المقالات
منوعات
عن أمِّــي فى عِيدِها
عن أمِّــي فى عِيدِها
03-21-2015 11:59 PM


اليوم، السبت الموافق الحادى والعشرين من شهرِ مارس هو عيد الأم، فأحيى أمِّى الكريمة العظيمة وكل الأمهات متمنياً لها ولهُنَّ جميعاً الصحة والعافية وراحة البال، وأن يُذهِب عنها وعنهُنَّ جميعاً الهمْ والغم، وأن يعصمها ويعصمهُنَّ جميعاً من كل شرٍ ومكروه، آمين.
التحية لأمى العظيمة فى هذا اليوم وفى كل يوم لأنها أنجبتنى فى ولادتها التاسعة، وما كان لأحدٍ أن يلومها إن لا تلدنى وإكتفت بأبناءها وبناتها الثمانية تقرَّ بهم عينها. لكنها وأبى ولدونى فلهم الشكر والحمد لله رب العالمين الذى وهب أمى وأبى زرية صالحة وأخرج من أصلابهم وأرحامهنَّ أناسِى كثير، يعبدون الله ويفعلون الخيرات ويعمرون الأرض بالخير والحب والنماء.
عندما كنت طفلاً كنت شديد الإرتباط بأمى، ويُقال أنِّى رضعِتُ أربع سنوات ثم تركت الرضاعة من تلقاءِ نفسى، ويقال أنِّى كنت أقول لأمى: لو طالعة مشوار كلمينى أرضع قبل ما تمشى. وحتى إسمى هذا يُعطَى فى ثقافتنا للمواليد الخواتيم وهى تعنى "ود العجوز" ثم تُحرَّف لزوم "التعريب" ولأغراض دخول المدرسة إلى "عبد العزيز"، وحقيقة الإسم عندنا ليس كذلك البتَّة.
قبل عام من دخولى المدرسة جاءت إلى منطقتنا "خزان أورشى" رِتل من شاحنات عسكرية عليها عسكر مدججين بالسلاح وكان اليوم سوق، اعتقلوا مجموعة من الرجال على رأسهم والدى العزيز رحمة الله عليه وذهبوا بهم إلى "كتم" حيث مركز الحكومة وتم حبسهم هناك لما يقارب العام بسبب "برقية" يقال أنهم أرسلوها إلى الخرطوم ينددون فيها بالإنقلاب الذى قاده الرئيس الراحل جعفر نميرى على حكومة منتخبة شرعياً عبر انتخابات حرَّة ونزيهة.
كان عاماً شاقاً على أمِى وعانت فيه كثيراً حيث كان مطلوباً منها القيام ليس بدور الأب والأم معاً ولكن كذلك بدور "آدم إتِّى" شقيقى الذى أصرَّ على الذهاب مع والدى إلى معتقله وإنه لن يترك أبى يذهب وحده إلى المجهول، ولمّا أصرَّ آدم على موقفه تركه العسكر وشأنه فركب بجوار أبى وذهب ومكث معه فى المعتقل عاماً إلا قليلاً، وكان أثر ذلك بالغاً على أمى واخوتى لأنّ آدماً كان العِماد فى رعايه السعِيَّة والإشراف على رعاة الإبل والضأن لتتفرغ أمى لرعاية أبقارها التى كانت بالمئات.
أثناء ذلك العام الشؤم 1970م تقريباً، ولأن أبى كان معارضاً دوماً لأسلوب حكم الإدارة الأهلية، فإستغلوا غيابه فجاء "العسس" وكان يسميهم الناس فى بلدنا بالـ (خفراء) ليأخذوا "الجزية" من مراح ضأننا، فبالغوا فى عزل أكبر الخِراف بما فيهم "فحل المُراح" فما كان من أمَّى إلاّ أن تربصت بذلك الخفير ثم ضربته بعصاها ضربة نجلاء وقع على إثرها الخفير مغشياً عليه وتبللت بزَّته العسكرية بما يخرج من السبيلين. ثم صرخت أمى صرخة داوية مستغيثة بأهلِ بلدها فهبَّ لنجدتها الشباب والشيب من اهل أورشى، بينما أطلق عسس السلطان الخفراء أرجلهم للريح مولّين الدُبُر، تاركين وراءهم ما غنموا من خِرافِ الجزية.
تعلمتُ من أمَّى الجهر بالحق، وأن لا أخاف عندما أكون على الحق، وتعلمت منها كراهية الظلم وأن لا يظلمنى أحد وأسكت عليه، وأن لا يُظلمَ أمامى أحد وأنا موجود. وتعلمت منها أن الحق سينتصر ولو بعد حين. وحاولت أن أتعلّمَ منها الكرم ولكننى فشلت.
في بلدنا لا ننادى امهاتنا بأسمائهن المباشرة أبداً، فمن الأسر من تنادى أمها بإسم مولودها البِكر، أو أن تكتفى بمناداتها بـ "إيِّا" فما كنت أعرف بالتحديد إسم أمى حين انتقلت للعيش مع شقيقى الثانى فى الترتيب بمدنية أردمتا/ الجنينة دار اندوكا إلى أن أتى اليوم الثالث والعشرين من شهر مارس 1976م وطلب منى ناظر مدرستنا "مدرسة أردمتا الإبتدائية بنين" أن أملأ أرنيك الإمتحان للشهادة الإبتدائية التى تؤهل لدخول المرحلة الثانوية العامة، وكان الناظر يملأ الأورنيك بنفسه بينما الطالب يُملِيه الأجوبة على الأسئلة المطلوبة فى الأورنيك، فسألنى الناظر إسم أمى! أنا لا أعرف إسم أمى، فقلت له "أمى إسمها أم دقَّاش" ودقاش هو شقيقي "البِكِر" العُمدة/ محمد دقّاش، فنظر إليىَّ الناظر الأستاذ الجليل/ هارون الرشيد من خلف نظارته بريبة، وقال لى: أم دقاش؟ فقلت له نعم، فسألنى طيب أم دقاش منو؟ فقلت له: أم دقاش بت "أرباب دَلُو" أنا أعرف إسم جدى لأمى من خلال أبناء أخوالى الذين نشأنا سوياً ويربط بيننا حبٌ خرافِى. لاحقاً حدَّثتُ أخى الذى ربَّانى فنظر إلّى ملياً ولم يقل شيئاً، ولاحقاً عرفت أنَّ أمى إسمها: خادم الله، ولم أر حتى اليوم شخصاً يناديها بهذا الإسم، فهى "أم دقاش" أو "دقاس إيَّا" مسبوقاً أمّا بإيِّا أو خالتى أو عمتى أو حبوبة.
فى حوالى العام 1972م انتقلَت أسرتنا ضمن أغلبية أهالى "أورشى" جنوباً عندما ضرب التصحر والجفاف منطقتِنا، وإستقر بهم المقام فى منطقة "كولقى" جنوب غرب الفاشر حيث أسس والدى العزيز وأهله قرية "عَدَارة" وتُعرَف أيضاً بحِلة "فكى عثمان".
حضرتُ إلى تلك القرية لأول مرَّة فى العام 1974م حيث أجْرَى لنا أبى العزيز خِتَاناً جماعياً لكل أولاد الحِلة، وبلغ عددنا حوالى (18) ولد، كما تم ختان عدد من البنات معنا فى نفس المراسم.
شعرتُ خلال تلك الإجارة بالغيرة من أختى الصغرى "سارَّة" وعثمان "سمِى جدو" إبن اخى البِكر لأنهم احتلو المساحات التى كنت أشغلها لدى أمى، فصارت فارغة فملئها هذان. وفكرتُ فى المقاومة لإسترداد نفوذى لكن الإجازة انتهت، وكان علىَّ ان أقفلَ راجعاً إلى الجنينة دار أندوكا.
كنتُ أستغرب أسلوباً عجيبا تقوم به أمِّى، ليس معى وحدى، ولكن مع كل أبنائها وأحفادها، كنا نأتِ من الخرطوم ومناطق أخرى لقضاء الإجازات والعيد معها والأسرة الكريمة فى الفاشر وعَدَارة وطويلة، وإخوتى يتنافسون فى إهداء أمى الهدايا الجميلة والمال، يخطبون ودّها، كنت أستغرب أنها عندما نقضى معها الإجارة ونشرع فى العودة من حيث اتينا، كانت تأتيك فى الصباح الباكر يوم مغادرتك تحمل مبلغاً من المال تدسُّه فى يدك قائلة بكل جدية هذا مصروفك! كما كانت تفعل عندما كنا اطفالاً صِغار، وتأكدت من إخوتى أنهم يحتفظون بذلك المبلغ ولا يصرفونه أبداً.
فى العام 2004م كنت ضمن رحلة مهمة "نهار ومسار" التى تحركت من الخرطوم إلى الفاشر ثم إلى الأراضى المحررة لمقابلة حركة/ جيش تحرير السودان حاملين مبادرة لحل المشكلة والوصول إلى وقف الحرب، وكنت وقتها محامياً وعضواً فى اللجنة المركزية لإتحاد المحامين السودانيين أميناً للفِكر والثقافة، وتلك المبادرة التى قادها حزب الأمة الإصلاح والتجديد هى الأولى من نوعها واهميتها، ولكن حكومة الإنقاذ ما كانت ترغب فى الحل السلمى فكانت متعطشة للحرب بغية حسم ما كانت تسميهم بقُطاع الطرق.
المهم أنَّ أشقائى وشقيقاتى وأبنائهم وبناتهم كانوا يتوجسون خِيفةً مما أنا قادم إليه، وهُمْ مُحِقُون، ويفتحون عيونهم واسعةً وهم يمطروننِى بحِجارةٍ من سِجيلِ الأسئلة فيما أنا قادم إليه، وكانوا يشتكون لأمى العزيزة ويدفعونها ويخوفونها من هذه الرحلة التى يزمعها إبنها العزيز "الحِتالة" المُدلل كما يزعمون.. وانا لم أكن أسكن حينها فى بيتنا، كان الوفد القادم من الخرطوم يسكن قصر الضيافة، وذات يوم حمل لى أحد أفراد الأسرة رسالة شفاهية من أُمِّى مفادها أنها تريد رؤيتى مساء ذاك اليوم فى منزل شقيقتى، فأتيتُ مطمئِناً وقلبى يحدثنى أنَّ أمِّى سوف تحسم الذين يريدون تخويفى من الذهاب إلى ما كنت أبتغى. وفعلاً تحدثَت أمِّى بإيجار وثقة أمام أبنائها واحفادها وأولاد وبنات أعمامنا وأخوالنا المتوجسون، قالت مخاطِبةً إياهم والبسمة تعلو وجهها الملائكى الواثق دوماً، وأنا إلى جوارها ملتصق بها، أشارت إليى وقالت لهم: دا ولد منو؟ قالوا جميعاً ولدِك انتى. فقالت لهم أنا قلت يمشى مع أخوانه لأخوانه الرجال الشرفونا. ثم قالت مخاطبة إياى، قولوا ليهم: "يختو بنادقهم بالجنب، والحكومة توقف تضربهم بالطيارات، ثم تقوم انتخابات، وهم حيفوزوا !!".
حسمت أمى الأمر وذهبْتُ فى تلك القافلة ذات المخاطر الجمّة وعندما عدنا طلبت منى أمِّى أن أصارحها بما حدث لنا فعلاً وما هو رأيي فيما يجرى. فقلت لها يا امى أنا برجع الخرطوم لكن ما بقعد فيها، أنا بجهز نفسى وماشِى الثورة، فإنفرجت أمِّى عن بسمةِ رضا إنشرح لها صدرى، وقالت لى أفعل ما يمليه عليك ضميرك، أمّا أنا فسأدعو لك ما حييت لأنكم على الحق، والله ينصُر المظلوم على الظالم.
ثم جاءت الحركة إلى الخرطوم 2006م فى سلام أبوجا، وكانت أمى تسألنى دوماً إن كان هذا الذى نحن فيه "سلام" يرضيكم؟ وكنت دوماً أشعر بحرجٍ شديد من أسئلتها.
ودارت الأيام فى الخرطوم، لا حرب ولا سلام، وكان أكتوبر/ نوفمبر 2010م هو الفصل الأخير لنا فى مسلسل اللا حرب ولا سلام مع حكومة الوحدة الوطنية. قررت قيادة الحركة الخروج، وتلقيت تعليمات القيادة بضرورة الخروج وضرَبَت لذلك موعداً، فتدبرت أمرى وكان علىَّ أنْ أذهب إلى أمَّى ألتمس منها الإذن والرضا والضوء الأخضر. كان يوم خميس وأنا عازم على مغادرة الخرطوم صبيحة الجمعة، ذهبت إليها فى المساء بعد صلاة المغرب، وبعد السلام و"الونسة" كنت متحرِّجاً جداً كيف أجد المدخل لإخبارها خوفاً عليها من وقع الخبر. وبينما أنا كذلك وحالتى يُرثَى لها، مالت نحوى، وفى صوت خفيض لزوم أهمية سِرِّية الأمر قالت لى: "أنا عرفت أنو (رأسكم) مشى! انت قاعد هنا منتظر شنو ؟ " تقصد بـ "رأسكم" رئيس الحركة.. نزل كلامها علىَّ برداً وسلاماً كأننى كنت أحمِلُ جبل مرَّة فوق رأسى فأنزلته عن كاهلى بسلام، فقلت لها: يا أمى أنا جيتك عشان أقول ليك أنا بكرة مسافر ألحقهم ودايرِك تدينى الإذن وتعفى منى وتدعى لينا زى زمان لغاية ما نجى راجعين.. فإبتسمت تلك الإبتسامة التى تمنحنى الثقة وتعزز ثقتى بنفسى وبقناعاتى. ودّعتُها وخرجت مسرعاً دون أن أقف لدى أختى وأولادها، وغادرت صباح اليوم التالى الجمعة، وأنا وآثق ومطمئن وراضى بما يقسمه الله لى من مصيرٍ وأقدار.
إلى أمى وملهمتى ونور قلبى فى يوم عيدها، عفواً لو فضحت بعض السرّ الذى بيننا، ولكننى وحدى تعتصرنى الوحدة والغربة كالبرتقالة، فعفواً وعذراً معلمتِى ومُلهِمتى وسندى سأفرجُ عن بعض أسرارك لدى.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 498

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد العزيز سام
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة