المقالات
منوعات
نبع حبٍّ غيض: في ذكرى بو فيصل العميد عبدالله أحمد بن جمعة الطنيجى..
نبع حبٍّ غيض: في ذكرى بو فيصل العميد عبدالله أحمد بن جمعة الطنيجى..
03-14-2015 08:24 AM


بسم الله الرحمن الرحيم
في الثالث عشر من مارس ألفين وأربعة عشر ميلاديّة أغمض بو فيصل عينيه عنّا بلا وداع وفتح قلبه النّقي على ربّه في لقاء سرمديّ، وترك من أقام على حبّه وحكيم رأيه بلا سندٍ، لا يطفيء أوام شوقهم إليه لا نحيب ولا حبيب، كزغب الحواصل بلا معين إلا من ربّ العالمين، باثّين شكواهم إليه ورافعين أكفّهم بالدعاء له والتثبيت لهم.
لم يكتب المولى عزّ وجلّ لي لقاءً به ولكن أتاح لي سماع صوته الحبيب الفكه، وحديثه الحكيم الذرب يسألني بإشفاق المحبّ المخلص عمّا فعلنا بوطننا السودان؟ ويستعجب من لماحة أهله وبؤس صنيعهم، ضدّان اجتمعا ولكن لا ليظهر حسنه الضدّ وإنّما ليدعو للتأمّل في أحوال النّفس البشريّة لا تملّ ولا تتغيّر منذ بدء الخليقة تثبت جهلها بنفسها وظلمها لها. ولكن لم أدرك حقيقة فقده إلا حين ذهبت لأبنائه البررة الأبرار معزيّاً، فإذا بطيفه في كلِّ زاوية، ولطفه في ظرفهم، وحبّه شمس صاحية دافئة تشعّ من روح كلِّ من رآه، وحكمته مفتقدة، وإنسانيته طاغية في قلوبهم، وصورته تحملها أعينهم لا يشغلهم عنها حادث، يتجمّلون بالصبر وتخونهم ما تخفي صدورهم سيماها على وجوههم حزناً وكمد.
سعيد من جمع له العلم، وحسن التديّن والخلق، والتوفيق في الدنيا حظوة في الأصل والمنبت والمنصب والجاه والمال والولد ومع ذلك لا اغترّ ولا طغى ولا آثر الحياة الدنيا. فبو فيصل، رحمه الله وأحسن إليه، من بيت علم ودين وأصول عربيّة؛ عائلته في رأس الخيمة، من أكرم وأشجع الناس ذكراً وفعلاً، كانت وما تزال، ملجأ المحتاج، وسند الضعيف، يدٌ عليا على مرّ السنين ورّثت أبناءها العزّة بالحق، والتواضع للربّ، والأمانة، والسعي للتّفوّق والتميّز، وحسن الخلق وحبّ الخير للغير وخدمتهم.
فهو من قبيلة الطنوج من أكبر قبائل العرب في رأس الخيمة من الرمس حيث المجاهدون الأحرار الذين رحّبوا بالموت شرفاً على العيش تحت نير الاستعمار حتى صارت قبورهم أكثر من دورهم. وهى في لسان العرب تعنى الكراريس، فقد روي أن النعمان بن المنذر، أمر "فنسخت له أشعار العرب في الطنوج وهي الكراريس، ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن عبيد الثقفي، قيل له: إن تحت القصر كنزاً، فاحتفره، فأخرج تلك الأشعار.
ولاريب أنّ القبيلة طنوج تحمل بين دفّاتها كنوزاً شتّى وبو فيصل كان المثال. فقد كان مبادراً بالفكر، حثيثاً دقيقاً في عمله، ومغامراً بفلاحه وكفاحه لا يخشى ولا يكلّ أو يملّ، يتعلّم من عثراته ويردّ نجاحه لفضل ربّه، مجدّدا لا يستريح حتى يرقى بالأشياء وتترّقى معه زاده التّقوى والتوكّل على الله. وهو مثال المستثمر الذكيّ الطموح الذى لا يرى حدوداً بين بنى جلدته ولا تضمر إنسانيته عن غيرهم.
إذا اجتمع الحبّ في قلوب الرجال والنّساء لرجل فاشهد بأنّه ولىٌّ لله، ألقى عليه محبّة من عنده، واعلم أنّه أُعطى ذكاء الفؤاد مع ذكاء العقل، ولا يجتمعان إلا لحكيم، ولا ينجبان إلا الخير الكثير، ودليله تنافس النّاس على اختلاف مشاربهم وأوطانهم في وصف رفعة شأنه وخلقه، وما ترك فيهم من أثر طيّب لسان صدق في الآخرين بلا دافع غير الإخلاص وردّ الجميل ولا منفعة.
لقد تبيّن لى بلا ريب أنّ قلبه انفطر من عظم المسئولية التي حملها للنّاس والهمّ بحالهم في حلّه وترحاله، وحسن قيادته لهم بالقدوة الحسنة، يوطّىء أكنافه لهم، ويعذر جهلهم، ويقضى حاجتهم، ويصل ضعيفهم، ويتفقّد أحوالهم وهم يغرفون من نبعه الدّفّاق لم تخطر ببالهم أنّه ينضب يوماً أو يضنّ، ولـمـّا تبيّنوا الأمر ضحى الغد علموا أنّهم عموا عن ألمه وهمّه وهكذا حال ماء الحياة عطاء بلا أخذ.
للقيادة أنواع وأفضلها من يقود بخدمة النّاس من الأمام متبوعاً لا تابعاً، والقدرة على التنبّؤ بحاجتهم قبل السؤال، وضرب المثال في التّفاني والتواضع والتفكّر والروح الفكهة والمثابرة بالعمل القليل المتواصل، والصبر على البلاء والابتلاء، والأمل والتفاؤل. لمثل هذا الإنسان يوهب المولى نقاء السريرة، وصفاء البصيرة، وجلاء الضمير من كدر الحسد والبغضاء والنّكد، وفراسة الإيمان، والقبول وسماحة الوجه، وحلاوة اللسان، ومتعة الرفقة، واستجابة الدعوة، وحبّ العطاء بلا شوائب الشحّ، وحسن مكارم الأخلاق، والإخلاص في المحبّة، والرشد في القول والعمل ولا يجتمع كلّ ذلك إلا لسعيد رضى عنه ربّه، وسلّم قلبه، وأعطاه سعادة الدارين الصدقة الجارية والنعيم المقيم مع الصدّيقين والشهداء.
اللهم إنّا نشهد أنّ بو فيصل كان كلّ ذلك وأكثر وأنّه عاش مجاهداً أهواء نفسه، مبتغياً طاعة ورضا ربّه، باذلاً نفسه وماله في الأفراح والملمات، رافعاً شأن دينك، قد رحل شهيداً وفي قلوبنا مقيماً، قد زرع المحبّة في كلّ قلب، وبذل الخير في كلّ ركن حتى اخترته لرسولك رفيقاً. اللهم فكن رفيقاً به كما رحم بعبادك، واكتب له كفلين من رحمتك ومغفرتك، واجعل داره الفردوس، وشربه من الحوض، ورفقته النّبيّين والصدّيقين والشهداء وثبّت أهله وعشيرته ومحبّيه إنّك كريم مجيب الدعوات.
++++
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 638

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عبدالمنعم عبد الباقي على
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة