المقالات
منوعات
سلّم البلايا؟!
سلّم البلايا؟!
03-12-2015 09:46 AM

سلّم البلايا؟!
بقلم: الدكتور نائِل اليعقوبابي
*(إيمانك لا يجعلك إنساناً أفضل...
أفعالك تفعل !..).
- نيتشة-
.. يقال: فلان يغرد خارج السرب، ويقال: فلان يسبح عكس التيار، وبالعامية نقول: (فلان حامل السلّم بالعرض)، وكلها مجازات تفيد معنى واحداً غالباً ما يُصبغ بصبغة سلبية تفوح منها رائحة النقد والتعريض باعتبار أن التغريدة الجماعية المتوافق عليها من غالبية أفراد السرب (المطلقة) هي التغريدة الأنسب حتماً، وأن وجهة التيار من المنبع إلى المصب هي الوجهة الصحيحة حكماً، فالقضية في جوهرها تتعلق بمفهومي القاعدة والشواذ، وهي قضية أُشبعت تاريخياً بحثاً وتمحيصاً، ولطالما كانت موضع نقاش فكري وخلاف فلسفي فقهي بالنظر إلى البعد النسبي الذي يحكم حيثياتها، فالمجرم حالة شاذة عن السياق، كما الفيلسوف حالة شاذة، إشكالية قديمة لسنا بصدد الخوض في مفازاتها ومنعرجاتها الخطرة.
أما عن حمل السلّم بالعرض فهنا بيت القصيد أو لنقل (هنَّا حطنا الجمّال)، فهذه العبارة المقتضبة الموجزة تحمل من المعنى ما لا يتأتى لسابقتيها (الفصيحتين) وإن بدت مرادفة لهما من حيث أنها تساق للكناية عن حالة من حالات الاختلاف مع المحيط، إنها أدق وصفاً وأوضح دلالة، فحامل السلّم بالعرض هو شخص تنم تصرفاته عن جهله بلغة عصره أو سوء فهمه لها أو إنكاره لها، والعبارة تستخدم اليوم (عرفاً) للكناية عن حالة مخصوصة جداً أكثر تحديداً لا تخفى على اللبيب العارف بلغة أهل هذا الزمان.
من خلال تجربتي الشخصية عرفت العديد من حاملي السلّم بالعرض.. منهم من سرعان ما ناء بحمل سلّمه فأسنده إلى أقرب جدار وتسلق درجاته نحو غايته ضارباً بعرض ذلك الجدار كل الموجبات التي على أساسها روّج لحمل السلّم بالعرض، ومنهم من ورَبَه قليلاً عند بعض المنعطفات لتفادي اصطدام لا تحمد عقباه متحدثاً عن فضائل المرونة مستدلاً بانحناء الأشجار للعواصف، ومنهم من واظب على حمل سلّمه بالعرض غير آبه بكل ما ترتب عليه من وجع رأس وتعب قلب، وهؤلاء قلة ولا شك.
عن هذا الصنف الأخير سأروي لكم قصة واقعية نادرة فيها من العبرة والغرابة ما يستحق العناء:
بلا طول سيرة وكثرة كلام.. القصة وقعت في إحدى قرانا الجميلة طبيعة، (اللعوتيبة) خدمياً ومفادها أن أحد شبابها حصل بعد طول انتظار على وظيفة في مركز تابع لإحدى الجهات العامة التي تمتد شبكة مصالحها بحكم طبيعة خدماتها إلى شتى أرجاء المدن والأرياف، وظيفة كانت بمثابة الحلم لصاحبنا وأمثاله خاصة أن هذا المركز يقع على تخوم القرية الصغيرة حيث يمكن الوصول إليه سيراً على الأقدام، ولا يخفى على كل مواطن موظفاً كان أم غير موظف قيمة هذا الامتياز الخطير في مثل هذه الأيام. المهم.. ما إن التحق الرجل بمقر عمله حتى وقع على اكتشاف خطير يخالف كل تصوراته عن الحياة الوظيفية، لقد اكتشف صاحبنا أن لا عمل هناك ولا هم يحزنون.. مجرد توقيع على سجل الدوام الصباحي، ثم فنجان قهوة مع ثلة من الزملاء السعداء، ثم ينسلون تباعاً كل إلى شأنه، القصة وصلت إلى حبكتها حين تبين أن الرجل من حملة السلّم بالعرض، فما كاد يمضي على تعيينه أكثر بقليل من شهر واحد حتى تقدم بطلب نقل إلى أحد المشاريع الإنتاجية التابعة للمؤسسة في مدينة تبعد عن القرية ما يقارب مسيرة نصف يوم بلغة الأعراب من أهل العوض، وحين جوبه طلبه بالرفض فجّر مفاجأته المدوية التي تنم عن شدة اعتناقه لفكرة حمل السلّم بالعرض، تقدم بطلب استقالة، وسرعان ما وجد الطلب طريقه إلى الموافقة من المستويات والصعد كافة. طبعاً سُئل الرجل غير مرة عن أسباب ودوافع تصرفه (الأحمق)، فكان يجيب سائليه بحزم: المرتب هو مال يدفع للموظف لقاء جهده المبذول في العمل ومن لا يعمل لا يستحق راتباً!
ولكم أن تتخيلوا يا سادة يا كرام وقع مثل هذا الخطاب (الحجري) على أسماع أبناء هذا الزمن الذين لم تتوصل أغلبيتهم الساحقة إلى وسيلة لفك طلاسم هذه المعادلة فضلاً عن تصديقها وتفهّمها أصلاً، فسرَت في القرية العديد من الشائعات والفرضيات التي تحاول تفسير (الحالة) ضمن سياق واقعي قابل للفهم، قيل إن الرجل لم يستقل بل طُرد طرداً لأسباب تمس النزاهة، وذهب آخرون للحديث عن أسباب تمسّ ما هو أمرّ وأدهى، أما القلة القليلة من ذوي الظن الحسن فأرجعوا التصرف الأرعن إلى نظرية حمل السلّم بالعرض. تداعيات القصة لم تقتصر على القيل والقال في المجالس والمنتديات بل طالت حياته الشخصية بقرار خطيبته الحسناء فسخ الخطوبة المشؤومة بعد أن ملّت النقاشات العقيمة معه وأعيتها علّته المستعصية، هنا بدا وكأن القصة قد بلغت خاتمتها الحزينة وكاد يطويها النسيان لولا أن بعثت من جديد على يد شقيق صاحبنا الذي فجّر مفاجأة أخرى بإعلانه الانتماء إلى جماعة حمل السلم بالعرض، كان الرجل يعمل في شركة أجنبية قررت مع بداية انفصال الجنوب واشتعال الحرب في كافة أنحاء السودان نقل نشاطها إلى الخارج، فعرضت عليه العمل في أحد فروعها في أوروبا، فما كان منه إلا أن قابل العرض بالرفض وبخطاب أكثر (حجرية) من خطاب شقيقه الأكبر سيئ الذكر.
هنا تراجعت كل الفرضيات والنظريات الباحثة عن تفسير للحالة المتكررة مفسحة المجال لفرضية وحيدة تفتقت عنها قريحة خلاقة ضليعة بتفسير الظواهر الماورائية الخارقة للطبيعة، وسرعان ما لاقت هذه الفرضية المقنعة قبولاً لدى غالبية المتابعين للقضية: إنها لعنة ابتليت بها الأسرة برمتها، ولم يبخل البعض بإسداء النصح للوالد المسكين بوجوب عرض الحالة على العارفين بفك الطلسم وطرد الأرواح الشريرة (اللهم عافِنا).
إلى اليوم.. ما زالت القصة تروى في المجالس على سبيل العبرة لمن يعتبر، فيتعوذ البعض من شرّ البلايا ويتمتم آخرون بأشياء عن كيفية حمل السلالم.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 649

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1226072 [حفيد تور شين]
0.00/5 (0 صوت)

03-12-2015 03:01 PM
لا غرابة الرجل رفض الوظيفة تعففا لا يريد الحرام واخوه رفض خوفا على دينهالظاهر اهل العوض ناس شمارات فى داعى لنشر الغسيل الوسخ..

[حفيد تور شين]

الدكتور نائِل اليعقوبابي
 الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة