جدران
03-13-2015 08:01 AM

*(أقسى السجون وأمرها تلك التي
لا جدران لها..).
- أدونيس-
.. كثيرة هي الجدران التي يعرفها المرء في حياته، وغيرها كثير لم يخبرها، وتبدأ الرحلة مع الجدار الأول بأبوابه المفتوحة على مصاريعها أو المواربة إلى حد ما في البيت ومع علاقته بالمجتمع الخارجي.
تبدأ رحلة التمرد على الجدار الأول بالخروج إلى المحيط الخارجي واكتشاف مجاهيله، وهناك فقط تنطلق رحلة مواجهة الجدران الأخرى، وتبدأ رحلة البحث عن أبواب أو فجوات فيها للنفاذ إلى الجهة الثانية، واختراق الحاجز مادياً كان أم معنوياً.‏
ينجح الجميع في اختراق وتجاوز كثير من الجدران بدءاً من جدران التعلم وتحقيق النجاحات المتسلسلة والتغلب على مصاعب الألعاب واكتساب المهارات وصولاً إلى اقتحام جدران العلاقات الإنسانية وتهديمها والولوج إلى دواخل الآخرين، والتفاعل معهم، والبدء ببنيان جدران ومرتكزات جديدة، تشكل حوائط سد ومجابهة أمام الغير...‏
ويصعب على المرء الإحاطة بتفاصيل جميع الجدران التي واجهته فنراه يتفاخر دوماً بقدرته على التحطيم والتجاوز. أما الدخول في بناء جدران خاصة فذلك له صورة مغايرة وواقع مختلف يتفنن البعض في صنعه وبنائه بطرائق مبتكرة، متناسين المسيرة الطويلة للبشرية في تهديم الجدران، ومتعامين عن ضخامة الملحمة الإنسانية في تجاوز الحواجز المفروضة عليها، والحدود المصنوعة بأشكال متعددة.‏
وعلى مدى رحلة الإنسان الطويلة نحو الاكتشاف ظلت الجدران الهدف الأول للكشف والمعرفة، وبمجرد خرقها يكون النجاح محققاً.. وهكذا عاش الإنسان منذ الأزل معركة مع الجدران لا يبدو أن لها نهاية محتملة...‏
بالمقابل ثمة جدار يبنيه المرء يجعل الجدران تتكاثر في وجهه وفق متوالية هندسية تتضاعف بسرعة خيالية.‏
ذلك الجدار هو المصنوع من الوهم المرضي، فيجعل بانيه معزولاً إرادياً خلف تهويماته وخرافاته ويبدأ الدخول في بناء أهرامات وجبال الوهم التي لا تلبث أن تكبر وتتعاظم حجماً بحيث تحجب الرؤية تماماً وتمنع النفاذ إلى ما خلفها، فيحكم المرء على نفسه بالعزلة ويتقوقع في شرنقة تفصله عن المحيط الخارجي تماماً، وهي ما تلبث أن تلتف حول عنقه، وتخنقه...‏
أجل إن أعقد وأوضع وأسوأ الجدران تلك المبنية داخل النفس البشرية تلك التي تحول دون رؤيته لحقيقة إخوانه، فالجدران المادية تتهدم مهما فصلت بين المتحابين والمتآلفين. وتتحول إلى مجرد ذكرى من الماضي، ويحتفظ ببقاياها في المتاحف والمستودعات.‏
سقط جدار برلين وأصبح نموذجاً مادياً لعدم إمكانية مخالفة نواميس الحياة، وبالتأكيد سيسقط جدار العزل العنصري، ولن يجدي بانيه نفعاً كل ما يحشد له من حديد وخرسانة مسلحة، فقبل أيام أحدث الفتيان الصغار فجوة في جدار الفصل ينبىء بالمستقبل الذي سيهدمه كله.‏
وتبقى بعده تلك الجدران المتبقية من الوهم والكره تحتاج إلى ثقوب وفجوات تمنع النفس البشرية من بنائها، والانزواء خلفها...!‏
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 957

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1228996 [هجو نصر]
5.00/5 (1 صوت)

03-17-2015 02:20 PM
صاحبك ادونيس قرأ ولا ريب قصيدة (الجدران) لشاعر الاسكندرية العظيم الاغريقي " كفافي" وفيها يقول انهم بنوا حوله جدرانا سميكة وشاهقة ليشغلوه بمهمة شديدة البؤس وهيكيفية الخروج من هذه الجدران ! ويختتمها بتساؤل طفولي هو سمة المجيدين من الشعراء :
ولكن كيف لم اسمع قعقعة البنائين
وهم يشيدون تلك الجدران؟
- علم الله- ولا نأمة !
فجاة عزلوني عن العالم !

[هجو نصر]

الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة