المقالات
السياسة
الإفريقية الجميلة: الزرافة السودانية التي ذهبت لفرنسا – 2
الإفريقية الجميلة: الزرافة السودانية التي ذهبت لفرنسا – 2
03-24-2015 01:03 AM


La Belle Africaine: The Sudanese Giraffe who went to France- 2
هيزر شاركي Heather J. Sharkey
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة وتلخيص موجز لبعض ما جاء في الجزء الثاني من مقال للدكتورة الأمريكية هيزر شاركي الأستاذة المتخصصة في تاريخ ولغات وحضارات الشرق الأوسط والأدنى في جامعة بنسلفانيا، نشر في صفحة الدكتورة بموقع جامعتها في عام 2013م.
ويدور المقال حول تاريخ "دبلوماسية الزرافة" والتي مارسها محمد علي باشا حين قام بإهداء زرافة (سودانية) لملك فرنسا شارل العاشر كانت هي الزرافة الأولي (مع اثنتين أخيرتين أهداهما لملكين آخرين في أوربا) في عام 1827م. وكانت تلك الزرافات هي أول زرافات تشاهد في أوربا منذ أن وصلت أول زرافة لأوروبا في عام 1486م.
وللكاتبة عدة كتب ومقالات عن السودان ومصر منها كتاب "العيش مع الاستعمار: الوطنية والثقافة في السودان الإنجليزي المصري"، وكتاب "الإنجيليون الأمريكيون في مصر" و"الهوية والمجتمع في الشرق الأوسط المعاصر" و"تاريخ الصحافة العربية في السودان". وكنت قد عرضت لعدد من كتابات الدكتورة شاركي في مقالات سابقة.
المترجم
********** ************* ***********

قاصدة باريس: الزرافة الملكية وحاشيتها

عد كثير من مستقبلي السفينة التي أقلت تلك الزرافة إلى ميناء مارسيليا أنها زرافة "مصرية". ولا غرو، فقد كانت هنالك جالية مصرية كبيرة بالمدينة تتكون ممن كانت تطلق عليهم الحكومة الفرنسية "اللاجئين المصريين"، وكانوا خليطا من المسلمين والمسيحيين الناطقين بالعربية من الذين تعاونوا مع جيش نابليون والجنرال جان باتيست كليبر (1753 – 1800م) والذي شارك في حملة نابليون، في سنوات الاحتلال الفرنسي لمصر (1798 – 1801م). وهرب هؤلاء المصريون المتعاونون السابقون مع أفراد الجيش الفرنسي المنسحب في عام 1801م، واستقروا في مدينة مارسيليا حيث ظلوا يتلقون معاشات من الحكومة الفرنسية. وكان هؤلاء "المصريون" في الواقع خليطا من أناس من أصول مختلفة: فقد كان بعضهم من المصريين الأصليين من المسلمين والمسيحيين (الأقباط)، والسوريين المسيحيين (خاصة من الكاثوليك)، والمسلمين من أصول "عثمانية" مختلفة، مع عدد من السودانيين "الخدم" أو الرقيق الذين رافقوا مالكيهم في المنفى.
وحلت السفينة التي أقلت تلك الزرافة بمارسيليا قبل نحو نصف عام من وصول سفينة أخرى من مصر محملة بأول دفعة من المبتعثين المصريين الذين أرسلهم محمد علي لفرنسا لتلقي دراسات مهنية ليعودوا بعدها لمصر للمساهمة في تطوير البلاد. وكان من أشهر هؤلاء المبعوثين (وعددهم 40) هو رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873م) الذي يعد علما من أعلام النهضة المصرية، وأحد منظري الوطنية المصرية. وكان رفاعة قد بعث للسودان (ربما منفيا) بعد سنوات من عودته لفرنسا، وسجل طرفا من ذكرياته في السودان في أحد كتبه (قضى رفاعة أربع سنوات في السودان بين عامي 1850 و1854م. ورغم أنه أنجز ترجمة عربية لمسرحية فرنسية في غضون تلك السنوات، إلا أنه لم يكن سعيدا بإقامته في السودان، وتنسب إليه قصيدة مقذعة الهجاء للسودان وأهله وطقسه. المترجم). ويدل استدعاء تلك الصلات بين مصر وفرنسا والسودان، وبين المتعاونين مع جيش نابليون من المصريين، والزرافة والطهطاوي (والتي ربما كانت قد وقعت بمحض لصدفة) كيف أن المتغيرات في مسار الهجرة بين وادي النيل وفرنسا كانت تمضي بمعدلات متسارعة.
وقضت الزرافة بضعة شهور في مارسيليا حتى انقضى فصل الشتاء. ثم بدأت بعد ذلك رحلتها إلى باريس في يوم 20/5/ 1827م مشيا على الأقدام في صحبة راعييها حسن وعاطر. وكان تحت رعايتهما أيضا عدد من الحيوانات الأخرى التي بعث بها دروفيتي كهدايا للملك شارل العاشر: ظبي وأروية (أنثى الوعل) ورو (نوع من الغزلان) مجلوبة من جزر الكناري.
وكان يرافق تلك القافلة عالم فرنسي متخصص في علوم الأحياء هو اتني جريجوري سانت هيلاري (1772 – 1844م) والذي أسس لنظرية اسماها Transformism، وهي تعتمد على دراسة التشريح المقارن للمخلوقات الحية وتلك التي انقرضت. وقد سبق سانت هيلاري عالم الطبيعة البريطاني داروين صاحب نظرية التطور في مثل ذلك المنحى من التفكير. وكان ذلك العالم قد رافق نابليون في حملته المصرية عام 1798م، وسمي باسمه شارع كبير في باريس بالقرب من مسجد باريس الكبير ومتحف التاريخ الطبيعي. وكان الرجل قبل مرافقته لتلك الزرافة يحاول شراء عينات من عالم طبيعة إنجليزي بغرض جمعها وعرضها في متحف. وفي سلوك ذلك العالم الفرنسي يتجسد لنا اجتماع الإمبريالية والعلم وإنشاء المتاحف في شخص واحد، وتتضح لنا أيضا توجهات الفرنسيين للبروز في العالم كقوة مادية في مختلف المجالات تنافس بريطانيا في هذا القرن التاسع عشر.
ومضت الاستعدادات قدما لتسيير القافلة القاصدة لباريس. وهنا قرر اتني جريجوري سانت هيلاري أنه يحتاج لمترجم ليسهل عملية التفاهم مع السودانيين المكلفين برعاية الزرافة. ورشح له لتلك المهمة “لاجئ مصري" من المهاجرين في مرسيليا يدعى جوزيف (ويسمى أيضا يوسف) عبيد، وهو ابن جندي مسيحي حارب مع نابليون في مصر، ثم انضم إلى فيلق "المماليك" في فرنسا، وهو فيلق من القوات الإمبريالية كان جنودها يعتمرون عمائم شرقية (وكان ذلك الزي من ضمن فانتازيا نابليون الاستشراقية). وقرر اتني جريجوري سانت هيلاري أيضا أن الزرافة بحاجة إلى "ملابس مناسبة" تقيها شر عوامل الطبيعة. وكانت تلك الزرافة قد حلت بمارسيليا قادمة من مصر عارية إلا من حجاب/ تميمة كتبت عليها آية قرآنية معلقة حول عنقها، أصر محمد علي باشا - ومن باب التبرك- على أن تمسح أولا على جدار ضريح السيدة زينب. غير أن العالم الفرنسي سانت هيلاري صمم لتلك الزرافة معطف مشمع واق من المطر ليقيها شر البلل. وصمم ذلك المعطف من القماش الأزرق الملكي، ورسمت على جانب منه زهرة الزنبق شعار الإمبراطورية الفرنسية، بينما رسم على الجانب الآخر شعار محمد علي باشا. وجسدت الزرافة وهي تسير الهوينى مرتدية ذلك المعطف شمالا نحو باريس رمزا متحركا للملك شارل العاشر، وجسدت أيضا العلاقة القوية بين مصر وفرنسا. ولم يكن إلباس الزرافة ذلك الزي المخصوص أمرا اعتباطيا. فبحسب أحد مؤرخي المنسوجات فقد كان ذلك المعطف مماثلا لطقس ملكي كان يمارس قديما، تلبس فيه الأميرات الأجنبيات القادمات لفرنسا معطفا بذات اللون والتصميم، وهن على الحدود الفرنسية قبل دخولهن لفرنسا للاقتران بأحد أمراء آل البوربون الملكية. ومثلها مثل أولئك الأميرات الأجنبيات القادمات لفرنسا، كتب على تلك الزرافة أن تهجر مسقط رأسها وللأبد، وأن تنتمي من هنا فصاعدا لفرنسا.
وتبعد مدينة مارسيليا نحو 880 كيلومترا عن باريس، وكانت رحلة حاشية الزرافة تسير نحو 20 إلى 24 كيلومتر كل يوم. وعبرت الحاشية مدنا مثل أفنيون وأورنج وفيين وليون وغيرها قبل أن تصل لباريس. واصطفت جموع الناس بالمئات، وتسلق بعضهم في الأشجار، بينما وقف البعض الآخر على أسطح المركبات، وامتلأت الساحات، لمشاهدة تلك الزرافة. وأضطر العالم سانت هيلاري لتعيين حراس يحيطون بالزرافة بعد أن لاحظ الحاجة لحماية الزرافة من أيدي "المعجبين" وغيرهم. ولم تتأخر الزرافة عن مبادلة معجبيها ودا بود، فطفقت تخرج لسانها وتلعق من يقترب منها. وعند وصول الزرافة وحاشيتها لباريس في نهايات عام 1827م كان في استقبالها عالم تشريح مقارن شهير هو جورج كوفييه (1783 – 1842م) في رفقة صديقه الروائي المشهور ستندال (1769 – 1832م). غير أن الملك لم يحضر شخصيا، إذ أن زوجة ابنه، ماري تيريز شارلوت دو فرانس (1778 – 1851م، والطفلة الأولى لماري أنطوانيت ولويس السادس عشر، والمشهورة بتدقيقها في الألقاب وأصول البروتكول) أصرت على ألا يذهب ملك فرنسا للقاء زرافة أهديت إليه، بل يجب أن تأتي الزرافة إليه. لذا واصلت حاشية الزرافة سيرها نحو القصر الملكي في غرب باريس.
لم تترك الزرافة لتعيش في كنف الملك بل بعث بها لحديقة عامة هي الحديقة النباتية في الحي اللاتيني أو الحي الجامعي التاريخي. وكانت تلك الحديقة قد ورثت كل الحيوانات التي نجت مما حاق بحديقة حيوانات لويس السادس عشر، والذي قطع رأسه في الثورة الفرنسية، وصارت الآن حديقة عامة ومتحفا للتاريخ الطبيعي، يهتم أيضا بالأبحاث العلمية.
وفي أثناء مسيرة تلك الزرافة السودانية شمالا نحو باريس، وفي غضون سنوات بقائها في الحديقة صار الزراف من الأنواع المحبوبة جدا عند الناس في فرنسا، لدرجة أن أحد كتاب سيرة تلك الزرافة (وهو أوليفير ليبلو) كتب عما اسماه الهوس بالزراف (زرافمانيا Girafomania). وصارت رسوماتها وتصاويرها تظهر في الأواني الخزفية والزجاجية والأقمشة والمنسوجات ولوحات المداخن، والأدوات الشخصية المستخدمة مثل فرش الشعر والأطباق وثقالات الورق وغير ذلك. وتفنن الخبازون في اختراع مكبس لصناعة الكعك والبسكويت على هيئة زرافة، وهو أمر فتن به الأطفال بخاصة. واخترع مُصفِّفو الشعر تصفيفة شعر نسائية اسموها "الزرافة"، بل واسموا وباء الأنفلونزا في أحد الأعوام "انفلونزا الزرافة grippe de la giraffe". واستخدم الجواهرجيّة تصميم التميمة المعلقة حول عنق الزرافة لصنع قلادة على شكل قلب نالت إعجاب كثير من الفرنسيات. وأطلق بعض الفنانين على اللون البيج المصفر كلمتي "أصفر زرافي". وكان الرسامون وفنانو الطباعة الحجرية يحرصون على رسم الزرافة في رفقة حارسيها السودانيين بالقرب من نخلة. وكان الحارسان السودانيان، حسن وعاطر، بعمامتيهما الملونتان وجلبابيهما يمثلان تجريدا استشراقيا للرجل "الإفريقي" و"العربي".
وفي مجال الفنون الجميلة خلد الفنان جاك – ريمون براسات Jacques - Raymond Brascasst في عام 1827م مسيرة تلك الزرافة عبر الريف الفرنسي في لوحة زيتية اسماها Passage de la girafe à Arnay le Duc وهي معروضة الآن في متحف الفنون الجميلة في بون Beaune ببورغون / بورجوندي (ويمكن مشاهدة هذه اللوحة، والزرافة في بيت الدرج في متحف مدينة لا روشيل على في الموقع الإسفيري أدناه. المترجم)
http://halleyjc.blog.lemonde.fr/2010...-octobre-1827/
وأنجز النحاتان أنطوان لويس بايري وفرانسوا بومبون عملين من تلك الزرافة في باريس.
وأمتد الهوس بتلك الزرافة إلى الإعلام والأدب المكتوب. فتناول ستندال وألكسندر دوما "الإفريقية الجميلة" في كتاباتهما الإبداعية. وفي أغسطس من عام 1827م وصل من ولاية لويزيانا الإمريكية وفد مكون من ستة من الهنود الحمر (الأمريكيين الأصليين) لباريس، فكتب الروائي الفرنسي ونوريه دي بلزاك عن التزامن العجيب في وجود "هؤلاء الهنود" مع "تلك الزرافة" في فرنسا. وفي رواية أخرى أورد بلزاك حوارا متخيلا بين مجموعة الهنود وتلك الزرافة كان غرضه منه نقد الملك شارل العاشر. وكان الوفد الهندي قد قدم من الولاية الأميركية التي كانت الولايات المتحدة قد اشترتها من فرنسا في مهمة دبلوماسية طلبا لعون فرنسا في صراعهم مع حكومتهم. غير أن ذلك الوفد لقي في باريس استقبالا يعوزه الكرامة، فقد صاروا فرجة للغادي والرائح، ونافسوا الزرافة "الإفريقية الجميلة" في الجاذبية الشعبية.
وكان عرض أفراد ذلك الوفد الهندي القادم من ولاية ليوزيانا أمام الجمهور الفرنسي المَشْدُوه، وجعله مصدرا للفرجة في بدايات القرن التاسع عشر يذكرنا بأن قائمة ما كان يجلب ويعرض للجمهور بغرض التسلية والإضحاك في أوربا يشمل (ولا يقتصر) على الزراف والأسود والأفيال، والبشر أيضا (ونتذكر هنا بيت المتنبئ الشهير: "ومثلك يؤتى به من بلاد بعيدة ليضحك ربات الحداد البواكيا". المترجم). وكانت رؤية المخلوقات التي يؤتى بها من بلاد بعيدة قد ساعدت الحكومات الأوربية الإمبريالية على تهيئة مواطنيها لتقبل فكرة الاستعمار تحت ستار العلم والعقلانية، وعلى زيادة ثقة الجماهير في "معرفة" حكوماتها. ولعل أفضل مثال لذلك الضرب من السياسة الإمبريالية هو ما جرى لامرأة مسترقة من جنوب غرب أفريقيا اسمها سارتجي ("سارة") بارتمان (حوالي 1790 - 1815م)، والتي كانت قبل خمسة عشر عاما من ذلك التاريخ قد أحضرت للعرض في أوربا وهي شبه عارية وأطلقوا عليها اسم Hottentot Venus . والجدير بالذكر أن العالمين سان هيلاري (والذي قاد موكب الزرافة لباريس) وكوفت (والذي كان في استقبال موكبها بباريس) قد قاما في عام 1815م، وأمام الجمهور، بتفحص جسد تلك الأَمَة العارية، بدعوى الدراسة العلمية، ودونا في دفتريهما ما اعتبراه أشياء مستغربة مثل ضخامة عَجِيزَتها وغير ذلك (تعج الشبكة العنكبوتية بالمقالات والرسوم التاريخية الساخرة عن قصة ذلك التمييز المبني على الجنس أو العرق والمتدثر بستار العلم والمعرفة، وأيضا عن وجود "حدائق حيوانات بشرية" للسود والمعاقين والأقزام والتوائم السيامية وغيرهم من المخلوقات "الغريبة". المترجم). وبعد حياة قصيرة توفيت تلك المرأة الإفريقية، فقام العالم كوفت بتشريح جثتها، وكتب تقريرا بنتائج ذلك التشريح، نشره في مجلة متحف التاريخ الطبيعي في عام 1817م، وذلك قبل عقد من الزمان على نشر العالم سان هيلاري لوصفه لـ "زرافة سنار".
ويمكن القول باختصار إن تلك الزرافة السودانية والمرأة الجنوب إفريقية قد أثارتا، وعلى حد سواء، اهتمام العلماء الفرنسيين العظماء (من شاكلة كوفيت وسان هيلاري) كغرائب (أو فلتات) من الطبيعة، وساعدا على اقناع الرأي العام الفرنسي بأنهما خبيرين في "الشأن الإفريقي".
ويبقى السؤال هو: لماذا أفتتن الناس في فرنسا كل ذلك الافتتان بتلك الزرافة السودانية حتى صاروا يضعون صورها على ما يستخدمونه من أدوات وطعام كأقداح الشاي والبسكويت؟ والإجابة ببساطة هي أن الزرافة، وحتى ذلك الوقت، كانت بالنسبة للفرنسيين مخلوقا اسطوريا عجيبا، يعشقونها ليس فقط من أجل شكلها الغريب (إذ أن لها عنق يفوق في الطول عنق أي حيوان آخر من ذوات الثدي في هذه البسيطة)، بل لأنها حيوان بري wild لكنها تمتاز عن الحيوانات البرية الأخرى بلطفها ورقة سلوكها. وبالإضافة لذلك فإنه لم توجد في فرنسا أي سوابق شبيهة بتلك الزرافة إلا نادرا جدا. فعلى سبيل المثال قام المستكشف الفرنسي فرانسوا لو فيلان Francois Levaillant (1753 – 1824م) باصطياد زرافة في جنوب أفريقيا وأرسل جلدها ليعرض في فرنسا عام 1785م، وكانت تلك أول مرة يبعث بزرافة نافقة إلى فرنسا. وقام خبراء التحنيط الفرنسيين، ولقلة علمهم بتشريح أعضاء الزرافة، بحشو جلد تلك الزرافة، وكانت النتيجة هيئة حيوان لا يشبه الزرافة من قريب أو بعيد، كما تشهد بذلك الرسمة الزيتية لذلك الحيوان المحشو في متحف الحديقة النباتية. ويذكر في باب تاريخ الزراف في فرنسا أن ابنة الإمبراطور لويس الحادي عشر قد حاولت جلب زرافة لفرنسا غير أنها فشلت في مسعاها، وأن الإمبراطور لويس التاسع (والذي عد، بحسب ما جاء في موسوعة الويكيبيديا، قديسا فيما بعد وفاته بتونس في 1270م عند قيادته لحملة صليبية هدفها حمل سلطانها الحفصي لاعتناق المسيحية) كان يمتلك تمثالا صغيرا لزرافة مصنوعا من الكريستال. غير أن كل ذلك لم يكن يعادل نظرة واحدة من تلك "الإفريقية (السودانية) الجميلة" الحية بشحمها ولحمها، وهي تحط على الأرض الفرنسية في 1827م، حين خلبت ألباب العامة (والخاصة أيضا) وأثارت مشاعرهم وهي تأكل من أيديهم.
ويجدر بالذكر القول بأن عملية إهداء محمد علي باشا تلك الزرافة لملك فرنسا لم تكن أمرا بَدْعًا، فقد كانت الحيوانات البرية النادرة والغريبة مثل الأسود والأفيال ووحيد القرن تعد عملة دبلوماسية شائعة في ذلك الزمان (وقبل عقود قليلة، وتحديدا في نوفمبر 1962م، زار الرئيس اليوغسلافي تيتو السودان، وأخذه الفريق إبراهيم عبود في زيارة لحديقة الحيوان، وقام تيتو بإهداء تلك الحديقة دبا أبيض اللون كنا نراه يتبطح على ألواح من الثلج في صيف الخرطوم اللاهب. المترجم).

السودان كمصدر للزراف

أثبتت عدد من الدراسات الأثرية في أرض النوبة في العهد المروي وجود رسومات منحوتة في الصخور لزراف وأفيال. وأثبتت الأبحاث أيضا أن تلك الحيوانات قد انقرضت في تلك المنطقة قبل نحو 5000 عاما. ومعلوم أن عائلة الزراف كانت موجودة في أوربا وآسيا في سنوات العصر الحديث الأقرب Pleistocene era قبل نحو 12000 إلى 2500000 عاما تقريبا. غير أن الزراف كان حيوانا نادرا حتى في مصر الفرعونية، ولكنه كان موجودا، وبكثرة، في السودان، حيث كان يصدر لمصر عبر نهر النيل، ومنها يهدى للملوك في أوربا وآسيا. وكان ذلك عكس ما كان يحدث في المناطق الأفريقية (مثل النيجر) التي يكثر فيها الزراف وما من سبيل لتصديره.
ومن أشهر الأوربيين الذين استفادوا من زراف السودان هو قيصر روما والذي ظهر في موكب انتصار له في روما وهو على ظهر زرافة (أحضرها معه من الإسكندرية، وهي سودانية بلا ريب) في حوالي عام 46 قبل الميلاد، وكتب عن ذلك المشهد كتاب وشعراء مثل بيلينيوس وهوراس (انظر المقال المبذول على الشبكة العالمية: http://penelope.uchicago.edu/~grout/...s/giraffe.html
وأستمر ذلك الاتجاه حتى العصر الإسلامي حين عقدت اتفاقية البقط عام 651 م بين حكام مصر المسلمين ومملكة المقرة المسيحية، والتي تعد من أهم أسباب أسلمة وتعريب شمال السودان. وورد الزراف في تلك الاتفاقية حيث نصت على أن يدفع حكام المقرة لحكام مصر المسلمين جزية سنوية تشمل 400 من الرقيق وعددا من الجمال وفيلين وزرافتين. وتم تعديل بنود تلك الاتفاقية في عهد الخليفة الفاطمي المهدي (حوالي 775 – 785م) لتصبح الجزية السنوية 360 من الرقيق وزرافة واحدة. وفي عهد المماليك شملت الجزية في عام 1275م ثلاثة زرافات وثلاثة أفيال وفهود وجمال وثيران. ومهما يكن من تذبذب أعداد الزراف المنصوص عليه في الاتفاقية فقد كان واضحا أن الزراف بقي عملة مهمة. فقد كان عرضها للعامة في الاحتفالات مصدرا للفخر عند الحكام الفاطميين والمماليك، مثلما كان عند حكام الرومان. ويدخل ذلك في باب ما سماه عالم الاجتماع الأمريكي الناقد للرأسمالية ثورشتاين فايبلين Conspicuous consumption
ولم يصدر السودان الكثير من الزراف بسبب صعوبة ترحيل هذا الحيوان ونقله حيا بأمان لمسافات طويلة. ويبدو أن أفضل وسيلة عملية لفعل ذلك هو استئناسه. ولا يمكن استئناس الزراف إلا إذا تم اصطياده وهو صغير جدا حتى يعتاد على التعامل مع البشر ويغدو حيوانا أليفا صديقا (pet). غير أن نقل صغير الزراف يتطلب أيضا توفر كمية كبيرة نسبيا من اللبن. فقد ذكر من رعيا الزرافة التي أهديت لملك فرنسا (حسن وعاطر) أنها كانت تستهلك يوميا 25 جالونا من اللبن. وأتى ذلك اللبن من النوق أولا، ثم صار يأتي من الأبقار. ولهذا تقرر أن ترسل ثلاث بقرات مع تلك الزرافة في رحلتها من الإسكندرية لمرسيليا. وبيعت إحدى تلك الأبقار في مرسيليا لشراء معطف لتلك الزرافة! وتظهر البقرتان الباقيتان في لوحة الفنان جاك – ريمون براسات عن مسيرة تلك الزرافة من مارسيليا لباريس، والمسماة Passage de la girafe à Arnay le Duc
وكان السوداني حسن البربري (والذي رافق تلك الزرافة في رحلتها لفرنسا) يعمل سائسا وراعيا في مزرعة "الدبلوماسي الانتهازي" دروفيتي بالإسكندرية. وقد سبق له السفر مع زرافة أخرى أهداها محمد علي باشا للسلطان العثماني محمود الثاني (1784 – 1839م). وكانت تلك هي أول زرافة تحط رحالها في إسطنبول. غير أن تلك الزرافة ماتت في عام 1823م. ويزعم حسن البربري أن سبب نفوقها هو الجوع. إذ أن أعوان السلطان كانوا قد تجاهلوا طلبات حسن لكميات كبيرة من اللبن لتغذية الزرافة المهداة. ولهذا نصح حسن دروفيتي بأن يطالب من محمد علي باشا مده بأبقار تمدها باللبن في رحلتها الطويلة.
وتذخر الأدبيات التي كتبت عن تلك الزرافة، وعلى مدى عقود طويلة، بالكثير عن مسيرتها وحياتها. وحاول في بداية التسعينيات باحث أمريكي هو مايكل ألن Michael Allinتتبع رحلة تلك الزرافة. وكان سؤاله عنها في الخرطوم محل شك وريبة في مراميه ومن يقف ورائه (كما يحدث عادة للبحاث الأمريكيين في السودان، والذين يتم اتهامهم ومنذ لحظة وصولهم بأنهم عملاء لوكالة الاستخبارات المركزية، وهذا بالطبع انعكاس للأحوال السياسية القائمة وتعقيداتها ومخاوفها الوطنية والعالمية، وهذا من شأنه أن يؤثر على الأبحاث). وكان كثير من الأكاديميين السودانيين يتحاشون الحديث مع الباحث الأمريكي ألن، إلى أن عثر أخيرا على باحث سوداني متميز في جامعة الخرطوم هو بروفيسور جعفر ميرغني، والذي كان قد درس حالة مشابهة وهي ترحيل وحيد القرن من الخرطوم إلى لندن في عامي 1849 – 1850م. ومما قاله بروفيسور جعفر ميرغني للباحث الأمريكي أن رحلة تلك الزرافة لفرنسا عبر النيل لابد أنها بدأت مع ارتفاع منسوب النهر في فصل الربيع، وأنها لابد أن تكون قد نقلت على صنادل، وأنها أنزلت وأعيد تحميلها على تلك الصنادل عند الشلالات التي توجد عند الحدود السودانية - المصرية الحالية (بخلاف الحال مع الرقيق، والذين كانوا ينقلون لمصر سيرا على الأقدام). ولعل هذه الطريقة في الترحيل هي ذات الطريقة التي تم بها ترحيل الزرافة التي نقلت من السودان وانتهى بها المطاف في حديقة الملكة حتشبسوت في حوالي عام 1500 قبل الميلاد.
أما الملك شارل العاشر (والذي أهداه محمد علي باشا "الإفريقية الجميلة") فقد مات منفيا في عام 1836م بدولة سلوفينا الحالية. أما هديته تلك، الزرافة السودانية، فقد بقيت منعمة في الحديقة النباتية بباريس، ويفد لرؤيتها مئات النظارة يوميا. وكانت تعيش على العشب والخضروات، إضافة لما يحلب لها من لبن البقرتين المصريتين االلتان رافقتاها في رحلتها من الإسكندرية لمارسيليا. وعاد راعيها حسن البربري لمصر بعد أن وصلت الزرافة لباريس. غير أن الراعي الآخر عاطر بقي مع زرافته لعشر سنوات قادمة، وكان ينام ليلا (أو بالأحرى فجرا) على مسطبة بالقرب من حظيرتها في الحديقة إلى أن عاد لوطنه. وورد في بعض المصادر أن عاطر عشق الحياة الباريسية الليلة وتعلم اللغة الفرنسية، وصار – بحسب بعض التقارير الشرطية – مغرما بمصادقة الفتيات الباريسيات، والعودة فجرا لمخدعه في الحديقة بعد مغامراته الليلية المثيرة. وكتبت عنه صحيفة لو فيغارو Le Figaro ما يفيد بأن القصص المثيرة عن عاطر الأسود ما هي إلا صور نمطية استشراقية عن قدرات الرجل الإفريقي المذهلة.
وماتت "الإفريقية الجميلة" في 12 يناير 1845م من التهاب رئوي ألم بها عن عمر ناهز الحادي والعشرين عاما. وتم تشريح جثتها ووضعت أجزاء صغيرة من قلبها ورئتها وأعضائها اللينة الأخرى في محلول فورمالين لحفظه، ثم أخذت عظامها وركبت على شكل هيكل وقدمت هدية لكلية العلوم لجامعة كاين بنورماندي في 1869م. وبقيت هنالك إلى حين قيام الحرب العالمية الثانية عندما قام جنود الحلفاء بقصف مقر تلك الجامعة، وحرقت عظام تلك الزرافة من ضمن ما حرق في الجامعة. ولم يبق من تلك الزرافة غير جلدها (القوي)، والذي أعيد حشوه ووضع في متحف بمدينة فردان (وهي المدينة التي قتل فيها في الحرب العالمية الأولى ثلاثين ألفا من الجنود الفرنسيين والألمان).
وتدل الطرق التي حاول بها الفرنسيون الحفاظ على بقايا تلك الزرافة على مدى تقديرهم لها. وبقي حب الناس (خاصة في فرنسا) للزرافة حتى الآن. ففي عام 2012م أنتج فيلم رسوم متحركة للأطفال بعنوان "زرافة" نال استحسان الكثيرين لجودة تصويره وإخراجه، ولتعبيره عن روح ما بعد الاستعمار. فمثل في ذلك الفيلم الملك شارل قط سيامي غبي، بينما مثلت الزرافة الجميلة خفيفة الظل أودري هيبيرن. ويظهر حسن كعربي صارم وسيم ومعتد بنفسه وهو في جلبابه العربي وعمامته. ولم يظهر الفيلم السوداني عاطر، بل أظهر ولدا بني اللون أسموه مكي رافق حسن والزرافة فرارا من غزوة لتجار الرقيق على قرية سودانية. انظر http://www.imdb.com/title/tt2077908
وفي بدايات القرن العشرين كان صيد الزراف (وليس استلامه حيا كهدية) هو مما يزيد من هيبة (بيريستيج) الرجل الأوربي (وليس المرأة الأوربية، فصيد الحيوانات البرية غواية رجالية محضة، ودليل مفترض على "الرجولة"). وكان السودانيون يصيدون الزراف ولكن بقصد أكل لحومها واستخدام جلودها، وليس للتلذذ بقتلها أو لتصديرها مثلما يفعل الغربيون. ويمثل رجل مثل الرئيس الأمريكي السابق ثيودور (تيدي) روزفلت (1858 – 1919م) تلك المثالية مفتولة العضلات (macho ideal). وعرف ذلك الرجل بتيدي، والتي أتى منها تعبير Teddy bear بعد أن رفض أن يطلق الرصاص على دب مربوط على شجرة، واشتهر أيضا بمقولة "تحدث بلطف وأحمل عصا غليظة". وعند زيارته لجنوب السودان وكينيا وأوغندا قام تيدي بقتل عدد كبير من الحيوانات البرية شملت 296 حيوانا منها 7 زرافات و8 أفيال و20 حمارا وحشيا، رغم أن الرجل برر قتله لتلك الحيوانات بأنه سيهديها لمتحف الاسماثونين في واشنطن.


تعليقات 2 | إهداء 1 | زيارات 1871

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1234061 [سوداني سناري]
0.00/5 (0 صوت)

03-25-2015 02:38 AM
الطريف أن الزرافة لقبت ب"Tall horse" أي الحصان الطويل أو نحوا من ذلك وقد إتخذت إحدى شركات الخمور هذا الإسم ويزعمون أن هناك تشابها كثيرا بين خمورهم وتلك الزرافة من بينها تلك المسافة البعيدة التي قطعتها الزرافة من السودان إلى فرنسا وخمورهم من جنوب أفريقيا وصولا لفرنسا.

[سوداني سناري]

#1233467 [ود المحمية]
5.00/5 (1 صوت)

03-24-2015 09:35 AM
اقترح ان يكون شعار السودان الزرافة اسوة بالديك الفرنسي
وتشير الى التنوع السوداني

[ود المحمية]

ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة