المقالات
السياسة
الشرق الأقصى: ارتفاع معدل حرارة الحرب الباردة
الشرق الأقصى: ارتفاع معدل حرارة الحرب الباردة
03-18-2015 08:52 AM


أصدرت الصين في نوفمبر من عام 2013 إعلاناً حول "قواعد تمييز هوية الطائرات بمنطقة بحر الصين الشرقي لأغراض الدفاع الجوي" يفرض على الطائرات التى تعبر المنطقة أن تعلن لوزارة الخارجية الصينية عن هويتها وتفاصيل الرحلة التي تقوم بها. ومع أن الأمر متعارف عليه كممارسة في السياسة الدولية إلا أن بعض الدول ذات المصالح في المنطقة مثل اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية قابلت الإعلان بالكثير من الامتعاض باعتباره تغولاً لا ضرورة له على المياه الإقليمية لعدد من دول الجوار وتعقيداً لحركة الطيران في المنطقة. وفي الخامس من مارس الحالي حملت صحيفة "النيويورك تايمز" مقالاً نقلت فيه عن بعض الطيارين الحربيين في القاعدة العسكرية بمدينة "ناها" عاصمة جزيرة أوكيناوا اليابانية أنهم يقومون بصفة يومية تقريباً بطلعات داخل المياه الإقليمية اليابانية يرصدون خلالها طلعات طائرات الاستطلاع الصينية التي تكاد أن تلامس خلال تحليقها تحلق الحدود بين البلدين. وفي الثاني عشر من ذات الشهر حملت صحيفة "جابان تايمز" تقريراً إخبارياً أشارت فيه إلى أن الحكومة اليابانية تسعى حالياً لتنشيط بنود التحالف الذي يربطها مع كل من الفلبين وفيتنام في مواجهة الضغوط الهائلة على الدولتين من جانب الصين التي. تمثل هذه التطورات أحدث مؤشرات التوتر الذي يسود منطقة بحر الصين الجنوبي وغرب المحيط الهادي بسبب تردي العلاقات بين الصين وعدد من جيرانها.
يأتي كل ذلك على خلفية التحركات الصينية مؤخراً نحو تأكيد أحقيتها في منطقة بحر الصين بما تشمله من خلجان وممرات مائية وثروات طبيعية. كانت الحكومة الصينية قد أرسلت في مايو 2009 مذكرة للأمم المتحدة المتحدة تؤكد فيها حقها التاريخي بالمنطقة ، وقامت عندئذ بتحديد عدد من النقاط البحرية تقول المصادر إنها بلغت ما بين تسعة إلى أحد عشر نقطة ترى الصين أنها تمثل تاريخياً حدود مياهها الاقليمية. ولأن هذه النقاط تتقاطع مع المياه الإقليمية لعدد من الدول الواقعة في جنوب شرق آسيا ، فقد كانت سبباً في توتر العلاقات بين الصين وعدد من هذه الدول. ولعل شروع الحكومة الصينية في إنشاء مرسى صناعي بالقرب من جزر سبارتلي التابعة لولاية بالاوان بالفلبين يعكس مدى إصرار بكين على تأكيد أحقيتها في المنطقة. ولا يخفى على المتابع بالطبع الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة ، ففضلاً عن الثروات السمكية والمعدنية التي تذخر بها فإن حوالي 30% من حركة التجارة العالمية تمر عبر مضايق وخلجان بحر الصين الجنوبي ، ويتوقع أن ترتفع هذه النسبة مع الزيادة الواضحة في معدلات النمو الاقتصادي لمعظم الدول بالمنطقة.
من الطبيعي أن ترفض الدول التي تطل على شواطئ بحر الصين الجنوبي هذا الموقف من جانب الحكومة الصينية ، وتعرب عن رغبتها سواء أن كان ذلك بصورة منفردة أو عن طريق تشكيل بعض الأحلاف لمقاومة المحاولات الصينية لفرض هيمنة بكين على المنطقة. قادت التطورات التي أشرنا لها إلى وقوع نوع من سباق التسلح بين دول المنطقة عندما سعت كل منها نحو دعم أسطولها البحري في مواجهة الصين ، فعلى سبيل المثال تورد الانباء أن فيتنام تسلمت مؤخراً الغواصة الروسية الثالثة ضمن صفقة قدرت قيمتها بحوالي 2 بليون دولار تزود روسيا بمقتضاها فيتنام بست غواصات حديثة ، كما سعت كل من الفلبين وماليزيا إلى تحديث أسطوليهما البحريين بالتعاون مع الولايات المتحدة. ولعل من أكثر ما يثير اهتمام المراقبين ما تشهده المنطقة من السعي نحو تقوية الأحلاف القديمة مثل التحالف الفلبيني الأمريكي ، ومحاولة خلق أخرى جديدة لم تكن تخطر على بال قبل سنوات قليلة مثل التحالف الفيتنامي الفلبيني الذي يجد دعماً واضحاً من جانب الهند. لم يكن بمقدور اليابان التي تعتبر من أكبر القوى في المنطقة أن تنأى بنفسها عن هذه التطورات المتلاحقة.
ولعل مما يثير الاهتمام أن اليابان تشهد هي الأخرى تطورات مهمة ستنعكس دون أدنى شك على ما يجري في المنطقة من أحداث متلاحقة. يسود الساحة اليابانية جدل واسع حول احتمالات عودة الروح العسكرية التي يعتقد أنها كانت سبباً وراء مشاركة البلاد في الحرب العالمية الثانية مما جر عليها الكثير من المشاكل. يبدي الكثير من المراقبين تخوفهم من الاتجاه نحو التشدد في السياسات الدفاعية التي يتبعها رئيس الوزراء شنزو آبي بما قد يؤدي لأن تنحرف اليابان عن سياستها السلمية التي ظلت تتبناها الحكومات المتعاقبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويشير هؤلاء إلى موقف رئيس الوزراء الساعي نحو إعادة تفسير الفقرة التاسعة من الدستور الياباني التي تحرم أي عمليات للقوات اليابانية خارج حدود البلاد ، وهو الشرط الذي فرضه الحلفاء على اليابان بسبب مشاركتها إلى جانب الطرف الخاسر في الحرب العالمية الثانية. ولأن الفقرة التاسعة من الدستور الياباني أضحت كالعجل المقدس ، فقد سعت الحكومات المتعاقبة في طوكيو نحو التحايل على هذا الوضع بالسعي نحو إعادة تفسير هذه الفقرة بالصورة التي تتيح لها هامشاً من المناورة دون الانزلاق في بؤرة العداء مع جيرانها. ولعل ما يقوم به رئيس الوزراء الحالي شنزو آبي لايختلف كثيراً عما جرى في السابق ، إلا أن تطورات الأوضاع في المنطقة تكسبه بعداً مثراً للقلق. وعاد ما يؤدي الجدل الدائر حول تفسير الفقرة المذكورة من الدستور لانقسام المجتمع الياباني إلى صقور وحمائم ، ويواجه رئيس الوزراء والحزب الليبرالي الديمقراطي حالياً بعض العقبات حتى داخل الحكومة نفسها بسبب موقف حزب "كوميتو" الذي يمثل الطرف الثاني في التحالف الحكومي.
سعد المعتدلون بالدعم القوي الذي وجدوه في تصريحات نسبت مؤخراً لولي العهد الياباني بمناسبة عيد ميلاده الخامس والخمسين وصف فيها تجربة اليابان خلال الحرب العالمية الثانية بأنها "تعيسة" ، مؤكداً ضرورة أن تعمل الأجيال التي عاشت مآسي الحرب على نقل هذه التجربة للأجيال الجديدة حتى لا تتكرر في المستقبل. وتكتسب هذه التصريحات أهمية بالغة إذ أنها من الحالات النادرة في تاريخ اليابان الحديث التي يصرح فيها أحد أفراد العائلة الامبراطورية حول الأمور السياسية. ويذهب بعض المحللين للقول بأن تصريحات ولي العهد تعبر عن موقف القصر حول الجدل الدائر وتمثل لطمة قوية لرئيس الوزراء. وكانت الحكومة الحالية قد اعتمدت استراتيجية دفاعية جديدة أشارت إلى أن تطور التكنولوجيا والمفاهيم الحربية الحديثة تؤكد أن أحداثاً خارج اليابان من الممكن أن تنعكس على الأوضاع الأمنية داخلياً ، وأنه ليس من الحكمة أن تبقى القوات المسلحة اليابانية في مثل هذه الحالات ساكنة حتى يدق الخطر أبواب البلاد. غني عن القول أن هذا التفسير يجد دعماً من جانب الحليف الأمريكي ، كما أن بعض دول جنوب شرق آسيا وبالرغم من تجاربها المريرة مع القوات اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية ترى في السياسية الجديدة دعماً لها في مواجهة العملاق الصيني.
من ناحية أخرى ، فإن العديد من الأحداث الاقليمية والدولية التي وقعت في الآونة الأخيرة تمنح فريق اليمينيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء الحجج التي تجعل توجهاتهم مقبولة لدى قطاع لا يستهان به من جانب أفراد الشعب الياباني. فالصعود المتلاحق في قوة ونفوذ الصين في منطقة المحيط الهادي ، والتحركات الصينية الأخيرة التي تعرضنا لجانب منها في هذا التقرير مع تراجع الدور الأمريكي في المنطقة تكسب موقف المتشددين حجة قوية. كما أن بعض الظروف المحيطة باليابان مع تصاعد موجة العنف والإرهاب على المستوى العالمي تساعد قوى اليمين في سعيها من أجل إعادة النظر في دور القوات المسلحة اليابانية. ولعل مقتل رهينتين يابانيتين في الآونة الأخيرة بواسطة تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) يساعد كثيراً في دعم موقف القوى اليمينية ، وكان رئيس الوزراء آبي قد صرح وقتها بأنه سيسعى من خلال البرلمان لاستصدار قرار يتيح للقوات اليابانية القيام بعمليات خارجية من أجل إنقاذ الرهائن وهو أمر قد يصعب على المعتدلين معارضته في الظروف الحالية. ولاشك أن رئيس الوزراء يعمل للاستفادة من مثل هذه التطورات لدعم موقفه الداعي لإعادة النظر في تفسير الفقرة التاسعة من الدستور بحيث يُسْمَح للقوات اليابانية بالقيام بعمليات عسكرية خارج حدود البلاد.
تقوم اليابان كذلك بمراجعة سياستها في منطقة جنوب شرق آسيا بعد أن وضحت النوايا الصينية بإعلان حدودها البحرية الجديدة. ظلت اليابان تقدم الدعم الأكبر لدول الآسيان ، وقد أعلنت مؤخراً عن دعم يفوق عشرين بليون دولار لهذه الدول خلال السنوات الخمس القادمة ، كما أن هناك حوالي سبعة آلاف شركة يابانية تنشط في المنطقة مما يؤكد الوشائج الاقتصادية القوية التي تربط بين الطرفين. من جهة أخرى ، فقد أعلنت الحكومة اليابانية مؤخراً رغبتها في تقديم الدعم العسكري لهذه الدول لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد ، حيث أنها ستقوم بدعم الأسطول الفلبيني هذا العام بعشر قطع حربية. من جانبها أبدت فيتنام رغبتها في الحصول على دعم ياباني عسكري بالاضافة للدعم الذي تقدمه اليابان الآن في شكل معونات فنية ، وفي أعقاب لقاء ضم وزيري خارجية اليابان والفلبين مؤخراً على هامش مؤتمر الأمم المتحدة لدرء الكوارث أشار وزير الخارجية الياباني لرغبة بلاده في توثيق عرى التعاون بين البلدين في مجال سلامة الملاحة البحرية في الشرق الأقصى. ومما لا شك فيه أن تطوير العلاقات العسكرية بين اليابان ودول جنوب شرق آسيا سيفتح أمام الشركات اليابانية سوقاً جديداً ظلت بعيدة عنه لعشرات السنين.
قد يبدو من الصعب بالرغم مما ذكرنا أعلاه تصور مواجهة عسكرية واسعة بين الصين واليابان بسبب الأوضاع في جنوب شرق آسيا ، غير أنه ليس من المستبعد أن تدفع التطورات هناك العلاقات اليابانية الصينية للمزيد من التوتر خاصة وأن بين البلدين بعض المشاكل الاقليمية المتعلقة بملكية بعض الجزر. ولا يقتصر الأمر على الصين واليابان وحسب فكل دول المنطقة ، بل والعديد من الدول البعيدة نسبياً لها مصالح في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادي. هذا فضلاً عن أن بعض الدول البعيدة نسبياً كالهند تبدي اهتماماً بما يجري هناك سواء بسبب الأهمية الاستراتيجية للمنطقة فيما يتصل بالتجارة العالمية أو خوفاً من تزايد النفوذ الصيني بما ينعكس على علاقاتها مع هذه الدول. ويرى الكثير من المراقبين أن الأشهر القليلة القادمة قد تشهد المزيد من التطورات التي ستنعكس بصورة أو أخرى على نوعية وأشكال التحالف في المنطقة ، وعلى الوضع الدولي بصورة عامة. من الواضح أن المعادلات السياسية والعسكرية التي ظلت تحكم منطقة الشرق الأقصى خلال فترة الحرب الباردة تشهد الآن الكثير من التحولات ، ولا شك أن التوتر الذي يسود بين الصين وعدد من دول المنطقة يؤكد أن الحرب الباردة لم تعد في الحقيقة باردة كما كانت في الماضي مما يثير قلق الكثير من القوى الدولية والإقليمية.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 827

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محجوب الباشا
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة