي و يا شايقي و يا عب والكلام الفارغ الماجاب لنا الا الكفوه فمابالك بالسياسه..انصح كل السودانيين بالبدء بتقدير واحترام واحتواء جميع الاعراق والاعمار والمهنيين والمستضعفين في الارض من اخوانهم السودانيين... انصح كذلك ان نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للخير وليس للشر ولفضح الفساد السياسي وليس فضح الناس في بيوتهم... علينا العمل بجد جدا اذا اردنا تغيير السودان للافضل وانا لا املك كل الحلول ولكن احاول بما استطيع ان اكون نموذجاايجابيا لمن حولي..واحلم بسودان مستقر امن يغنينا من الغربه والحوجه...ولكم التحيه

[سوداني جدا]

#1223775 [hassan]
0.00/5 (0 صوت)

03-09-2015 05:27 PM
كلامك حلو ومنطقي ولكن اذا كان رب البيت للدف ضارب
فشيمة اهل البيت الرقص
ولا تصلح الامة الا اذا صلح ملوكها
فهم مفسدون لانهم ينشرون ويشحعون الفساد
وما نظرية التحلل الا باب من ذلك

[hassan]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة