المقالات
منوعات
من ( سيرة الجنون) الى بهنس
من ( سيرة الجنون) الى بهنس
03-17-2015 10:17 PM

حين التقيتها بعد عشرات السنين كانت تعانى الانطفاء.. كنت اقول لها بانها تحتاج الى مطافىء لتقلل من نيرانها ولهيب عشقها للحياة.. جمعتنى بها الكتابة والهموم الانسانية وبين بلادنا الام بحار وغابات وشجون.. من باهيا.. قرية صغيرة فى البرازيل لنتلقى فى فيينا ذات قهوة... قالت لى بمرح ساقرأ لك الفنجان.. اعزمك قهوة.. ذكرت لى بان حترب القهوة اسر لها بانى سابكى كثيرا فى الاول ولكنى سوف اضحك وافرح كثيرا فى النهاية وذلك فى العام 2015. وبين البكاء والفرح ستمر عواصف لم تعرفها البشرية... ضحكنا يومها كثيرا وكنا نتشارك سمنارا عن دور الفنون فى ترسيخ ثقافة السلام...قلت لها اسحبى لى السنين فى فنجانك هذا فالعام 2015 بعيد.. بعيد جدا.
ستضحكين وتفرحين يا اشراكة.. القاف التى حولتها الى كاف مثل جدى الذى حين يصلى تصلى معه حروف القلقة والغنه.
حين التقيتها ماريا.. اسميها ماريا كانت فى اوج الانطفاء.. وكانت تردد جملة واحده مازالت ترن فى اذنى حتى صارت طبله سيرة لرجل عبر حياتها..( انت يا تموتى او تدخلى مستشفى المجانين) .. كانت تردد هذه الجملة حتى ماتت وقلبها سر للكتابة والاحلام والتغيير.

وشاءت ظروف عملى ان التقي اخرى واتابع حالتها فى مستشفى فاغنر القريب من بيتى.. هناك تجولت معها تحت الاشجار، الاشجار التى تعرف من اسرار سكان هذا المكان مالم يعرفه بشر.. البشر المهتم بالمدون فى اجهزة العولمة ولكن المدون فى عينى مانويلا.. اسميها مانويلا, باعها ابوها الى رجل ليتاجر بجسدها.. حكت لى عن رجال عبروها.. تذكرت امرأة فى بلدى البعيد تلك التى على جسدها يطفىء كل ليل رجال اشواقهم للخبز والحرية.. للحياة التى يتشهى فيها اثنان فقط.. اثنان لاثالث لهما سوى الحب والوفاء... كل ليل يقفون فى صفوف كصفوف الخبز ايام الانقلابات والديكتاتوريات وحتى انتفاضة السكر اياها التى شحنت عيونى بسيرة الغاز المسيل للطاقات. مانويلا حكت لى عن جواد.. وطلبت منى ذات يوم ماطر ان اقرأ لها قصيدو لمظفر النواب.
هل تستمرين فى ذات العمل بعد خروجك قريبا من هنا؟ سألتها عن خطتها..
لم اتعامل ابدا معها باعتبار التقرير الطبى بانها تعانى من انفلات فى عقلها..
لا.. اريد ان اجد مكانا يأوينى حتى اقف رغم انكساراتى..ردت بامل وفى عينيها بريق.
لكن مانويلا ظلت طوبلا هناك..
زرتها بضعة مرات قبل ان تأخذها الغيبوبة الكاملة..
مسكت يدى.. فتحت عينيها بنصف ابتسامة.. ودخلت مرة اخرى الى قوقعتها الآمنه..
مسحت على شعرها الاشقر كما كانت ضفائرى الافريقية تستهويها لتسألنى مئات الاسئلة عن افريقيا.. افريقيا القرية الصغيرة فى مخيلتها. كانت تسألنى عن مريم وعن قصة فلتان عقلها حسب تقرير الفكى..

ومريم الاخرى ايضا جميلة.. البنيه وعينيها فى وساعة الحزن الكونى...اسميها مريم.. فى غرفه لايوجد فيها سوى نواحها وعويلها وآثار صوت على ظهرها وشيطان قابع فى ذاكرة المكان... كان المكان انقلاب على كل شىء حين سافرت الى هناك.. زرتها.. لم تكن مغامرة ولكن فئران القلق الحياتى الذى تسكننى قبل ان تلد الارض قلقها.... هناك. من لورى الى بحر الى رهاب.. هناك برقت عينيها بامل وهناك قلت للشيطان تعال... سألته من كتبها؟ من كتبنى؟ قال لى الانسان. رأيت جسدها المبحوح بالبكاء واثار السياط والدم الناشف. رأيتها مكنوشة الشعر والمكان كأنه تحت الارض فى مخليتى قبل ان اعرف ان تحت الارض هنا عوالم وحيوات. كنت فى ذلك المسيد اراهم (مجنزرين) ومنكسين الرأس. رأيت الشجر الرهاب يبكى. رأيت الشيخ الطيب يبتسم. كيف لى ان اخرج هذه الصبيه التى من لحمى ودمى؟ لحمة الانسان ودم اشواقه لحياة بسيطة ومعافاة.
تذكرت كل ذلك فى الصباح الباكر فى طريقى الى الجامعة. رأيته الافريقى الذى يفر الناس من ملابسه المتسخة يحمل شنطة بها بعض الكتب وجهاز راديو قديم. نزلت من الترام سلمت عليه و رد التحيه بابتسامه. قلت له زمن طويل ولم اراك؟ الى اين ذهبت بتفاصيل وجعك واحلامى؟ سبق لى ان اقتسمت معه سندوتش ولكن قبل ذلك رائحة النشارة التى كان يتغطى بها ذلك الصبى الذى قالوا عنه مجنون.
كل ذلك كان يفور فى مغلاة الذاكرة وكنت هناك.. كنت هنا... بين بين لم اكن... فاما هناك او هنا.. والبين هو ملح الانسان. وانا اكتب رأيته يدخل حيث يكسر هذا السكون نقرات الكيبورد الذى به اكتب ووقع اقدامه. فى قرية بريطانية كنت التقيه, هادئا واسودا كهوية سياسية. وكنت حينها فى اوج حزنى وكنت كل يوم فى طريق عودتى من المكتبة اسير مسافات طويلة لالتقط ما انكسر من مرمر قلبى وامنح السماء بعضا من ماء روحى لتمطر رحمة بغسل الملح من وجهى.. كسر اعصان قلبى الغضة نجم سقط وانطفأ... ولم تنطفىء اسئلة الصبية التى تسكننى. على باب المكتبة نظرت فى عينيه وابتسمت الابتسامة كانت تحيتنا وحبات فول مدمس made in USA اقتسمنا فيه حكاية افقارنا. يكون فى المكتبه طيلة اليوم ولايتصفح كتابا. ينظر ويسافر فقط فى داخلى. كان مرآتى التى ارى فيها اعوجاجى.. ارى فيها محاولاتى لاتسق مع ظلى... من قال انه مجنونا؟؟؟

مثل امرأة التقيها مرات فى مرآة كونية يراها الكل مزعجه بصراخها المستمر لاترمى تحيتها الا لىّ تماما مثل (بت هيرون) فى كوستى كانت لاترمى سلامها هاشا الاّ لامى... منذ طفولتى
الاولى كان بى ولعا لاعرف مافى قطيتها التى فيها اسرار الدنيا والعالمين وقصتها التى لايعرفها احد. بنتها وحدها فى خرابه يقال ان الشياطين تسكنها واقسمت جارتنا انها رأت ابقارا تخرج نيرانا من فمها وهى تنبح وشاهدت تلك الساحرة الجميلة التى تشبه بشرتها اللبن وطبعا شعرها طويل واسود كالليل.
كل هذا اسرنى، كل هذا بقى صاحيا فى ذاكرتى ولم تغبره السنين التى مرت بل كل السنوات التى تلتها وستليها ستزيل اى غبار طالها

المرأة التى تشبه اسم سيمونا تحيينى كلما التقينا وتستمر فى محادثته. رأيته واقفا ذات سفر طويل نحو ذاتى التى قالت لى: لاتركضى فلن تنالى سوى المكتوب اكده حجر مرمى على قارعة الطريق صادف قدمى بالم ولكن الاشارة بينه: لاتركضى وهل ركضت سوى نحو الاحلام؟ كانت تحكى اسرارا شجية، كانت تضحك وتبكى مرة وتبتسم مرات، كانت تفتح يديها وكنت اراه يعانقها تهدأ ثورتها وتستكين ثم تركض نحو الترام.. سمعها الجميع تقول: لاتتأخر سوف انتظرك اليوم لنرقص.. ووحدى وهى سمعناه يضحك كصبى سيجرب الحب فى الليلة الموعودة لاول مرة على ضوء شموعها التى تضئيها كل ليل... شمعة منتصبة مثل احلام بهنس فى كل مرة اراه واقفا.. بجسمه المنحول.. بروحه الشفيفة.. بالضوء الذى رسم به لوحاته.. بصوته العذب.. رافقته فى كل شوارع فيينا فى الوقت الذى ظن فيه الكثيرون انه مات.. حكى لى.. وحكيت له سر الاكتئاب وقصص الدنيا العجيبة والاحباطات والخذلان والانكسارات... حكى لى كيف كان يتجنونه وكيف يرمون عليه (الجنون).. قال لى عن اليأس.. اعرفه حين يطرق الباب وينتصر على وانتصر عليه فى لعبة شطرنج الحياة... سيبكونك كثيرا حين ترحل الى ضفة ارحم كثيرا من شظف القلوب والمحبة...سيكتبون ويندبون ثم ينسونك.. كدت اقول له ولكنى حكيت له عن الشاب النحيل كقصب السكر، الشاب الذى اسميه توماس.. ضحكنا بهنس وانا وكنت فعلا اشتهى ان امضع كل هذه العذابات فى (عنكوليبة مُره)... سمعتهم يقولون ان توماس صار يدمن الكحول والمخدرات وكنت كل صباح اشجية بسيرة الطاقات وانفث فيه من ريحها. مرات يكون هادئا وعلى وجه كل الحزن و مرات يكون عنيفا فاتجنبه.. العنف يؤذينى.. واكثرها مرارة عنف الكلمة.
مرّ زمن طويل ولم اراه، افتقدته و كنتُ احس بانه الوخيد الذى يفهمنى، كنت احس ان فيه سر ما..
يوم سألت جارتى فى الحلة البعيدة عن صحتها واحوالها قبل ان تحكى لى مايدور، فهى سيدة طيبه ولا يقف لونى بينى وبينها الا بالفضاءات وشعرى المضفور الا برفض التمييز. كانت راديو متحرك تعرف كل شىء يدور فى الحى وتضيف عليه من خيالاتا الخصبه مثل تلك الداية التى احب حكاياتها دون ان توشى بالاسماء.
قالت لى ان توماس وجد مقتولا. الدم تناثر على لوحاته.. كان يرسم.. كان يكتب.. يكتب قصص احلامه بحياة غير التى نحن فيها.. حياة لا يصنعها السيستم تناثرت رسائله الى امه وحبيبته كما تناثر ده على لوحاته وكدت اسألها ان كانت هناك رسالة لىّ ولو عليها آثار دمه ولكنى تراجعت فى آخر ارتعاشة الم فى فمى وتركت دمعة تنساب رحلتها نحوى.. نحو حرية ان تبكى ولايسألك احد عن سر هذه الدمعات المالحة فى عذوبتها وعذابها.

_______________________________

فيينا- ذات تأملات فى اسرار النفس البشرية.


[email protected]



تعليقات 8 | إهداء 1 | زيارات 2107

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1230626 [هجو نصر]
0.00/5 (0 صوت)

03-19-2015 04:36 PM
يقولون في بلادكم تلك او التي اصبحت لافرق : قل نفسك او ما بنفسك وقد فعلتِها فجاءت كتابتك صادقة جنيلة .الي الامام يا بنتي بارك الله لك

[هجو نصر]

#1230138 [عشم باكر]
0.00/5 (0 صوت)

03-19-2015 07:40 AM
يا سلااااااااام .. كلما قرات لك ازددت اقتناعا انك من عالم اخر لفه النسيان بسبب تورم الحالة البشيرية المؤتمر اخوانجية التكفيرية .. دمت ذخرا للوطن يا مجيدة .. سؤال .. الى متى نظل نبكي اشياءنا الجميلة التي سرقت من بين ايدينا سرا ؟

[عشم باكر]

#1229589 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

03-18-2015 12:29 PM
شكرا يا دكتورة من نار الشوق ونار الغربة واحزاننا التي لا تنتهي كما الافق والمدي المتطاول علي اجسادنا النحيله وعقولنا وقلوبنا الممدودة كشبق لا يعرف النهاية ولا يتلهي عن عنفوانه باحاديث علي قارعة الطريق وروح بهنس التي تسكننا صحاري واطلال باليةبلاء اجسامنا اورواحنا النديمه التي تصطلي ودمنا يغلي رغم كل ذلك مات بهنس كما يموت وطنه ومواطنوه بدم بارد لكنه موت بطئ جعلنا نزهق علي الطرقات لا تقبلنا كلاجئين شكرا لك علي هذا التداعي الانيق مع تحيات ابني مختار الذي زارك مرة هناك ولا زلت في حاطره مطرا للالوان !!!

[سيف الدين خواجة]

#1229411 [ابوناجى]
0.00/5 (0 صوت)

03-18-2015 09:27 AM
وانا معك سافرت الى ضفاف الأمازون وغاباته الكثيفة وطيور شتى بجمال الريش فيها تتحلق فوق عشرات من القرى تماثل باهيا وتشارك فتياتها رقصة السامبا بفرد اجنحتها في فضاءات البعاد، وحين عرجت الى مرافيء الدانوب وأزقة فيينا كان توماس متكيا يمازج لوحاته بألوان زاهية وفضوليون يتحلقون حوله وقد صعقهم منظر الجمال الذي بين يديه ولم يصعقهم منظر حاله البئيس فيمنحونه شيئا ثمنا لوجبة غداء في المطعم المجاور أو ثمنا لبنطال يغير به ذاك الذئ يرتديه كل يوم وهو ممزق حد الركب من كثرة ما إنحنى عليه برسوماته الزاهية،، تماما شدني حاله وسافرت بخيالي لأعانق بهنس وهو يتكوم أرصفة القاهرة ومن حوله من يعرفونه يهربون منه ولا يبادلونه تحية الشراكة في وطن جميعهم هربوا منه الى الشتات،، وسافرت الى المجهول فأكتشفت أن باهيا لم ولن تعود اليها قارئة فنجانك في قهاوي فيينا وفقدنا توماس وبهنس وبكينا على الموات الذي لم نشهد له حضور،، رحيلا كانا يعدان له بموسيقاهما ولوحاتهما التي بقيت لتشهد على تلك الحياة لبني الإنسان الذي كان يوما بالمكان.............!!! سرحتي بخيالك لترسمي لوحة فنية رائعة الجمال وجعلتني اسرح مع براحات قلمك الرصين،،، انت مدهشة بحق تحياتي

[ابوناجى]

#1229405 [ameen]
0.00/5 (0 صوت)

03-18-2015 09:20 AM
قمة الروعة يا اشراقةبرافو عليك

[ameen]

#1229264 [ود البقعة]
0.00/5 (0 صوت)

03-18-2015 03:53 AM
لقد ابدعتي كعادتك يا اديبتنا الغالية ، وماشاء الله كل مرة نقرأ لك نزداد شغفا في كتاباتك الثرة . لك التحية ايتها الاديبة الرائعة ، وليتعلم منك اشباه المثقفين كيف يصير القلم دربا مضيئا في ظلام الجهل المعرفي لاشباه الكتاب لدينا.

[ود البقعة]

#1229250 [زول متغرب و متعذب]
0.00/5 (0 صوت)

03-18-2015 01:08 AM
يااااااه

ذات مرة بالصدفه وجدت انسانة شفيفة الروح خفيفة الظل

شكرا جميلا دكتورة

[زول متغرب و متعذب]

#1229219 [ابوعبدالله]
0.00/5 (0 صوت)

03-17-2015 11:21 PM
الطيب صالح2

[ابوعبدالله]

د. إشراقة مصطفى حامد
 د. إشراقة مصطفى حامد

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة