المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
طلحة جبريل
الجلد والاغتصاب.. ما قبلهما وما بعدهما
الجلد والاغتصاب.. ما قبلهما وما بعدهما
03-05-2011 04:35 PM

الجلد والاغتصاب.. ما قبلهما وما بعدهما

طلحة جبريل

طلحة جبريل: في مايو عام 2009، قال \"رئيس الجمهورية\" خلال لقاء مع الإعلاميين السودانيين في الخارج، إن فترة \"بيوت الأشباح\" لن تعود من جديد. كان ذلك القول مدوياً بجميع المقاييس، ويكتسي أهمية بالغة. كان سيكون قولاً مفصلياً لو تم استثماره في إبانه كما ينبغي.
تمنيت وقتها أن أكون ضمن تلك المجموعة من الإعلاميين الذين سمعوا الحديث وأتيح لهم فرصة التعقيب، وهو ما كان مفترضاً أصلاً لولا ملابسات شرحتها في وقتها حول الأسباب التي جعلت \"اتحاد الصحافيين السودانيين في الولايات المتحدة\" يقاطع ذلك المؤتمر.
ما كنت سأقوله وقتها أوجزه كالتالي:
* الإقرار بممارسة سلبية حدثت أمر إيجابي جداً.
*طالما أن هذا الأمر حدث بالفعل، فإن الخطوة المنطقية كانت تتمثل في فتح تحقيق حول ما جرى.
*حتى نطوي هذه الصفحة المؤلمة في تاريخنا السياسي علينا القبول بمبدأ \"التحقيق لإظهار الحقيقة\".
*على ضوء ما سبق، فإن لجنة \"للحقيقة والإنصاف والمصالحة\" على غرار ما حدث في جنوب أفريقيا والمغرب تصبح هي الحل.
*هذه اللجنة يفترض أن تتقصى كل ما حدث وتنشر الحقائق كاملة، وبعد ذلك تعتذر الدولة، وتعمل على جبر الضرر مادياً ومعنوياً لأولئك الذين نالهم الأذى والغبن، مع استبعاد روح الانتقام والتشفي، ووضع ضمانات واضحة وكافية حتى لا يتكرر ما حدث في \"بيوت الأشباح\" أو في غيرها.
المؤكد أن تصريحات \"رئيس الجمهورية\" أتاحت في ذلك الوقت فرصة نادرة غير مسبوقة، من أجل فتح هذا الملف، لكن للأسف لم يلتقط الزملاء الذين حضروا وسمعوا الحديث الفرصة، ومر الأمر كما تمر أشياء كثيرة في حياتنا السياسية.
سمعت يومها من يقول \"لم نعقب لأننا لا نعترف أصلاً بشرعية النظام\" وهذا قول مردود عليه. لأن الدعوة إلى تشكيل \" لجنة تحقيق\" نزيهة حول حقيقة ما جرى في \"بيوت الأشباح\" لن تمنح للنظام شرعية يبحث عنها، أو تسلبه شرعية يملكها.
كان ذلك في الماضي، ومرت الأمور كما قدر لها أن تمر،
الآن لنعود إلى الحاضر.
هناك قضيتان تتطلبان بكل وضوح تشكيل لجنتي تحقيق، وهذا أقل ما يمكن القيام به، وليس إطلاق تصريحات النفي تارة، أو التهديد تارة أخرى. القادة لا يهددون شعوبهم، بل يستمعون إليهم.
هناك قضية ربما يعتقد كثيرون أنها تقادمت، لكن قضايا خروقات حقوق الإنسان،لا تتقادم أو تسقط. أعني قضية الفتاة التي تعرضت إلى عقوبة جلد وصلت حد التعذيب، بل كان تعذيباً حقيقياً على أساس أنها ارتكبت ما يبرر عقوبة الجلد، وحتى الآن وعلى الرغم من كل الذي كتب وقيل ونشر وبث، لم نعرف الحقيقة، حقيقة ما جرى ولماذا جرى، وكيف جرى.
دعوني أسبح ضد كل التيارات متحملاً وحدي مسؤولية هذه السباحة، وسأفترض أن الذين كانوا مع العقوبة \"على حق\" وأن الذين كانوا \"ضد العقوبة\" على حق، تبعاً لذلك ألا يدعو الأمر إلى تشكيل لجنة تحقيق محايدة ونزيهة للتحقيق في الواقعة، وبعد ذلك نقول أين \"الخطأ\" وأين \"الصواب\"، أين \"الحق\" وأين \" الباطل\"؟؟ أليست هذه هي أبسط شروط العدالة؟ عدالة من أجل الحكام والمحكومين.
هناك خرق واضح في واقعة \"جلد فتاة الفيديو\" لأبسط حقوق الإنسان؛ لأن الجلد الذي شاهدناه كان يشكل إذلالاً لتلك الفتاة، ويتعارض مع المرجعية القانونية التي قيل إنها اعتمدت. لنفترض أن هذا الرأي خاطئ ومتحامل بل هو جزء من \"مؤامرة\"، ألا يكون مجدياً تشكيل لجنة للتحقيق، بدلاً من تهديد الناس أن يكفوا عن انتقاد ما شاهدوه، وإلا فإن قوانين مماثلة \"لقوانين سبتمبر\" في انتظارهم.
تلك الواقعة لا يمكن أن تسقط من الذاكرة، تماماً كما لم تسقط من الذاكرة قضية إعدام \"مجدي محجوب\" و\"جرجس بسطس\".
القضية الثانية ما تزال طرية في ذاكرة الوطن والناس، وهي قضية الرسامة التشكيلية \"صفية إسحق محمد\".
هذه فتاة قدمت شهادة موثقة صوتاً وصورة، وروت ما قالت إنه حدث لها في أحد مقار الأمن. وكان ما قيل أمراً فظيعاً، والتفاصيل مخزية، لأنه يتعلق بقضية \"اغتصاب تحت التهديد\".
سنفترض أن ما قيل، هو أيضاً من باب الترهات، ومحاولة \"لتشويه النظام من طرف الشيوعيين\" كما قال أحد الدبلوماسيين الذين يمثلونه في عاصمة كبرى، بل نذهب بالافتراضات إلى أقصى حد ممكن أن تحتمله، ونقول إن هذه الفتاة تريد أن تبدو في موقف الضحية، وإن ما ادعته مجرد \"أكاذيب واختلاقات\"، أليس هذا كافياً ليعرف الناس الحقيقة، حتى لا تتلطخ سمعة \"أناس أبرياء\" سنفترض أنهم لم يفعلوا شيئاً؟ لماذا إذاً لا يكون هناك تحقيق نزيه يبين لنا الحقيقة، ومن الذي كذب ومن زعم أو أدعى؟ ما الذي يحول دون ذلك؟
في الواقعتين، كانت المعالجة تنم عن ضيق أفق، حتى لا أقول شيئاً آخر.
هل يعقل أن يكون هذا هو موقف الحاكمين، كلما طفت إلى السطح قضية من قضايا انتهاكات حقوق الإنسان؟ هذه الجرائم تحدث في كل العالم بما في ذلك الغرب، حيث الممارسة الديمقراطية ودول \"الحق والقانون\"، لكن الفرق أن الأنظمة هناك لا تقول تعليقاً حول ما يقال ويكتب وينشر ويشاهد بأنها \"مجرد ادعاءات ومؤامرة\" بل ما يحدث هو تحقيق وبحث وتحرٍ، ثم قضاء يحكم بالعدل سواء كان الحكم براءة أو إدانة. الفرق أن لا أحد يستطيع أن يكابر ويدعي أن كل ما يقال هو \"مؤامرة ومحاولة للتشويه\".
دعونا في واقعة واحدة، واحدة فقط نقول \"إن هذا منكر\" ونعمل وفق مبدأ أن القانون والحقيقة فوق الجميع. وأن لا أحد يمكن أن يفلت من العقاب، إذا أخطأ شرطي أو رجل أمن وتمت محاسبته ماذا يضير؟ لكن أن نترك هذه الأجهزة تفعل ما تشاء، وبعد ذلك نعتبر أن أي انتقاد لها، هو انتقاد للنظام بأكمله، هذا منطق أعوج.
ثم أنني اسأل سؤالاً بسيطاً، هل يعتقد هؤلاء الذين يقولون إن أي انتقاد للانتهاكات هو انتقاد مبطن للنظام، أن أهل هذا البلد فقدوا شجاعتهم السياسية والأخلاقية، حتى يبحثوا في كل مرة عن فتاة تجلد أو أخرى تغتصب، ليختبئوا خلفها؟ هل يجوز هذا؟؟
الأمر قطعاً ليس كذلك، ولا يمكنه أن يكون على هذا النحو.
كثيرون يقولون وبكامل الوضوح وتحت سماء بلادنا، إنهم معارضون ويتحملون مسؤولية هذا الموقف، وليت هؤلاء الذين يجلدون ويغتصبون يتجهون نحو هؤلاء مباشرة دون التواء. وقتها ستكون الأمور واضحة، لأن أخلاقيات العمل السياسي تحتم على من يعارض أن يعلنها صراحة، ولا يتوارى حول ضحايا الانتهاكات.
إن لب \"القضية السودانية\" هو مسألة الشرعية، والنظام نفسه يدرك أن في كل مبادراته يهدف إلى \"خلق شرعية\" تجعل الناس تقبل به. وليس كل الذين ينازعون النظام شرعيته جميعهم يطلبون سلطة أو موقعاً أو مالاً، كما لا يمكن أن تكون المعارضة \"عمالة\". بربكم هل يعقل أن يكون كل من له رأي مخالف لرأي السلطة أو النظام الحاكم عميلاً؟؟ هذا إسفاف.
بقيت دائماً أقول إن هناك فرقاً كبيراً بين \"الوطنية\" و\"السياسة\"،
في السياسة نتفق ونختلف، حتى لو جعلنا سقف الخلاف هو شرعية النظام نفسه. أما \"الوطنية\" فهي التي تجعلنا نحب هذا الوطن وندافع عنه شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً وفي كل الأصقاع وفي مختلف المنابر، ولا نقبل من أي أحد أن يحولنا إلى مجرد \"عناصر\" في أجندته.
نحن وطنيون نحب وطننا، لذلك لا نقبل أن يقع الخلط، وحتماً لا نقبل أن تغتصب فتياتنا أو يجلدن ظلماً وعدواناً.
صادقاً أقولها.

[email protected]:com
الاخبار


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 4302

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#106672 [يوسف]
4.14/5 (8 صوت)

03-06-2011 10:45 AM
المفروض اذا كان الرئيس عادل ، وهذا الأمر من صميم أختصاصه ، (العدل) والراعي والرعية
أن يقوم بإعدام هؤلاء الكلاب الذين إغتصبوا هذه الفتاة المسكينة في وضح النهار وفي مكاتب الدولة الإسلامية ، وهم يمكن معرفتهم بكل سهولة ...أذا كان هناك تحقيق نزيه وشفاف وهذه ليست مسرحية كما يدعي منتفعوا النظام !


#106451 [واحد مستغرب]
4.08/5 (10 صوت)

03-05-2011 09:37 PM
استاذنا العظيم طلحة ورب العزة كلامك ده جميل لكنه اكاديمى بحت وهؤلاء الذين وصمتهم بأنهم سلطة لاعلاقة لهم بما تقوله ولا يفهمونه البته ويعتبرون من يقول بمثله ان (مستشفا للمجاذيب!!)أولى به!! والمشكلة ان النظام أخذ الجميع فى (سلة) واحده وخلافه أصلا مع المؤتمر الشعبى كما لأيت والرئيس عندما صرح امام الصحفيين كان يقصد تشويه صورة حسن الترابى متنصلا من مسئوليته وكان يجب ان يسأل ÷ذا كان تنصله هذا سوف يشفع له امام الخالق عز وجل وهو كان يتحدث ان الله ولاه على الشعب السودانى ونصبه حاكما مطلقا عليهم وزاد على ذلك فى مناسبتين وكان يقول ان ان الحكم أمانة ويوم القيامة خزى وندامة!! وكأنى به وصل الى قناعة بأنه لم يعد معنى بهذا الكلام بعد ان حكم شعبا خانعا على مدى اكثر من عشرين عاما ومثل تلك القضايا التى اشرت اليها كان ينهض بها رجال قانونيين قضاة ومحامين ولا ينتظرون ان يشير اليهم احد فكانوا يتبنونها لان الله سألهم يوم القيامة علمهم فيما اعملوه ولن يشفع لهم كون انهم ينتمون لحزب فلان او علان وكان الاولى ان يتبنى عدد منهم مثل هذه القضايا لان هذا صميم واجبهم وهنا اخص بالذكر اولئك الذين ينتمون للحزب الوطنى لان سكوتهم يلقى بظلال كثيفة على نقاء سيرتهم وسيريرتهم وانا اعلم بأن فيهم بعض الشرفاء وأعنيهم على وجه الخصوص000فهذا امتحان وكما يقال يوم الامتحان يكرم المرء او يهان وهذا إمتحان ليس دنيويا انما هو امتحان ربانى نسأل الله ان يوفقوا فيه ويجد القبول0


#106359 [alczekky]
4.15/5 (9 صوت)

03-05-2011 05:33 PM
ديل ناس لاينفع معاهم الا العنف ولو كل واحد قتل ليه خمسه كيزان في الحله معاهو كنا خلصنا من القرف بتاع الصغار وبعد داك نجيب الكبار لاعدامهم في الميادين العامه ولكن بعد تعذيبهم عذابا شديدا وهذا هو الحل وسوف اكون اول من ابداء وسوف تسمعون


ردود على alczekky
Sudan [zole] 03-05-2011 09:39 PM
من جمهورية الشيك ؟؟؟ عجبا !!!


طلحة جبريل
طلحة جبريل

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة