المقالات
منوعات
فضاءات المدى
فضاءات المدى
03-15-2015 10:06 AM


*(يستغربون كم أكتب، ولو عرفوا
كم مزقت وأمزق لاستغربوا أكثر!..).
- يانيس ريتسوس -
شاعر يوناني
.. مزق وليم فوكنر عشرات الصفحات التي سودها ورمى بها إلى سلة المهملات بعدما التقى الناقد والشاعر الأميركي شرودر أندرسون الذي اطلع على بعض ما كتبه فوكنر فقال له: اكتب الشيء الذي تعتقد أنك تعرف تكتبه، أنتَ شاب ريفي، وكل ما تعلمه هو تلك البقعة من ولاية مسيسيبي، حيث بدأت حياتك، أكتب عن أشياء تعرفها.
قال أندرسون جملته ومضى، وعرفت أكثر من خمسمئة صفحة طريقها إلى الإتلاف - ليس مادة فقط، ولكن كأفكار، وشخوص وحوادث وسرد وبنية قصصية لواقع متخيل.
مضى أندرسون، لكن فوكنر بنى عالماً روائياً مدهشاً يشابه عالم مدينته (اكسفورد) عاصمة مقاطعة (لافايت) في ولاية مسيسيبي، فكانت جيفرسون عاصمة مقاطعة (يوكنا باثاونا) المحيط الروائي الذي دارت في أجوائه علاقات شخصيات رواياته التي حصد عليها جائزة نوبل للآداب عام 1950، وحين رفض الذهاب إلى استوكهولم لاستلامها أجبره أهله وذووه على قبولها فانصاع لهم، وبذلك دخل مثل كثيرين غيره دائرة العالمية باعتباره أحد الأدباء الذين أثروا الثقافة الإنسانية.
يومها لم يكن فوكنر يعرف معنى العولمة، وربما لم يخطر بباله مثل هذا المصطلح ذي الدلالات السياسية والاقتصادية والثقافية، ولم يعتقد أن بعضاً من سياسيي أبناء جلدته سيذهبون بعيداً في غيهم ويسعون لتقريب أبناء العالم في دائرة ضيقة تقتل الغنى الثقافي، وتجهض القدرات الولادية لشعوب الأرض، وتضيق عليها الخناق لتجمعها في دائرة ثقافة (البورغر) الجاهز والسريع والفردي، دائرة تخلو من أي مشاعر حقيقية لطبيعة التنوع الكوني.
ورغم الفشل الذي يواجه مشاريع العولمة إلاّ أن مشرعيها مازالوا مصرين على المضي في التضييق على شعوب الأرض، مستخدمين كل وسائل الضغط المتوفرة لتوحيد رؤية العالم للأشياء جميعها، علهم بذلك يمتلكون طرائق السيطرة التي يستهدفونها..
وبالمقابل لم يكن فوكنر وحده من دخل ميادين العالمية بل سبقه ولحقه جميع من نقلوا واقعهم وبيئتهم المحلية عبر فنون الأدب إلى الآخرين، فتحدثوا عن تفاصيل حياتية صغيرة، ضمن بيئات ضيقة، لقيت قبولاً وصدى حسناً لدى غيرهم من شعوب الأرض وأممها الراغبة في الحفاظ على هوياتها الذاتية، الأمر الذي يعكس التفاعل الإنساني بمجموعه في حضارات متفاعلة، باعتبار الأدب يعطينا صورة حقيقية وصادقة للحياة البشرية،، فمحاولات التوحيد الإكراهي نوع من أنواع الكفر المغاير للطبيعة البشرية، فيما الخصوصية والغنى الفلكلوري يمثل الصورة الصادقة لمجالات التعاون والتفاعل الإنساني.
وإذا كان فوكنر قد كشف عن حجم فساد نساء الجنوب الأميركي في روايته الرمزية (الملاذ) إلا أن ذلك الفساد لا يتسم بالدنس، فيما أفكار العولمة تتسم بالكثير من ذلك الدنس.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 663

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1227510 [كاكا]
5.00/5 (2 صوت)

03-15-2015 12:47 PM
وكذلك نجيب محفوظ وغابرييل غارسيا ماركيز والطيب صالح كتاب عالميين لانهم مغرقيين في المحلية

[كاكا]

الدكتور نائِل اليعقوبابي
 الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة