المقالات
السياسة
النخبة الاتحادية و الصعودإلي الهاوية
النخبة الاتحادية و الصعودإلي الهاوية
03-12-2015 02:21 PM


منذ أن أطاح السيد الحسن الميرغني بعدد من القيادات التاريخية للحزب الاتحادي الأصل، قد جلست عدة جلسات مع بعض من القيادات الاتحادية، و تركز الحديث، سميه ماشئت حوارا أو جدلا حول قرار الفصل، البعض كان يعتقد إن السيد الميرغني الصغير لا يملك حق قرار الفصل، لأنه جديد عهد بالعمل السياسي، و هناك من يتحدث عن شرعية القرار، باعتبار إن السيد الحسن ليس لديه الشرعية التي تؤهله لإتخاذ مثل هذا القرار، و البعض الأخر يتحدث بإن القرار مجافي لكل الاعراف و القيم الديمقراطية، في كل هذه الجلسات كنت مستمعا جيد، لكي أتعرف علي تصور النخبة الاتحادية، و ردة فعلها تجاه هذا القرار، الذي كان عنيفا تجاه كل من كان معارضأ، أو قال رأيا رافضا لمشاركة الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل في الانتخابات القادمة، و كنت افكر في الموقف الذي سوف تتخذه النخب الاتحادية ضد هذا القرار، و إن كانت توقعاتي إن الرد سوف يكون عبارة عن جلسات في الغرف المغلقة، و حالة من التباكي و العويل الذي درجت ليه النخب الاتحادية، و هي تندب حظها العاثر، و في أحسن الأحوال تبحث عن طريق للتسوية مع السيد الحسن الميرغني، تحفظ لهذه القيادات ماء وجهها، ثم تبدأ بالإنسحاب الفردي مجبورة عن الساحة السياسية، باعتبار إن أغلبية القيادات التي بدأ نجمها في الصعود بعد إنقلاب 1989 هي قيادات صنعها السيد الميرغني، و جاء بها إلي سدة القيادة، بعد ما تم إبعاد العديد من القيادات التي كان لديها شئ من حتى.
إذا كان الحزب الاتحادي الديمقراطي أكثر من ستة عقود لم يعقد مؤتمرا عاما لاختيار القيادات، فمعني ذلك، إن جل قيادات الحزب الاتحادي قد صعدت إلي القيادة بوضع اليد، أو نتيجة لمواقف نضالية أهلتها في فترة ما لذلك في حدود، أو إنها جاءت برغبة السيد الميرغني، و مادام نحن نتحدث عن الاتحادي في عهد الإنقاذ، فإن 95% من هذه القيادات أخذت شرعيتها في الهيئة القيادية بمباركة السيد الميرغني، و هي لم تتحدث طوال هذه السنين عن شرعية التصعيد في الحزب للهيئة القيادية، و لم تنادي حتى بإنعقاد المؤتمر العام لكي تتم فيه إختيار القيادات من القاعدة إلي القمة، بل كان منهم من يجهض إية دعوة تنادي بنعقاد المؤتمر العام، فالذين لا يستندون علي شرعية و جاءوا من غير صناديق للأقتراع فلا يحق لهم الحديث عن الشرعية لأنهم لا يعرفونها، و لا هي كانت في يوم من الأيام جزءا من ثقافتهم، و لم يحتكموا إليها في تاريخهم، فالذي جاء بهم إلي القيادة استغني عن خدماتهم، و هذا منطق الأشياء، إلا إذا كانوا يريدون لوي عنق الحقيقة، فالقيادات التي تقبل أن في لحظة أن تكون خارج دائرة اللوائح لا تبكي لغيابها عندما تدور عليها الدوائر، إن إحدي إشكاليات الديمقراطية في السودان، إن النخب التي ترفع شاراتها لا تحترمها و لا تمارسها، و ترفض غيابها إذا كانت هي في موقع القرار، فالنخبة السياسية هي مع الديمقراطية التي تحافظ علي مصاحها الذاتية.
إن السيد الحسن الميرغني عندما أرسله والده لحضور مراسم دفن عمه السيد أحمد الميرغني، و خاطب الجمع الذين حضروا مراسم التشيع، كان معلوما إن الرجل سوف يخلف والده في رئاسة الحزب، و الغريب في الأمر منذ ذلك التاريخ بدأت ذات النخبة تلتف حوله، و عندما أطلق الرجل شعار التجديد هللت له، و لم يقف واحدا منهم معترضا علي دور الرجل في الحزب، أو إعترض علي حضوره معهم في الهيئة القيادية دون أن يكون ذلك وفقا للوائح و الأعراف السياسية، لأنهم جميعا كانوا مدركين، إن الطريق الذي جاء بهم لهذه المواقع سوف يأتي بغيرهم، فليس لديهم حتى حق السؤال، فكانوا خانعين لذلك مادام لم يؤثر في مواقعهم، و عندما ذهب الحسن مبدي إعتراضه للمشاركة في الحكومة ذات القاعدة العريضة، صفق له الجميع، و اعتقدوا إن الرجل سوف يمثل دور مارتن لوثر، و فولتير و تروتسكي في عملية الإصلاح، و بعد ذهابه ما كان أحدا منهم يعرف ما هي خطط الرجل، و كيف يريد أن يدير معركته في التجديد و الإصلاح، و كيف يدير عملية التكتيك، كلها أشياء غائبة عنهم، لأنهم كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم، و ارتضوا إن يستغشوا ثيابهم، فاغمضوا أعينهم، و قرروا أن يسيروا خلف الرجل مادامت وظائفهم لا يمسها أحد، و عندما حدثتهم انفسهم أن يمارسوا دورا ديمقراطيا محدودا، لكي يثبتوا وجودا غير مؤثر في الأحداث و لكنه وخذ الضمير الغائب، وجدوا أنفسهم مطرودين من المؤسسة، في تحدي قوي، و قرار ينبئ إن صاحبه أراد إن يكون طريق الصراع العنيف هو الإسلوب للحسم، و تسأل العديد من الكتاب الذين تناولوا القضية، ما هي القوة التي وراء السيد الحسن الميرغني و من الذي يدعمه و يقف بجانبه؟ و هناك من قال إن والده لم يسلك مثل هذا الطريق طوال مسيرته السياسية، و إنه كان يقتضي الحكمة و هذا الشبل قد فارقها، و دائما مثل هذا القول يعتمد علي القراءات التاريخية لإدارة الأزمات، و لم يطلع علي الدراسات الحديثة التي جاءت بالفوضة الخلاقة و غيرها، كما هناك البعض الذين ربطوا المعركة فقط بقضية الانتخابات لكي يكسبوا عطف المعارضة، أو بعض الناس الذين من حولهم و لكنهم لا يصنعون غير الفشل. فأي تغيير جذري، لابد أن يأخذ مثل هذه القرارات الثورية، و كان لابد من هذه الضربة القوية، لكي تشل عملية التفكير عند الخصم، و تعطل كل ملكاته، و لكن الضربة نفسها قد أحدثت صدي واسعا في المجتمع السياسي، و اصبحت من إبرز قضايا الصحافة، لأنها تشكل أول حادثة بهذه القوة يتخذها البيت الميرغني.
إن قرار الفصل قد وضع الجميع المنتمين للحزب "الاتحادي الديمقراطي الأصل" و كل قبائل الاتحاديين في تحدي، هل بالفعل إن هؤلاء الذين درجوا و وطنوا أنفسهم علي الجدل البيزنطي دون نتائج، قادرين علي مقابلة التحدي بقوة أكبر منه، أم إن تحديهم سوف يبقي حكاوي في غرف مغلقة، و بطولات في ساحات لا يري منها شيئا، إن السيد الحسن عندما يقدم علي مثل هذه القرارات القوية، لابد أن يكون له مخطط في كيفية إدارة الحزب، أو تصور جديد للمؤسسة السياسية في الفترة القادمة، و هي قضية غير مرتبطة بالانتخابات أو نتائجها، و ربما تكون الانتخابات نفسها هي مرحلة في طريق الإصلاح، و لكن في كل الأحول إن القيادات التاريخية التي مثكت سنين دون أن تصنع مؤسسة حزبية ناهضة قادرة علي تقديم المبادرات و إستنهاض الجماهير، هي قيادات قد ثبت فشلها، و يجب عليها أن تغادر غير مأسوف عليها، و هي سوف لا تستطيع أن تجاري عملية التحدي التي وجدت نفسها عليها.
إن كل حالات الرفض داخل البيت الاتحادي، و شعارات الإصلاح و التحديث، كانت تجهض من قيادات الحزب، و كان يضع اللوم علي الطائفية إنها لا تقدر علي إتخاذ القرارات القوية، و هي تلعب علي التناقضات، و لكن جاء الحسن الميرغني بسياسة جديدة و ثورية في قوتها، إن يعزل أغلبية القيادات التاريخية بضربة لازب و ينتظر ردة فعلها، و هو يعلم إنهم جميعا ليس علي قلب رجل واحد، و ما بينهم لا يؤهلهم أ يصنعوا موقفا موحدا، أو يتفقوا علي تصور واحد، و بالفعل أثبت السيد الحسن إنه سوف يخلف والده في إدارة الحزب بمنهج جديد و قيادات جديدة هي قيادات المرحلة القادمة، إذا كان يريد أن يبني مؤسسة حقيقية، أو يسير في نفس الطريق الي كان يسير عليه والده، و في كلا الحالتين إن القيادات التي كانت مع والده سوف تغادر مواقعها دون حتى كلمة إعتذار.
صرحت بعض القيادات التي فصلت إنها تعتبر القرار كأنه لم يكن، و البعض الأخر أقر أنهم بصدد تكوين مكتب قيادي جديد، يصارعوا بهذا المكتب بيت الميرغني، و هذا حديث إنفعالي لا يستند علي رؤية واقعية، و ربما يذهبوا جميعا لكي يكون حزبا آخر، و من يريد العودة المشروطة لكي يكون كمبارس، سوف يقبل توجهات السيد الحسن دون تردد، و هي ما درجت علي فعله القيادات الاتحادي، إنها تتنازل عن مواقفها، و ترجع مرة أخري لكي تكون أدوات تستخدم ضد بعضها البعض.
و أمامنا كثير من الحالات الاتحادية، التي تهرب من معركتها بأنها تلجأ لكي تكون حزبا جديدا، لأنهم جميعا لا يرغبون في الديمقراطية، و لا في الإصلاح، الجميع يريدون أن يكونوا قيادات، فليس لديهم الإرادة في الإصلاح، و لا عندهم القدرة و الإمكانيات التي يصنعوا بها الإصلاح، بل هم يجيدون صناعة رفع الشعارات الجوفاء، الخالية من أية مضمون، هي نخبة كما نعتها الدكتور منصور خالد، قد أدمنت الفشل، و لا تبحث غير طريق جديد للفشل، و سوف تغادر المسرح دون ضجيج، هي جاءت إليه دون أن تملك مواهب و قدرات تؤهلها أن تلعب فيه دورا، وسوف تذهب دون أن تترك أثرا في تاريخ السودان السياسي.
و الكورة الأن في ملعب السيد الحسن، و السؤال ثم ماذا بعد فصل القيادات التاريخية؟ هل بالفعل إن الرجل يريد أن يصنع إصلاحا في المؤسسة الاتحادية و لديه البرنامج السياسي و الفكر الذي يجعله يسير بخطي ثابتة، أم هي حالة من حالات اليأس جعلته يتخذ موقفا قويا ثم لا يعرف الخطوة القادمة؟ و سوف نظل نتابع خطوات الرجل لكي نعرف رؤيته في عملية بناء المؤسسة لكي يعيد لها دورها التاريخي. و نسال الله أن يلهمنا الصبر و العفو.
نشر في جريدة إيلاف
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 604

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة