المقالات
منوعات
الدُخْرِي وَدْ سَالِم (حِكاية من البَلَد)..
الدُخْرِي وَدْ سَالِم (حِكاية من البَلَد)..
03-17-2015 10:36 AM

فتحتُ عينيّ على الدنيا علي مشارف وادي الفَضْوَة، وهو اسمٌ مشتقٌ من الفضاء الواسع؛ فالوادي فعلا أرضٌ خلاء سكنها أجدادنا منذ آلاف السنين واعتمدوا عليها في كسب رزقهم في الزراعة المَطَريّة وإنتاج الصمغ والرعي والصيد. كنت وأنا صغير أظن أن العالم يبدأ وينتهي في الفضوة خاصة والشمس تشرق من حدودها شرقا وتغيب في أفقها الغربي. ويكفي أن أصف قريتي لمن ألاقيه أنها تقع في درب الفضوة. تكثر في الفضوة حيوانات الصيد من غزلان وأرانب وقططٌ برّية كبيرة الحجم تشبه النمور الصغيرة وفيها أنواعٌ شتى من الطيور: قُمري ودَباس وكِلْجو وبلوم وأب-طنطرة والحُوّة وأم قُرص والفِرة والعَك وكِلْدِنق وأب ـ سِعِن والقِدِيل وأبو نقيقيرة وقرين حَشّاش وأم شُرُولُّو. أما النبات فالفضوة هي حديقة البلد الخلفية حيث تزدهر بنبات شتى في فصل الخريف مثل الرّبعة والحنتوت والأرْقَسِي والدِفْرو والضَحَيان والنال و"العِري – عِري" والدايوق الذي يثمر كالعنب تماما ولاشك أنه من نفس الفصيلة. فيها أيضا أشجار المَرِخ والحَراز والسَيّال والهَشاب المشهور بجودة صمغه.أما أشجار السِدِر فكثيرة هناك وثمارها هو النّبَق وما أجمله عندما يشارف على النضوج، ويسميه أهلنا في هذه المرحلة "دخان العَزَباء" لأنه أسمر داكن اللون يشبه أثر دخان الطلح في أيادي المرأة العزباء التي خبرت الرجال ولكنها الآن لا زوج لها. تظل أرض الفضوة مرعىً تسرح فيه الإبل والأغنام والضأن على الدوام ولكن في بعض المواسم تتم زراعتها بالدخن والزناري والبطيخ واللوبيا. ولبطيخ الفضوة طعم طيّب ومذاق حلو. إنها أرضٌ غنية بكل خيرات الطبيعة. وقد كنا في وقت صبانا الباكر نذهب للفضوة في الضحى بأغنامنا في مجموعة صغيرة مع أقراننا ونعود منها بعد أن ينكسر النهار وتبرد شمس الظهيرة قليلا. وفي الطريق إليها ونحن نسلك درب الفضوة العتيق نرى الناس يعملون في مزارعهم؛ نعرفهم جميعا ويعرفوننا مثل أبوي سالم ود رَجَب والذي كان يعمل في طق شجر الهشاب لإنتاج الصمغ الذي تنمو أشجاره بكثرة في الوادي الصعيدي على جنبات درب الفضوة. يأتينا دوما صوته العذب من بعيد وفيه ذلك التناغم الشجي الذي تحسه في أصوات المحب الوَلِه وهو يترنم فرحا جزلا بهذه الأبيات من شعر المديح النبوي:
نِعْمَ الشيّلوا جِمالهم
وختّوا الحَجّة في بالهم
شوقوني يا مولاي لي فالهم
ياااا ربّي ليْ فالهم
ياااا الله لي فالهم
وتسمع من خلال الهمهمات صوت الفأس والذي يهوى به على الفرع يمزق لحاء الهشابة بشغفٍ كشغف صبيّ ريفي ينقّي عنكوليبة قصب السكّر بأسنانه. ويأتيك أمره للشجرة أن يصيبها فأل من شيّلوا جِمالهم لتنتج صمغا وفيرا في هذا الموسم. وتسمع صوت الفأس يختلط بصوت اللحاء المسلوخ وبصوته آمرا الشجرة أن تَشُر صمغا، أي أن يتدفق الصمغ منها وكأنه ماء ينصب من قربة بها عدة ثقوب بقوله:
- "شٌرِّي؛ كع، شٌرّي؛ كع، شُرّي؛ شاح، شُرّي؛ شاح، شُرّي..
كان ذلك هو حال أبوي سالم كل موسم. يجلس أعلى فرع شجرة الهشاب عاري الصدر والوسط، يلبس سروالا قديما وسخا في نهار الدَرَت القائظ في بلاده في الوادي الصعيدي الذي يجاور أطراف البيوت من الجنوب لقريتنا في درب الفضوة. نقترب منه ونتمعن في هيئته النحيلة وقد بانت ضلوعه وضمر وسطه وكسا صفق الهشابة الأصفر رأسه وذقنه وشعر صدره الأشيب حتى لصق برشرش عينيه. نسلّم عليه فيداعبنا ببعض العبارات اللطيفة وأحيانا ينزل من الشجرة وهو يتصبب عرقا من رهق العمل المضني. يواصل الدعابة وهو يفتح زريبة البطيخ ويختار لنا بطيختين أو ثلاثة؛ يقدمهن لنا بكرمه المعهود وهو يراقبنا نأكل بينما يجلس هو برهة للراحة، يعزّل شوك الهشاب الذي علق بيديه. كان بطيخ بلاده والتي تقع في أرض طينية أقل جودة من بطيخ الفَضْوَة. لكن كرم أبوي سالم والحر القائظ يجعل حتى العَلَجْ شِفْر العجوز شهيا. نتظاهر بأن بطيخه شهي ونأكل على عجل ونتركه يلم الشقف والشقروف يضعه في ركن من الزريبة ليجف ويصبح علفا قرقم للماعز. ونواصل سيرنا. يتسلق أبوي سالم شجرة الهشاب مرة أخرى ويواصل الطق وسلخ اللحاء والهمهمات العذبة بأمنيته الغالية أن تَشُر الهشابة هذا العام صمغا وفيرا. إنه يرجو أن يتغيّر الحال البائس ويصبح حاله حال الشيّلوا جمالهم بحمول محصول وافر وختّوا الحجة في بالهم، عسى ولعل أن يتم مناه يوما بالحجّة للبيت الحرام في مَكّة المكرمة قبل أن تُقبَض روحه.
ينقضي النهار ويَكْرُب أبوي سالم حزمة الحطب التي أعدّها ليحملها في كتفه وهو في طريق عودته لبيته. كان ينتقي حزمه الحطبيّة بعناية، فيها أحيانا شَعَب البيت من أشجار السيّال أو الهشاب وأحيانا أخرى فيها غزّاز ومطارق لبناء الحيشان من شجر المَرِخ أو السّدِر؛ يبيعها بأسعار زهيدة وكأنه يتصدّق بجزء من قيمتها سرا. كان يذهب للوادي راجلا ويعود منه راجلا، لم أره يركب دابة إطلاقا. ألأنه كان فقيرا معدما أم لأنه يفضّل المشي حتّى في حر الصيف؟ لا أدري ولا أحد في البلد يبدو عليه الاهتمام بأمره. فهناك غيره كثيرون من جمهرة المعدمين والذين يجوبون الفلوات وهم يمشون راجلين للمزارع والسوق والبُوش والمعزى وغيرها من مشاوير الحياة. يظهر لك شبح أحدهم فجأة من بين شجيرات المَرِخ والنال في الفضوة في ثيابٍ رثّة وكأنه جانٌ انفتقت عنه الأرض؛ أشعث أغبر يلهث من العطش أحيانا وكل ما يطلبه منك هو شربة ماء. وحين تمد له السعن يكرع فيه حتّى تسمع قرطعة الماء في حلقه وجوفه ولا يرده لك إلا بعد أن تبدأ قطرات الماء في النزول من تحت شفته السفلى حتى تبلل صدره وملبسه. يناولك السعن ومعه نظرة امتنان فريدة وهمهماتٍ لك بالخير والعافية. انحفرت كل هذه المشاهد في مخيلتي الصغيرة وأنا يافع في حوالي العاشرة من عمري. كنت أرافق أبي أحيانا في رحلة الصيد، في الفضوة، حيث نلتقي هناك أناسٌ منهم من يعرفه أبي ومنهم من هو غريب الهيئة واليد واللسان ممن يجئ بهم الطريق من وقت لآخر. فقد اشتهر أبي بصيده للغزلان في الفضوة، مرتع صباه، من زمان بعيد. وقد كان زعيما مجتمعيا محبوبا يُحظى باحترام بائن من كل من نلتقيه. أعطاني ذلك إحساسا بالأمان والطمأنينة يلفني تماما كلما خرجتُ معه للصيد. وقد لازمني هذا الإحساس من وقت مبكّر بقية عمري وأضحى جزءا من زادي الروحي في كل منعرجات الحياة فيما تلى من أيام. كان يخطّط لكل أمر بعناية فائقة وكأن له معرفة مسبقة بما سيلاقينا في كل رحلة صيد؛ فسعنه مثلا لا ينضب ماؤه أبدا مهما كثر عدد الذين نسقيهم في الفلاة وكأن له سُقاء ماء ضخم يخفيه في أطراف بعيره.
كان لأبوي سالم ابنان: الدُخْرِي والحِريحري؛ يعاوناه أحيانا في شئون العمل في المزرعة. وفي إحدى السنوات ذهب الدُخري مع أقرانه في نزوح موسمي إلى جهة "بَحَر- أزرق" ليعمل في طق شجر الهشاب في منطقة القضارف التي تكثر فيها غابات الصمغ ولكنه لم يعد. بحثوا عنه في كل المواسم التي تلت ذهابه دون جدوى. وقد تواردت أخبار شتى متضاربة عن أنه مات غرقا أو أن أسدا افترسه أو عن هجرته خارج الوطن الى بلاد الخليج العربي، بل منهم من قال أنه رآه يعمل لدى أحد الأثرياء هناك. ولكن ليس ثمّة خبر مؤكّد. وسِرّا همس هامسٌ أن هناك من سلّطوا عليه من يغتاله ويخفي جثته فقد كان فارسا شجاعا مقداما تنبأ له كل من رآه بمستقبل زاهر. ومعروف أنّ من يقتلون الناس غدرا يخافون من أمثاله أكثر من خوفهم من الله! انفطر قلب أمه لفراقه وصارت تعاودها نوبات إغماءٍ من وقت لآخر. ونخر الحزن في جسد أبيه الهزيل فزاده هزالا. أما الحريحري فقد كان في عمرنا أو يكبرنا بعام أو نحو ذلك؛ أخضر اللون خضرة أهل تلك الديار الداكنة التي تقترب من السواد حتّى تكاد تلامسه ولكنها تتراجع عنه شبرا أو بعض شبر. إنها ما يعرف عندنا في البلد ب "الخضرة الدُقاقة" والتي لم أر لونا لبشر أجمل منها في العالم كله، وقد جبته طولا وعرضا. كان الحريحري أكثر أقراننا جرأة في الحديث وكان ذكيّا ماهرا في صنع شراك الطيور. كان أيضا لا يتحرج من قول أي شئ خاصة مما يعد من باب الممنوعات في القول لمن كانوا في عمرنا. وكان من عادته أن يلبد خلسةً في زرائب الماعز ليلا متظاهرا بأنه تيس في طرف بيوت العرس مسترقا السمع لأصوات العروسين في يوم الدُخلة، ويأتي في اليوم التالي ليحدثنا بما سمعه. كان يعلم شغفنا بسماع حكاويه فيبالغ في البذاءة قصدا ويزيد في الحكاية من خياله الخصيب ونموت نحن من الضحك رغم علمنا أن معظم ما يقول به من تأليفه. أصبح الحريحري هو فكاهي مجموعتنا الصغيرة المحبّب. حتّى اسمه يبدو فنيّا وكأنه اختير بعناية. والكلمة "الحريحري" هي اسم لنوع من أنواع السمسم يزرعه الناس في البلد، سريعا في النمو والنضوج، في فصل الدَرَتْ، مما يشكّل نجدة للمزارع الفقير والذي يهرع به للأسواق ويبيعه ليحل من قيمته بعض ديونه ويبتاع بثمنه بعض الزاد. فلعل أبوي سالم سماه هكذا تبرّكا بمقدمه في أحد فصول الدرت التي كثر فيها السمسم الحريحري ذلك العام. فالناس عندنا في البلد بارعون بصفة عامة في اختيار الأسماء الجميلة والمدهشة في آن واحد. فقد سمّى أبوي سالم بنته الوحيدة "شمس الدَرَتْ". ولمن عاش في بلدنا ومشى في رمل الفضوة في صدر الضحى في فصل الدرت أيام الحصاد لعرف سحر الشمس هناك. فهي حقا بديعة في حسنها. تقترب من وجهها فتحس بدفئها والذي يغريك بمزيد من الاقتراب، فتدنو متوجّسا أكثر وأكثر حتى تكاد أن تشتم عطرها؛ و"شَحْ" يجهرك نورها الذي منعك جهره من أن تتفرّس فيها. أنها تغازل، بل وتلاعب الناظرين إليها ولكنها تصدّهم بحزم، كالعقرب عندما تلوح بذيلها لمن يتعدّى الخطوط الحمراء وتحمي نفسها بشوكتها السامة. ما أبدعه من اسم.
ويأتي يوم العيد والذي هو يوم خاص في قريتنا حيث يلبس الناس عموما الجديد من الثياب. كان أبوي سالم فريدا في زهده وتماسك روحه السمحة. وكان له يقينٌ مفرط إن الدنيا عرضٌ زائل لا ينبغي الانشغال بها كثيرا. كان زاهدا فيها وفي نعيمها؛ يظهر زهده جليا في أيام الأعياد. فقد كان يلبس في يوم العيد جلبابا واحدا على الدوام وطاقية بيضاء، متسخة الأطراف، وملفحة قديمة فيها بعض زركشة لا يبدو عليها التناغم مع قماش الجلباب والسروال وكأنه وجدها ملقاة على قارعة الطريق. كان ينتعل مركوبا من جلد البقر بانت عليه نتوءاتٌ من كثرة الخياط حتّى بدا للناظر كاليد المعروقة، لم يبق فيه مكانٌ لرقعة. كان هذا زيّه المفضّل في أيام الأعياد طوال عمره. وكان لا يلبس العمّة، كعادة أهل الريف؛ فلعله ظنها ترفا لا قِبَل له به. حين يأتي لصلاة العيد في المسيد تسبقه ابتسامة عريضة صافيه تملأ وجهه طولا وعرضا، لم أر أصفى وأنقى منها وكأنه طفلٌ في الثالثة من عمره. وعندما يرى الشيخ، حامد أم زين، يهرول مسرعا لتحيته في خشوع واحترام لا مثيل له، بل ويقبّل يده وكأنه يقبّل قطعة من الحجر الأسود. فقد كان الشيخ حامد أم زين هو البركة والتسامح في جرعة واحدة. كان في منتصف عقده التاسع، نحيف الجسم ناحله وكأنه لا يأكل الطعام. كان لا يتدخل أبدا في الخاص من شئون الناس، ولا يفرّق بينهم بمالهم أو حسبهم أو نسبهم. الناس عنده سواسية لا فرق بينهم إذا ارتدوا عطرا طيّبا أو جاءوه تفوح منهم رائحة ما شربوه البارحة؛ ومنهم من يأتيه وكأنه قضى الليل معطونٌ في دُوان بَقَنيّة. يقبل عليهم جميعا بقلب مفتوح وحب أبوي لا يضاهى وكأنه راهب. كان قليل الحديث، ينصرف عن الزائر برهة ليجبد حبات مسبحته العتيقة المصنوعة من "اللالوب"، من ثمر شجر الهجليح، ويهمهم ايذانا لزائره بالانصراف. كان لا يصلّي صلاة الحركات المعروفة، ربما لكبر سنه وعدم المقدرة على الركوع والسجود. يؤدي صلواته جالسا في فروته دون ركوعٍ أو سجود تختلط قراءته للسور بجبد حبات المسبحة وهمهمات العبادة والأوراد حتّى تتماهى معهما تماما. ومن المريدين من قال إن الشيخ يصلّي الفجر حاضرا أحيانا في مكّة المكرّمة ويعود منها طائرا بأجنحة لا نراها، قبل طلوع الشمس بقليل. فكرامات الأولياء وخاصة من كانوا في مقام الشيخ حامد عندنا في البلد من المسلّمات التي لا يأتيها الشك مطلقا. فهؤلاء الأولياء في عرف الناس هناك في مقام الصالحين الذين يستغاث بهم وقت الضيق فيهبون من قبورهم لنجدة الداعي المستغيث. كان اعتقاد أبوي سالم في الشيخ راسخا يشير إليه بكلمة واحدة وهو على أكمل يقين إن مرتبة "الشيخ" هي أعلى مراتب العبادة تعرف بثمارها من السلوك القويم وحب الناس والتجرّد، ولذا فكل من وصل هذه المرتبة هو واحدٌ فردٌ ليس له شبيه في بني البشر في فعله أو اسمه أو مقامه.
وبعد انقضاء صلاة العيد ترزم النّوبة وتئز طبولها إيذانا ببدء الذكر. ورويدا رويدا تسرى في المكان عدوى الطرب في شكله الريفي مخلوطا بطقوس الرقص والكُجُور والحضرة الدينية. نتحلق مع أقراننا حيث تشتبك أيادينا في حلقة كبيرة والكل يتمايل ويردد: الله، الله، الله... ثم يدخل الدراويش حلقة الذكر ويبدأون في الدوران. ويدخل أبوي سالم الحلقة لوحده حافي القدمين وقد تمنطق بتلك الملفحة المزركشة وربطها في وسطه في هيئة صليبٍ يلتقي تقاطعه في نقطة ما تقترب من مكان القلب في صدره. ثم يبدأ هو أيضا في الدوران لوحده وهو يتماوج مع دقات طبل النوبة في نشوةٍ روحيةٍ فريدة، مرددا مع المادحين بصوت عميق بعض أبيات شعر المديح النبوي، والتي تقول:
إبلي المُشَرّفات
وَسمْهِن فاخر
ينفعني دَرّهِن
في اليوم الآخر
وتبلغ النشوة منتهاها عند أبوي سالم حين يعلو صوت المادحين وهم يرددون المقطع الذي يقول:
برّاقا لاح من جايْ
سُوح قِبْلتي ورَجايْ
حار فِكري تاه جايْ جايْ
لمتين أزور مُرْجايْ
وهنا ينسى أبوي سالم القوم من حوله تماما ويلوح برأسه طلوعا ونزولا بينما تتثاقل خطاه وهو يسير بخبب خفيف في حلقة الذكر وقد بدأ العرق يتصبب من جسمه وهو يردد هذا المقطع الأخير: "لمتين أزور مرجاي، لمتين أزور مرجاي،..." وكأنه وجد ضالته في هذه الحضرة الروحيّة المهيبة.
ينتهي اليوم الأول للعيد ونتفرق مع أقراننا بعد أن نكمل دورتنا علي البيوت حيث تُملأ جيوبنا تمرا ويُمسح على وجوهنا بزيت السمسم المعطّر وتتمنى لنا الأمهات والعمات والخالات أن نكبر ونعرِّس بنت الحلال الهديّة ورضيّة، نغلبها بالمال وتغلبنا بالعيال. وتعود الحياة لرتابتها الريفية المعهودة والتي اعتدت على كسرها من وقت لآخر بالجلوس لجدتي والتي تحكي لي حكاوي "أهل قُبُل". وهي حكاوي في مجملها وقائع تاريخية حقيقية سمعتها من جداتها هي الأخرى عندما كانت في عمري. وكم استهوتني حكاية خطبة جدتها رابْحَة الجِرِتلية لولدها سِماعين على بَخيتة بت عَرَكي، كريمة العُمراب والذين كانوا وقتها يقطنون في دار الهجليج التي تجاور قريتنا غربا. كانت كثيرة الفخر بهذه الحكاية لا تفتر من سردها ولا أشبع أنا من سماعها. وتنتهي حكاية جدتي ويدب النعاس الي جفنيّ وأذهب عنها لأنام وأصحو علي يوم جديد لأعاود السير في درب الفضوة في روتين الحياة الطبيعي الى أن يستجد حدثٌ آخر في البلد. فمصدر الإثارة في القرية هي الأحداث التي تأتي مع القادم الجديد سواء كان مسافرا عاد أو ضيفا حل علي البلد؛ نتحلق حوله ليحكي لنا عن أخبار البلاد الأخرى وطرائق أهلها في العيش وفي الحياة. فمن يا ترى سنتحلق حوله في مقبل الأيام ليكسر لنا الرتابة وربما صرنا نتندر بحكاويه في الفضوة. كل هذا ولجدتي حكاية فيها تراجيديا ومأساة تجعلها لا تحكيها إلا في بعض الأوقات عندما تصفو نفسها ويعاودها الحنين لحفيدها، مَطَر وقد ذهب هو الآخر الى بلاد بعيدة، كما ذهب الدُخري ود أبوي سالم، للقضارف وافترسه غولٌ أو أسدٌ على شواطئ بحر أزرق ربما. فهل فعلا مات الدخري أم أنه عائدٌ يوما ما؟
مرت الأيام رتيبة بنهاية موسم الدرت في البلد والذي تكثر فيه الأفراح من زواج وطهور أنجال وسباق إبل ومختلف أنواع البُوش والنفير. ويأتي وقت الطّلِيق حيث يسمح للرعاة بطلق البهائم في المزارع التي اكتمل حصاد محصولها. في هذا الوقت تكثر النزاعات بين المزارعين بسبب دخول الضأن والأغنام في المزارع التي لم يتم حصادها تماما، بحجة الطليق. وأكبر النزاعات تنشب بسبب دخول إبل العرب الرُحّل والتي ترابط أحيانا طوال الموسم في حوافي البلدات في الفضوة وأصحابها ينتظرون هذا الوقت. ولذا تكثر في هذا الموسم الشكاوي ومحاكم الجوديّة في القرية والتي يبتُّ فيها أبي بحزم وحكمة لم أر لها مثيلا. كانت له مقدرة مذهلة في تتبع خيوط الشكاوى المتشابكة أحيانا وتوجيه الأسئلة الحارقة التي تكشف الحقائق وتبيّن خطل الحُجج. وفجأة يصمت ويهدئ المجلس بصوتٍ آمر ليضع أمامهم الحل والذي لا يقل في تماسكه عن أي حكم قضائي عادل، صحيح ومسبّب. ثم ينهي الجلسة وقد قِبِل الحضور حكمه دون لجج. في هذا الوقت أيضا يبدأ موسم اللقيط وهو وقت حصاد الصمغ حيث يعاود أبوي سالم رحلة المشي المضنية، راجلا، لبلاده في الوادي كل يوم وهو يحمل كُرْتالَة الصمغ العتيقة، معلقة في طرف الفأس على كتفه الأيسر، والتي هي علامة حلول موسم اللقيط؛ وهي سلّة سعة عشرة أرطال أو تزيد قليلا تشبه الدلو وتصنع من جلد شاةٍ أو عنز قديم يوضع فيها الصمغ. تراه منكبّا على وجهه يمشي متثاقلا تغوص خطواته في الرمال وكأنه يحمل أثقالا وهو مقدِم على عمل مقيت ومكروه. اختفت هذه المرة ترنيماته العذبة وقت الطق ونمّاته بشعر المديح النبوي. فلماذا يا تُرى كل هذه الكآبة التي تكتنفه، والتي تحسها في وجهه العبوس وفي خطواته المتثاقلة وكأنه يسير الى الوراء. وبينما هو هكذا يمشي كئيبا يقابله في الطريق ود عَكّام ويدور بينهما حديث قصير يبادره ود عكّام:
- أبوي سالم كيف حالك.
- حالك خير وزين، حباب ود عكّام. حباب ولدي.
- دحين ساير بلادك للقيط الصمغ؟
- إيّْ ساير، لكن صمغ السجم والرماد يلقّطوه ولا يخلّوه كله واحد يا ولدي، شِن جايب؟ كان تمّ لدين التاجر ود حاج أحمد الباقي يروح سلفقة ساااكت مع ناس الحَاكومة وضرايبهم الما ليها حد. لكن شن نقول.ديل ما بخافوا الله.
- السَّنِي دي قالوا القنطار سعره زايد في السوق بالحيل يمكن تطلع منه بحسبة كبيرة تطهّر منها الحريحري ولدك وتحج منها لبيت مكّة كان الله هوّن.
- نقول آمين. نقول آمين. لكن ناس الحاكومة ديل ما بخافوا الله. كان بقى سعره بي شُنُو داك ما بدّونا منه إلا الدُقّة والحُتحات. والله وبالله قالوا في بلاد برّة الصمغ دي ينباع بالدولار بالشي الفلاني، لكن ضرايب الحاكومة الما ليها حد يشيلن منه تمانية عدان ويفضّلن لينا عودين بس. لعنة الله عليهم قطعوا ضرعاتنا بشقاوة الطق واللقيط بلا فايدة. العيال أول أمس حسبوهن تلاتة وتلاتين ضريبة على كل قنطار صمغ. تلاتة وتلاتين ضريبة وبي فوق ليهن زكاة كمان، كلها في كروشهم. القنطار كله نصيبنا منه كان ضربه الدم ما فايت الخُمُس. يعني متل الكُرتالة القدامك دي كان بتشيل عشرة أرطال صمغ يدونا منها رطلين بَسْ. رطلين بَسْ! ويشيلوا هم تمانية أرطال. شُوف الظلم دي كِكّيف عليك النبي. ديل ما ياهم المطفطفين ذاااتهم البقولوا عليهم في كتاب الله..
يقاطعه ود عكّام بقوله:
- سمعنا قالوا الوالي غيروه بواحد جديد يمكن يتغير الحال ويرفعوا ليكم السعر ويقللوا الضرايب، وكمان ما تنسى السّنِي دي سَنَة الانتخابات دايما بكون فيها تساهيل كتيرة بالحيل زي ما تعرف..
فيصيح أبوي سالم:
- جديد قديم كله واحد. ما في فايدة. كلهم ناس لَقِفْ بَسْ. وما تغرّك الدقون المعشعشة دِي. دِي دقون تَرْغَل غنماية اليتيم يا ولدي. الله يسلِّط عليهمْ ويوريهم نجوم القايلة. ديل زي الحَنقُوق كما دقّوه ما بنفتل يا ود عكّام. الله يجيب عيالنا. الله يجيبهم. الله يجيبهم. الله يجيبهم..
وبينما هو يبتعد من ود عكّام في طريقة لبلاده كئيبا متثاقل الخطى يتمتم بالدعاء، يسمع فجأة صوت طفل يناديه من على البعد؛ صوتا يشبه صوت الحريحري ابنه والذي جاء يجري من جهة البيوت في أثر أبيه كالمخبول وأنفاسه تتصاعد وكأنه عَدّاءٌ في سباقٍ وهو يصيح:
- أبوي أقِيف؛ يابا أقيف. يابا أقيف..
- أقيف لي شنو يا ولدي؟ إن شاء الله أمك ما جاتها القبضة في قلبها تاني. لا حول ولا قوة إلا بالله. يا ساتر يا رب. يا جِدّي حامد أم زين ويا ولاد جابر الأربعة تنجونا من العوارض.
- يابا أقيف، الدُخري جي..
- الدُخري ولدي جي؟ يا وِلِيد. جي بتين؟ وجي من شقيش؟ ومعاه منو؟ الدخري جي؟
- جي من غرب من صباح ماني خابره لكن جي قَطِع شك. وكان شفتَ الساعة في إيده ترقِش والعِمّة اللابسها كِرِبْ أصلي والله أنضف وأبيض من عمة فكي ابراهيم. الحِلّة كلها كبير وصغير الأعمى شايل المكسّر قامت تلاقيه، تقول طلقوا فيها النار..
- كان كدي ما قول جِيد لينا وفِرْجت علينا. الله فِيْ. الله فِيْ. ومن دربي دي نقبّل معاك بالحيل. وصمغ السجم والرماد دي كان دايرنه يجوا يلقّطوه ناس الحاكومة بخيت وسعيد عليهم، يلقطهم أب فَرّار بركة النبي القُرشي.
ويهرع أبوي سالم راجعا للبيت في سير حثيث أقرب للخبب وهو يهمهم بفرح عزيز: "الدُخري جي، الدُخري جي، الدخري جي، الدخري جي". وتتسارع خطاه حتى يتعثر بسبب السرعة ونعله القديم فيخلع النعل ويرميه جانبا ويرمي معه الفأس والكرتالة أيضا باشمئزاز وكأنه يبصق في وجه الظلم والفقر والعوز. وفجأة يحس بأن حملا ثقيلا قد أزيح عن كاهله وأن خطواته أسرع وكأنه على وشك أن يطير. وفي البيت يفج الجموع الغفيرة وسط زغاريد النساء، تتوسطهن شمس الدرت، ليعانق ابنه، الدُخري، والذي بدأ ضخما كالعمالقة. اختلطت دموع أبوي سالم بابتسامته البريئة؛ فقد صار في حكم المؤكد تمام مرجاه..
"النهاية"
+++
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1394

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1229820 [daldoum]
5.00/5 (1 صوت)

03-18-2015 05:05 PM
شكرا لك قد امتعتنا بسرد جميل ، عن قصة واقعية وقد عشناها واقعا شكل وجداننا ‘ولقد عبرت عن ما يجيش في صدورنا ومخيلتنا ومخيلة كل من نشأ وتربى في البوادي والريف والقرى والحلال (القرى الصغيرة) .
وارجو عندما تكتب عن الريف لابد تشرح بين قوسين معنى بعض الكلمات التي قد تستعصي بمعناها لاختلاف البيئات والحضر‘ كلمة النيلة والدرت والصعيد.
واسلوبك فيه مقاربة او شبه اسلوب الكاتب / عبدالعزيز بركة ،،، وشكرا لك

[daldoum]

#1229014 [ود صالح]
5.00/5 (1 صوت)

03-17-2015 02:57 PM
"الله يجيب عيالنا. الله يجيبهم. الله يجيبهم. الله يجيبهم..".

"يابا أقيف، الدُخري جي..".


ويبقي السؤال: متي يأتي الدخري؟ لقد طوّل الغيبة أبو شنب و لعب أبو ضنب. الله يجيب عيالنا.



تحيّاتي و مودّتي.

[ود صالح]

#1228862 [Madam Maha]
5.00/5 (1 صوت)

03-17-2015 11:30 AM
يا سلام.... شكرا امتعتنا بهذة الاستراحة واللحظات الجميلة التي اهديتها لنا ونحن نكابد متاعب هذة الحياة وتعقيداتها ... صورة بسيطة و حقيقية لريفنا وسماحة اهله الطيبيين....

[Madam Maha]

#1228855 [osama dai elnaiem]
5.00/5 (1 صوت)

03-17-2015 11:20 AM
العزيز بله-- لك التحية -- انت كاتب لك مستثبل كبير باذن الله -- وللشباب ( البقنية) شراب مسكر اعلي مرتبة من الشربوت واقل من المريسة في درجة تاثيره -- واضيف الي تلك المعاناة جلب الماء من اماكن بعيدة تبدا رحلة جلبه بعد صلاة الصبح وتعود ارتال السقاة بحميرهم وجمالهم مع المغرب وهذا من الاسباب التي تقعد بالانتاج في مناطق الصمغ العربي --- الهجرة في تلك المناطق تسمي ( النجيع) يقال فلان نجع لبحر ازرق او لبحر ابيض اي مناطق سنجة او كوستي --- جزاك الله خيرا فقد صورت الحال هناك ونطقت الارض من خلال تعابيرك ولك مودتي

[osama dai elnaiem]

بلّة البَكري
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة