المقالات
منوعات
الضبع -- قصة قصيرة
الضبع -- قصة قصيرة
03-17-2015 06:14 PM



جاء مسرعا يركض برغم الحذر. وحين وصل الى مدخل زريبة البهائم وجد باب السياج مقلقا فاصبح حماسه يذوب بالتدريج. وتوقف الضبع وانشأ يفكر فى طريقه تمكنه من الدخول. والرجل الواقف على الكوخ لم يكن يتوقع ابدا ان ياتى الحيوان الى بيته فى هذا الوقت المبكر فالساعة كانت الثامنة والنصف مساء. كان يقف على مسافة قريبة واستطاع ان يتبين ملامح الحيوان بوضوح فى ضوء القمر فى ليلة اكتماله. كانت ليلة مميزة جدا, سوف لن ينساها الرجل ابدا. وقد سطع فيها القمر بقوة وتوهج حتى غطى ضوءه على كل المصابيح. واستعارت الزهور طاقتها من طاقة وقده فتوهجت وفرهدت. وعندما تلفت الضبع تمكن بسهولة من رؤية الاشياء بجواره فزاد حذره. كان مرهقا ويتنفس بصعوبة من صدره العريض الذى يشبه الحائط المستقيم. وهو يتعمد باستمرار ان يرفع صدره عاليا متسعا فيظهر بحجم اكبر من حجمه الطبيعى. واستطاع الرجل ان يتأكد بنفسه مما سمعه عن شكل الضبع الغريب والمخيف. فجسم الحيوان يشبه نصف هرم والرأس الصغير يقع فى اعلا قمته. اما الوجه فيتخد شكل مثلث وهو ممتلء بالنتؤات والحفر ومثبته فى اعلاه عينان كبيرتان وحاجبان كثيفان مستقيمان. ولا شك ان الحماس الكثير قد دفع الضبع الى ان يجرى بكل قواه. ونظر الى السياج والى البوابة الخشبية المغلقة باحكام وبدا يفكر فى الخطوة الاكثر سهولة. وهو يعلم صعوبة القفز فوق سور زريبة البهائم الذى يبلغ مترين. والسور واسع يشغل مساحة ثلاثمئة مترا مربعا ومبنيا بناء متماسكا من اعواد اشجار النيم والسنط المتينة المربوطة بالاسلاك والحبال القوية. وفى داخل الزريبة يوجد قفصا للدجاج. وحين شعر الحيوان بالراحة مد رجله اليمنى الغليظة المربعة بدون ان تلامس الارض. ثم ارجعها الى وضعها الاول وهو يراقب المكان جيدا ثم مد رجله اليسرى. ورفع رقبته الطويلة الى اعلا ثم تلفت الى اليمين والى اليسار. وظهر عليه انه قد روض نفسه جيدا واصبح يتحرك باطمئنان وثقة تامة بانه سينفذ مهمته دون ان يقع فى الشرك.
وقد زودته خبرته بمهارة الاحتراز الشديد والتحسب لكل الاحتمالات. وحاول ان يمط عنقه بقدر المستطاع حتى يرى الاشياء البعيدة والاشياء الصغيرة. وتلفت ناحية اليمين مرة اخرى ورفع وجهه الى اعلى من جديد. وجرب كل حيله لكى يختبر كل شئ فى هذا المكان. وعندما فشل عقله الماكر فى ان يهديه الى مدخل يفيده فى مسعاه, توقف وهو يرى اول معالم خيبته تبدو ظاهرة امامه. فى هذه اللحظة ترك الرجل نافذة الكوخ الطينى وتحرك الى الداخل ليفحص بعض الاشياء. وعندما عاد مرة اخرى وجده مازال واقفا فى مكانه. وعند تركيز بصره لاحظ غرابة عينى الضبع وقبحهما الواضح. كذلك لاحظ بان لون العين يتغير بتغير كثافة الضوء الساطح عليها وزاوية سقوطه. واحيانا يكون اللون احمرا ثم يكون بنيا ثم بنفسجيا. واخيرا شعر الضبع بوجود الرجل فالتفت وهو ينظر اليه نظرة تحدى. وشعر الرجل بالخطر الماثل امامه. وبصورة تلقائية اقفل النافذة وجعل يتنفس بعمق لكى يستجمع قواه ثم تمتم بدعوات وايات من القرأن. وهو لا يريد لخطته ان تفشل خاصة وانه قد اعد العدة جيدا وجهز كل التحوطات حتى يقع غريمه فى الفخ. وهو كان فى الصباح يرعى غنمه قرب الغابة التى تبعد مسافة ثلاثين كيلومترا من هذا المكان. وكان فى ذلك الوقت يراجع خطته ويفكر فى الثغرات. وهو الان يرى الضبع يقف قريبا جدا من الشرك الذى ستكون فيه نهايته. وعاد الرجل من جديد لكى يراقب الحيوان الواقف بجثته الضخمة مواجها المدخل ويتحفز للخطوة القادمة
القبض على الضبع قرار مشترك اتخذه اهل القرية بعد ان استقر امرهم على استبعاد الخيارت الاخرى لانها اكثر خطورة. وقد اوكلت مهمة تنفيذ القرار الى عدة اشخاص من ضمنهم الرجل الذى يقف على نافذة الكوخ. والحيوان استطاع ان يطور استعداده الفطرى على المكر والدهاء واستطاع ان يحتفظ بدافع قوى لقتل بهائم القرية. وعند ظهر اليوم اخذ الرجل الشرك و نصبه داخل حفرة عمقها مترا ومساحتها مترين ونصف. والحفرة تقع عند مدخل زريبة البهائم وهى تشكل حاجزا بحيث يستحيل لمن يريد الدخول الى الزريبة تجنبها الا اذا تمكن من القفز فوقها. وقد غطيت الحفرة باعواد رقيقة من النيم والقصب الجاف منظمة بعناية كبيرة. بعد ذلك وضع عشبا جافا فوق القصب وفوقه طبقة رفيعة من الطين. وعندما جف الطين نثر قطعا رفيعة من العشب الطرى فوق طبقة الطين. واصبح المشهد طبيعيا لا يلاحظ عليه اثرا للصناعة. وبعد دقائق من التفكير كان الحيوان القبيح قد اعتدل فى وقفته وتحرك الى الوراء واستدار لكى يغادر لكنه تردد فى اخر لحظة وظل واقفا فى مكانه. ثم مد عنقه الطويل النحيف مرة اخرى الى اسفل. وانشا يشم فى الارض ثم رفع راسه وعنقه الى اعلا ونظر الى القمر المضئ. واستدار نحو الكوخ بوجهه المخيف والظاهرة عليه ملامح الكبر والتجعدات الواضحة. وهز جسمه المترهل الذى بانت عليه اثار الجروح التى اصابته خلال معاركه السابقة, وهو يمنى نفسه دائما بشفاء جراح قلبه المفتوحة. ورفع راسه من جديد وفتح منخريه باتساع بين, وفى نفس الوقت كان يضيق ذرعا من احساسه بالغربة حين شم روائح تراب الارض التى لا تشبهه ولا ترحب به. واصبح يديم النظر الى جانب السياج لكى يجد اى تغرة مهملة فيه. ثم مد رجله ليلمس الاحجار المبعثرة فى الارض. وفجاة تراجع الى الوراء وعاد مندفعا ليضرب السياج برجله وبعنف كبير. ثم التفت وفتح فمه واسعا وهو ينظر الى الرجل الواقف فى الكوخ. ودب الخوف فى اوصال الرجل, خاصة وانه سمع الحكايات الكثيرة المرعبة عنه, لكنه ظل واقفا فى مكانه مصمما على اكمال المهمة. والسبب الذى دفعه لهذا العمل هو ان هذا الضبع عدوانى بشكل يثير الهلع. وطباعه مختلفة عن اقرانه وقد ظل باستمرار يبتكر الطرق المختلفة للاعتداء وقتل الاعداد الكبيرة من البهائم فى القرية. وهو حين يقتل البهيمة ياخذ قطعة صغيرة من لحم كتفها, قريبة من العظم وشكلها مستدير, ووزنها لا يتعدى المئة جرام, فياكلها ثم ياكل قطعة مثلها من الكبد. ثم يفعل نفس الشئ مع بهيمة اخرى الى ان يشبع. اما الدواجن فهو ينفث عليها من فمه رائحة قوية كريهة حتى تموت, لكنه لا ياكل منها اى شئ.
وعندما اكتمل شملهم فى الاجتماع الاول كان الرعاة والمزارعون يتذكرون مشاهد الاعداد الكبيرة من اشلاء البهائم التى قام الضبع بقتلها والدماء السائلة على الارض والحرائق. وذكر احد الحاضرين, ووافقه الكثيرمن الرعاة, بان الضبع يسكنه شيطان ويقدم له المساعدة فى الوقت المناسب. لذلك قرروا استخدام الحيلة لاصطياده وهم يعلمون ان الطريق الذى سلكوه طويل وملئ بالكمائن ومحفوف بالمخاطر. وفى الشهور القليلة الماضية اتضح لهم حجم المخاطر وشعروا جيدا بعظم المهمة. ولما ادركوا بانه يخطط للاستفراد بكل واحد منهم على حدة, قرروا ان يجمعوا امرهم حتى يلحقوا به الهزيمة. وفى كل اجتماع كان الحماس يكاد يشعل اجسادهم وعلو الهمة والتصميم تبين واضحة جلية على وجوههم . وفوق قناعتهم بحديث الرجل فان الاعتداءات المتكررة من الضبع قد عجلت بالقرار. ولا شك بانه سيتحصل على معلومات من الشيطان تساعده فى افشال الخطط المختلفة. وفى هذه اللحظات نما اعتقاد لدى الرجل بان ساعة القبض على الضبع حانت فتاهب وشد على قبضة يده واتجه بجسمه النحيل نحوه. وقام بتركيز مشاعره كلها تاهبا للحظة التى يتقدم فيها الضبع الى الفخ ويقع فيه. وهو متأكد تماما من ان فشل خطته سيشجع الاخرين على تعديل وتجويد الخطط البديلة. لكن الضبع ترك ما بيده واصبح يرقص رقصة غريبة ويهزل ويقهقه كالابله. وهو ليس ساذجا او غبيا لكنه ماكر وقلبه مسكون بالحقد وشهوة الانتقام. ولا شك ان الرعاة الاخرين لن يكفوا عن مراقبته ومحاولة اصطياده لانه يعمل كل الجهد لتنفيذ خطة الابادة واهلاك ثروتهم الحيوانية وهى مصدر رزقهم الوحيد. والناس فى هذه القرية, رعاة ومزارعون, يعتبرون الاعتداء على بهائمهم وزراعتهم اعتداء على رقابهم. وقبل ان يغادر هز الحيوان راسه ثم توقف وهو يعيد ترتيب افكاره. وهو يعلم بانه فى هذه الجولة قد نجح فى استكشاف المكان جيدا واستطاع تجميع معلومات قيمة, سينهمك منذ الان فى تحليلها, وسيستخدمها بلا شك لانجاح محاولاته القادمة
انتهز الرجل لحظة الهدوء ليفكر فى امكانية انتباه الضبع للحفرة وبالتالى تجنبه لها. وفى حالة فشل خطته ونجاح الضبع فى ابطال الشرك فان الحيوان العنيف سيلجأ الى الانتقام, وسيكون الامر فى غاية الخطورة. وعندما سمع بضرب الارجل على الارض تحرك بحذر وفتح النافذة. ومثلما توقع تماما فقد وجده يتحرك نحو السياج وهو واثق جدا من نفسه ومن تمكنه من تنفيذ خطته الجديدة. ولحرصه الشديد كان بطئ الحركة وحذرا ومصمما على الا يقترب من موضع الشرك. واصبح الرجل منزعجا جدا من الذى يجرى امامه, ودارت فى خياله الصور المرعبة. وتصور اللحظات التى يتمكن فيها الضبع من دخول زريبة البهائم. وضرب بكفه بقوة على خشب النافذه, وكان يتذكر حجم النذر الذى نذره بان يلتزم بالخطة ويرعاها الى ان تنجح. التفت الضبع وحدق فى عيون الرجل. كانت نظرتة غريبة ومرعبة ومشبعة بالتحدى. لكن الرجل ظل يقظا رغم خوفه وتضجره. وكان يمسك ببندقيته باحكام فى الوقت الذى كان يراجع فيه الخطة المحكمة ويفكر فى احتمالات المفاجأة والمباغتة ويزن نتائجها. وهو يعلم ان الاطمئنان بدون تحسب يوقع فى الغفلة, وان الثغرات لا تظهر بوضوح فى وقت الغفلة او وقت الغفوة او سرحان الفكر. كذلك فان هجوم المباغتة قد لا يستغرق الا ثوانى معدودات حتى تظهر نتائجه

امسك الضبع باحد اعمدة السياج المتينة وحاول عدة مرات جذبه ودفعه بلا جدوى. وعندما شعر بالتعب يدب فى اجزاء جسمه, رقد وهو يلقى نظرة ثاقبة الى العشب المنثور فوق الشرك. ولم يترك له القلق مجالا لكى ينعم بالسكون فاصبح يحرك رجليه ببطء شديد فى اتجاه الحفرة ثم يتوقف ليفكر. والضبع يعرف ان تضييع الوقت سيكون فى صالحه حين يغلب النعاس الرجل لطول ساعات المراقبة. ومع ذلك فان الوقت المتاح له محدد بحدود ساعات الليل. وفكر الرجل فى افراغ بندقيته كلها فى راس الضبع لكنه تراجع لما تذكر التعهد الذى قطعه على نفسه. وبعد لحظات جعل الحيوان يحفر باظافره الحادة التى تشبه السكاكين, واستمر فى الحفر حتى اصبحت الحفرة عميقة بشكل واضح. وتوقف فنفض الغبار من جسمه ورسم ابتسامة قبيحة اظهرت اسنانه البنية المقرفة. وقبل ان يدخل فمه فى الحفرة تبسم والقى عليها نظرة اختلطت فيها مشاعر النشوة بمشاعر التشفى, ثم عض على فريسته, واحكم اسنانه على الذيل وسحبها بقوة حتى قطع النصف الخلفى. واصبح ياكل لحم الثعبان بشهوة وباسنان حمراء والدم يقطر من فمه, ثم ضحك بصوت عالى وهو ينظر الى الرجل. وعندما شبع التفت وهو يبتسم باسنانه الحمراء وفمه القبيح الممتلئ بالدم. ثم صاح مهددا الرجل بصوت مخيف تشبه نغمته هدير الرعد. ولم يعرف الرجل نواياه الحقيقية حين امسك بحجر وبدا يقلبه وينظر اليه بتمعن. واخير نظر الى الرجل بنظرة ثاقبة وهو ينوى التحرك
وحين هدأ انسجب الرجل الى الداخل. لكن سكونه لم يدم طويلا فقام وتحرك بخطوات بطيئة ومضطربة وهو يتلفت ثم وضع رجله على سلك فى السياج, لكنه سحبها بسرعة حين احس بوخز السلك الشائك, وانزلها وهو يتالم. كان الرجل فى هذه الاثناء يفكر فى الثمن الغالى الذى سيدفعه اذا ترك الضبع يقتل بهائمه. وهو يعلم كذلك بحدود التزامه مع الاخرين. ويعلم بصعوبة ان يبدا مرة اخرى من نقطة الصفر. وفى هذه الحالة لا يجد احدا يمكن ان يعوضه عن ما سيفقده من بهائم, ولا توجد شركة تامين ولا اى مؤسسة اخرى تهتم بامره. وحول بصره باتجاه السرير متمنيا بكل مشاعره ان يستطيع الخلود الى الراحة بعد طول وقوف وتفكير وقلق. وسمع صوت البهائم يعلو فاسرع الى النافذة ليرى ما حل بالزريبة. ولم يرى الحيوان فحسبه قد وجد طريقه الى داخل الزريبة. ومن القصص المتداولة فى القرية عن الضبع هو انه تعود ان يرقد تحت ظل شجرة سنط فى الغابة كبيرة ومعمرة, اشواكها كالسكاكين والناس يخافونها ويتجنبون الاقتراب منها, وثمارها حمراء ولها رائحة كريهة ومزعجة وبها مادة مخدرة. ويقولون ان الضبع ياكل منها ويستمد منها رائحته الكريهة وقدرته على المكر والتخريب.
وعندما انتبه الرجل لاهمية مراجعة خططه, سحب بندقيته وتحسس ذراعه لكى يتاكد من وجود السكين فى غمدها, ونظر فوجد الرماح والسيوف فى مكانها. وكان فى هذه الاثناء يفكر فى كل احتمالات الهجوم والخطط المناسبة لكل حالة, وكيف ينبه الاخرين بالخطر. وبعد دقائق ظهر الضبع من جديد. وكان مصمما فى هذه المرة على تجريب كل الحيل بعد ان فشلت المحاولات السابقة. ووضح عناده الكبير وهو يكثف مساعيه لحفر الارض من جديد ويتلفت باستمرار وينظر بخبث ومكر. والرجل يعلم ان الاخرين ينتظرون نتائج عمله. وهم يعضدونه وقد تعودوا على ذلك خاصة فى المواقف العصيبة مثل الاخطار الكبيرة والكوارث. وهم على وعى تام بان تعاونهم مع بعض يكفى لصد الاعداء الماكرين ذوى القوة والمنعة. والدفاع ضد المعتدى مكلف وقد يتطلب تضحية بالمال والنفس لكنه واجب. ولا احد منهم يقبل بان ياتى الى قريتهم من ينشر الذعر والخراب فى القرية, ولا احد يقبل بالظلم والعدوان ابدا. وقد يكون الضبع حاقدا على رفاقه الضباع الذى رفضوا القبول بان يكون زعيما لهم فاراد ان يعوض فقده للزعامة بالانتقام من كل شئ حوله. وبدون تردد ترك الشرك واقترب من السياج واصبح يحاول نزع بعض المسامير من الاعمدة مستخدما انيابه القوية. وكرر فعلته عدة مرات ثم حاول ادخال راسه من خلال الفتحات. وعندما عجز توقف واطرق مليا لاستجماع افكارا جديدة تدعمه. ثم حاول عدة مرات ان يقفز فوق السياج وفى كل مرة كان يسقط على الارض ثم ينهض بسرعة وهو متحمس لمحاولة جديدة.
وتراجع من عمله الاخرق عندما فشل فى احراز نجاح, فعاد واقترب من الشرك ومد رقبته ليشتم رائحة العشب المنثور فوقه. وهذه الخطوة اكدت للرجل بان الحيوان قد يئس تماما من اختراق السياج بعد ان اقتنع بانه متين ولا يمكن النفاذ منه او القفز فوقه. ووقف الحيوان ليفكر ثم فتح مناخيره عريضة لكى يتمكن من اكتشاف رائحة غير مألوفة حول الشرك. ثم اصبح يزيح التراب والحجارة وينفض جسمه من الغبار. وهز جسمه ورأسه لكى يستدعى لحظات الثقة والثبات والحيوية. وحين تلفت ونظر الى الكوخ من جديد وضحت للرجل امارات الوعيد فى عينيه. وظل ينظر مليا الى الرجل فى عينيه محذرا وهو يحاول ادخال الخوف فيه. لكن الرجل كان قد هيا كل مشاعره للرد الحاسم وتحسس زناد بندقيته. وسمع صوت ارجل الحيوان وهو يضرب بها بقوة على الارض. واخرج راسه كله عبر النافذة فراه يشرع فى محاولات جادة لابطال الشرك. واصبح يحفر فى الارض وهو مسكون بهمة عالية. ونقب باظافره الحادة فنجح فى تعميق الحفرة الى ارتفاع ربع متر, غير انها كانت لا تزال بعيدة عن الشرك. وعندما زاد عمق الحفرة اخرج لسانه و لحس الحجارة المكومة بقربه. وبدات تنتاب الرجل الهواجس الكثيرة وفكر فى بدائل اخرى وانشا يسترجع ذكريات تزيل عنه الضجر والخوف. وكان التعب قد اوهن كل مفاصله. اما الضبع فقد امضى نصف ساعة وهو يواصل الحفر ويشم التراب ويلعق الحجارة وينفض عفنه والتراب الملتصق بجلده. واتسعت الحفرة كثيرا وامتدت الى قرب الشرك. ولمعت اسنان الرجل بابتسامة مشرقة وهو يشعر ببوادر وقوع الضبع فى الشرك. لكنه لم يستبعد ان يستخدم الحيوان خبراته كلها لتجنب المزالق, وهو بالضبط العامل الذى جعله يبدو واثقا من النجاح وزوده بالايمان من قدرته على زيادة القوة التى تدفعه لمواصلة عملية الحفر. والرجل يعرف حتمية التمسك بالمراقبة الدقيقة والتزام الحذر. وهو يشعر فى هذه اللحظات بصعوبة المهمة, لكن فؤاده ظل باستمرار خصبا بالامل وهو يواصل مراقبة الموقف عن كثب

لم تظهر علامات التعب على الضبع, ولم يظهر عليه ما يبين تخليه عن محاولة الاعتداء على الرجل. والرجل يعلم انه حيوان جبان من الداخل لكنه يمتلك مقدرة فريدة على الغدر. ومن يبرع فى المباغتة يصبح اكثر تمكنا من الحاق الاذى, لان الاخر لا يتوقع منه الهجوم فى تلك اللحظة. وعندما واصل فى الحفر اعتقد الرجل بانه يريد ان يثقب نفقا تحت الحفرة. واستمر تطاير التراب والعشب والعفن وعم الغبار وجعل الرؤيا صعبة جدا. ومد الضبع رجله بحذر واصبح يقيس طول وعرض الحفرة. وبعد لحظات رفع راسه عاليا وهو يتبسم بنشوة. وعندما تذكر الرجل قصة الشيطان اجهد نفسه ليركز بصره على الوجه القبيح والعينين المحمرتين كالجمر. وتذكر نظرة الضبع الخبيثة المرعبة. وذهب مسرعا الى الداخل, فحرك الاعواد حتى زادت النار اشتعالا. ومكنه ضوء الحطب المشتعل من الرؤية الواضحة وامده بالدفء الكثير والاسترخاء. وكان الضبع فى تلك اللحظات يرقد قرب الحفرة ينعم بالراحة, راضيا عن نفسه لانه لم يتعرض لاصابة. واصبح يلتقط الحجارة ويشمها ثم يلحس بعضها ويقذف بها بعيدا. واتضح ان نجاحه امده بحماس زائد فقام بسرعة وتحرك حتى اقترب كثيرا من الشرك. وتمنى له الرجل ان يرتكب حماقه فى هذه اللحظة و يقع فى الشرك. لكنه يعرف انه حيوان حاذق. بيد ان الحذق احيانا لا يشكل حاجزا يحول دون ان يرتكب صاحبه حماقة فى لحظة تسرع. وسيصل الكائن بلا ريب الى لحظة ينفذ فيها صبره. وفى مثل هذه الاحوال تظهر اماكن ضعف النفس ويكون التفكير مشتتا بين لحظات النجاح ولحظات الفشل فيحدث الارتباك. والضبع يشعر الان انه يستطيع اكمال المهمة وحده لذلك سيمضى فيها دون اللجوء الى الاستشارة او الاستعانة بالاخرين. كانت افكار الرجل تمر بسرعة فى ذهنه ويحكمه شعور قوى بان الحيوان سيقدم على اتخاذ قرار غير مدروس. وعندئذ سيقوم بخطوة يظن انها حاسمة, لكنها ستاتى بنتيجة سيعلم فيما بعد خطلها وعظم تبعاتها الوخيمة
كادت البندقية ان تسقط من يده حين غفا, ولما انتبه فرك عينيه بشدة وحدق بعد ذلك باتجاه الضبع. وجده يتحرك ببطء ويلقى نظرات فاحصة حول المنطقة ويراجع كل الترتيبات. ولا شك انه اصبح اكثر قناعة بقرب انجاز عمله. واصبح الرجل كذلك يزداد يقينا بان الحيوان تلقى دعما او معلومات قيمة من الشيطان. ورجع فحرك اعواد النار مرة اخرى واستمتع بدفئها ووهجها الذهبى المفعم بالثقة والمنعة. وكان الضبع يفكر فى مدى العداوة التى جلبها لنفسه من الناس حينما بدا يهاجمهم فى قريتهم, وكذلك عداوة الضباع الاخرى. وهو يعرف ان من يقبض عليه قد يقتله. وعندما تقل الخيارات امام الفرد يصبح اختيار احدها سهلا. هذه الافكار اعطت الحيوان الجرأة للمضى فى المحاولة والتصميم على مواصله عملية اقتحام زريبة البهائم. وهو يعلم انه قد سار فى طريق يستحيل التراجع عنه. وهو فى هذه اللحظات يجهز شعوره تجهيزا تاما ويهز جسمه و ينفض عنه الغبار و ينفض القاذورات التى لصقت بشعره وراسه العنيد. وتبسم فوضحت عليه سمات من يرى طلائع النصر المبين. وجهز مشاعره كلها للاحتفال والرقص المثير مثلما فعل من قبل. لكنه يعلم تماما بانه محاصر من كل الجهات. ورغم هذه الحقيقة فهو يصر على اتباع حماقاته.
تراجع الضبع الى الخلف بخطوات ثابتة منتظمة ثم توقف, فشد على عضلاته حتى تجمدت كل عروقه وانتفشت كل شعرة فى جسمه, ثم اصبحت اطرافه كلها ثابتة فى مكانها كانها صخور صماء. وفجاة تحرك بسرعة الى الامام ثم جرى بسرعة كبيرة ثم قفز. قفزعاليا جدا حتى بانت بطن قدمه الخلفية البيضاء بوضوح. كانت الحركة سريعة ومثيرة وواضحة المعالم. بعد ايام كان الرجل يعيد الحكاية ويؤكد بانه شاهد الحدث كانه شريط سينمائى يدور حتى النهاية , ثم يبدا من جديد فى الدوران ببطئ ثم بحركة اكثر بطئا. ولاحظ الناس انفعاله حين كان يسرد الحكاية ويوضح تفاصيلها. وحين تخطى الضبع الشرك هبط على الارض. واندهش الرجل حين شاهد الرجلين الاماميتين تضربان الارض بقوة ويقوم بعدها الحيوان معتدلا فى وقفته. لكن الضبع ارتمى بعد لحظات على الارض واصبح يصرخ ويتلوى من الالم. وكان الرجل قد سمع صوت الشرك وتبينه جيدا وميز صوت الحديد وضرباته على الارض. وصرخ الضبع واصبح يئن بشدة ويعلو صوته اكثر فاكثر. وانتظر الرجل فى مكانه حتى يستبين تفاصيل الحدث كاملة. لكن الضبع نهض من جديد وتمكن بصعوبة من الوقوف, وظل على حاله بالرغم من ان الشرك كان معلقا برجله, وبرغم الالم الشديد. واغتبط الرجل كثيرا وهز راسه وهو يتبسم. وخرج مسرعا ليقبض عليه لكنه راه يقاوم لكى يتخلص من الشرك.
كان الحيوان يجذب رجله بقوة برغم الالم. وبعد لاى تمكن من نزع الشرك من الارض, لكن الشرك ظل شابكا على رجله. وانشا يجرى والالم يكاد يقتله والشرك معلق برجله. وحمل الرجل سلاحه وخرج مسرعا مقتفيا اثره. وعندما كان على بعد بضع مئات من الامتار منه, حاول تصويب رصاصة باتجاهه لكنه تراجع. ولان الضبع كان يجرى بسرعة كبيرة, فان المسافة بينهما زادت كثيرا بعد دقائق معدودة. ولا شك ان الفزع الشديد قد دفع الحيوان ليجرى بسرعة جنونية. واخيرا اصبح يجرى بكل قوته فى اتجاه الغابة والشرك معلق فى رجله والرجل يطارده. وحاول بكل ما اوتى من قوة ان يزيد من سرعته. وفى منتصف الطريق انضم اناس اخرين من اهل القرية وواصلوا المطاردة
عندما دخل الغابة توقف الجميع ليرتبوا افكارهم ويراجعوا خططهم وكلهم امل فى يكون الشرك مازال قابضا بقوة فى رجل الضبع. ولانهم يعرفون الغابة جيدا, فقد وضعوا فى حسبانهم الاحتمالات المتعددة لنجاحهم فى القبض عليه ولو بعد حين. وفى اللحظة التى شاهدوا فيها الغبار يتصاعد عاليا جدا, تيقنوا من انه مازال يقاوم الالم ويجرى مبتعدا عنهم. واصبح الغبار يرسم لوحة مثيرة وغريبة على اشعة القمر. واصبحت ملامح اللوحة تزداد وضوحا ودقة وكثرت فيها التفاصيل. واصبح بعضهم يتحدث بما رأى. فالبعض قال بانه رأى فى اللوحة صورة ثعبان احمر, والبعض الاخر قال انه شاهد صورة شجرة السنط ذات السكاكين الحادة التى تبرز من اغصانها. واحس البعض بالرعب لما كبرت الصورة ودبت فيها الحركة وسمعت اصوات الانين الواضحة والصراخ والجلبة التى تنبعث منها واصوات الرعد. لكنهم مضوا خلفها وكلهم امل فى ان تكون مرشدا يدلهم على مسار الضبع. وتوغلوا معا داخل الغابة. وفى جوف الغابة سمعوا اصواتا صاخبة ومرعبة. وسمعوا صراخ الضبع واستغاثته. لكن الصورة ظلت تتحرك معه اينما ذهب.
ولما طالت المطاردة بدون ان تحرز نتيجة واضحة, قرروا الرجوع. واقتنع اغلبهم بان هذه هى نهايته. وهو لن يجد من يخلصه من الشرك المعلق فى رجله. واصبح مصيره معلقا بصديق مخادع ياتيه من حيث لا يحتسب. والان اصبح مصيره محكوم بقوانين مختلفة عن قوانين القرية, وهى لا تترك المجرم يفلت. وهو كذلك لا يقدر على الافلات من مطاردة الحيوانات الاخرى. واذا قبض وقدم لمحاكمة فسيجد من يشهد ضده من اهل القرية او اعداءه او اعوانه السابقين الحاقدين عليه. وهم كانوا يلومونه بانه اصبح معتديا عنيدا ومكابرا ومتغطرسا ومسكونا بشهوة القتل والتخريب. وهو عندما اختار الطريق الذى سلكه, كان ذلك خيار اليائس الاحمق لا الشجاع. واذا الفاه رفاقه فسيقبضون عليه وسيقدمونه للمحكمة. فهو قد لطخ سمعتهم وسبب لهم العار والخسائر الجسيمة التى لحقت بهم. والاثام التى ارتكبها فى حق الاخرين من تخريب وظلم واهانة وبطش بالضحايا, كلها جرائم توجب القصاص. اما اذا حاكمه زملاؤه فسيشرب من نفس الكأس التى سقاها للاخرين, وهو يعلم بان مذاقها اكثر مرارة من طعم الحنظل
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1642

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1229428 [ابوناجى]
0.00/5 (0 صوت)

03-18-2015 09:43 AM
يا حبيب بوظت القصة بالتفصيل الممل والتطويل الخرافي،،، كلام مكرر وحشو ماليه أي داعي، هذه القصة كان يمكنك أن تختصرها في ربع هذا الحكي وكان بتكون متماسكة وتشد كثير من القراء لقراءتها لكنك للأسف أصبتها في مقتل،، أرجو أن تتدارك هذه الملاحظة في المرات القادمة وبالتوفيق ان شاء الله.

[ابوناجى]

#1229128 [الأزهري]
0.00/5 (0 صوت)

03-17-2015 07:20 PM
مقلقا؟! يعني مثيرا للقلق- معليش من هنا توقفت عن المتابعة لبعد البين بين القاف والغين في الكيبورد ولابد أن حروف الكلمة مقصودة لظن الكاتب بأن كلمة مغلق تكتب هكذا مقلق. إن القصص القصيرة بجانب أنها مقصود منها العبرة وحمل الرسائل الأخلاقية إلى جانب مهم آخر ألا وهو الناحية الإنشائية بما تحويه من تعليم رسم الكلمات واستخدامها في سياقات إنشائية مختلفة بحسب المعاني المراد إيصالها وتفيدها الكلمة. عليه فإن كُتَّاب القصة القصيرة هم أناس أصحاب خبرات حياتية ولغوية يُعلِّمون النشء اللغة العربية إلى جانب القيم الأخلاقية التي تحملها القصة القصيرة والتي عادة ما تختار منها مقاطع الإملاء التي تستخدم في تعليم اللغة العربية.

[الأزهري]

محمد مهاجر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة