المقالات
منوعات
الظاهرة الجنائية
الظاهرة الجنائية
03-17-2015 10:14 PM


ما الذي ينقل السلوك إلى دائرة التجريم ؟، مالذي يدفع بالمشرع إلى اعتبار سلوك ما جريمة ؟ هناك نظرية تقسم الجريمة إلى جريمة قانونية وجريمة طبيعية natural crime ولكن هذا التقسيم لا يعيننا كثيرا في تحديد جانب التجريم في الجرائم الطبيعية مثل السرقة والقتل والضرب ؛ هل هو الاستهجان الإجتماعي ؟ أم رغبة قوة سلطوية في الدفع بسلوك ما نحو التجريم ؟. وبصيغة أبسط مالذي يجعل من القتل جريمة معاقبا عليها قانونا؟ في حين أن عدم رد الدين تصرف مدني لا يجيز العقاب الجنائي؟ ومالذي يجعل خيانة الأمانة جريمة ؟ هل هو قرار فردي يتخذه القائمون على التشريع؟ يمكننا أن نرد التجريم إلى تحول سلوك ما إلى ظاهرة اجتماعية ولكن هذا القول مردود عليه بأن هناك ظواهر إجتماعية كثيرة لا تعتبر جريمة ؛ فهجران الأب لزوجته وأولاده لا يعد جريمة رغم أنه قد يكون ظاهرة اجتماعية . وهناك أيضا تبرير عبر نظرية الاستهجان الاجتماعي social disapproval ؛ فكل ما يترتب عليه استهجان اجتماعي يعد جريمة .
ومع ذلك فهذه النظرية لا تصلح لتجريم أفعال كثيرة رغم أنها تحاصر باستهجان اجتماعي مثل الطلاق فهو محل استهجان اجتماعي وخلف الوعد والكذب ولكن كل هذا غير مجرم ، وهناك نظرية العدوان على المجتمع ؛ فمتى كان الفعل عدوانا على المجتمع وجب تجريمه . ولكن هذه النظرية لا تحدد لنا سقف هذا العدوان ولا معاييره فقد يكون سلوك ما عدوانا على المجتمع ومع ذلك لا يجرم كالتسول أو لا يكون عدوانا على المجتمع ومع ذلك يجرم لكونه فقط يمس السلطة الحاكمة كما لو كانت دكتاتورية أو ملكية . وهناك من قد يعتقد في أن الظاهرة السلوكية تكون عدوانا على المجتمع إذا خالفت الأعراف والتقاليد . ولكن هذا التبرير محل انتقاد ﻷنه لم يحدد لنا ماهي الأعراف والتقاليد بانتهاكها يعد السلوك جريمة فمثلا قد يكون السلام على الجماعة من الأعراف والتقاليد ومع ذلك لا يعد عدم التسليم جريمة فماهي درجة العرف والتقاليد التي تحول انتهاكها إلى جريمة؟ بالإضافة إلى ذلك فماهو الحل عندما تتعارض الأعراف والتقاليد وتتنوع داخل الدولة الواحدة؟
من المعروف أن القانون هو تنظيم للسلوك الكائن بما يجب أن يكون ، يعمل القانون على مراعاة أشياء كثير حتى يتماسك المجتمع كالأعراف والتقاليد والدين واللغة وسائر المكونات الثقافية . إلا أن مهمة القانون الجنائي تظل هي الأكثر صعوبة في تحويل سلوك ما من مجرد ظاهرة مستهجنة إلى جريمة معاقب عليها ، خاصة مع جسامة هذه العقوبات كالسجن والاعدام.
مثلا: يعاقب القانون الجنائي على جريمة القتل والضرب في السودان ومع ذلك فلو طبقنا هذا القانون بحذافيره ﻷنتهكنا ثقافات صغيرة أيما انتهاك. فمثلا نجد أن قبيلة مثل قبيلة الشلك تقوم فيها زوجات زعيم القبيلة بضربه عند الاحتضار ضربا مبرحا حتى الموت. وكذلك نجد عند قبيلة الجعليين ثقافة الجلد في أفراح الزواج وقد يترتب على هذا الجلد ضرر جسدي وربما حتى الموت ؛ وكذلك الحال بالنسبة لبعض القبائل التي لا تتزوج زواجا طبيعيا بل عبر خطف الأنثى من أهلها فأيهما نغلب؟تطبيق القانون تطبيقا مجردا فننتهك هذه الثقافات أم نمتنع عن تطبيقه جزئيا فنهدر هيبة القانون فيما تبقى منه؟
فكيف لنا إذن أن نجرم سلوكا ما ونحوله من سلوك معاش إلى سلوك محظور؟
نقدم هنا نظرية واحدة وهي نظرية السلطة أو الإمبريالية الجنائية فبريطانيا مثلا جرمت بعض السلوكيات التي كانت سائدة في الهند كسلوكيات مقبولة اجتماعيا ثم أنها بعد التجريم أصبحت مستهجنة ، وكذلك الحال بالنسبة إلى الأديان التي جرمت أنشطة لم تكن مجرمة وأيضا الآيدولوجيات كالشيوعية والاشتراكية والأنظمة الدكتاتورية وغيرها . فكل من يصل إلى السلطة يقوم بتحديد ما يعد جريمة من السلوكيات وذلك بحسب طبيعة هذا النظام .
أمل الكردفاني
17مارس2015

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 961

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أمل الكردفاني
أمل الكردفاني

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة